"صائد الأمواج": رواية.. عصيرها ألم!

"صائد الأمواج" كتاب يخصّ سيرة شاعر شهيد، وأهل بيته الشهداء أيضاً، ولكنه هو كتاب كلّ الشهداء في غزة، إنه  كتاب، لو قدّر للمرء أن يأخذه بين كفيه، ويعصره.. لنزّ دماً، ووجعاً، وصرخات لسليم النفار وزوجته وأولاده.

  • "صائد الأمواج": رواية.. عصيرها ألم!

يظنّ الظانون أنّ قطاع غزة مكان بري في كلّ شيء، وأعني بالمكان البري، أنّ القطاع بمدنه وقراه ومخيماته، لا آداب ولا فنون تعبّر عن الحال الاجتماعية فيه، وأنّ الحال الثقافية فقيرة أو محدودة في تمظهرها، وأن لا أحد يعرف الكثير عن الأحوال الثقافية فيه، وكلّ هذا ليس سوى ظنّ، لأنّ القطاع ومنذ الأزمنة البعيدة التي طوت ألف سنة وأزيد، كان مكاناَ اجتماعياً، بل كان مكاناً مدينياً تعبّر عنه حياة الناس الثرية، وعطاءات أبنائه المدهشة في الإبداع والحذق، والتطاول، والمناددة مع الجوار، في مصر غرباً، ومع بلاد الشام والرافدين شرقاً، كان القطاع ومن الناحية الاقتصادية الطريق الأرحب لكلّ غلال الجزيرة العربية من جهة، ولكلّ ما يأتي من بضائع، ومنها الآداب والفنون، من الهند وإيران من جهة أخرى. 

وكانت الثقافات والفنون في قطاع غزة ثقافة مناددة ومنافسة للثقافة والفنون في مصر، وكانت الأسر المصرية التي تصاهر الأسر الغزية تعدّ من الأسر المحظوظة، وذلك لأنّ غنى الحياة في قطاع غزة كان غنى ظاهراً جلياً، فما زرعه أهل غزة من لوزيات وحمضيات وأشجار نخيل كان يبادله أهل غزة بالذهب مع عملائهم من خارج غزة، وكانت حقول الورد الغزية تصدّر وردها اليومي إلى مختلف بلدان أوروبا، بدءاً من قبرص وإيطاليا واليونان وصولاً إلى هولندا ودول البلطيق.

 ولا يمكن لعاقل أن يقتنع بأنّ هذا الغنى الاقتصادي لم تواكبه وجوه الغنى في الرقي الحضاري في التعامل والسلوك من جهة، وفي جميع العادات والتقاليد والأعراف والتصوّرات، وما عرفته من مكانة وعلو شأن من جهة أخرى..

أهالي قطاع غزة، محو أمّيتهم باللغات الأجنبية منذ 100 عام وأزيد، وكان مترجمو نابليون بونابرت (1802) من أبناء غزة، وقد حاوروه بوصفه أديباً أيضاً، وليس قائداً عسكرياً غازياً فقط، حاوروه حول لبابات الأدب الغربي، واللاتيني وقالوا له: إنّ مؤلف أوغسطين "مدينة الله" كتاب ضلّ طريقه حين جعل روما هي مدينة الله، لأنّ مدينة الله هي القدس، وما من مدينة تليق بهذه التسمية سواها.

 قلت هذا، عبر سطري الطويل، استهلالاً لأتحدّث عن واحدة من السير الذاتية، وهي هنا سيرة غيرية، التي راحت تظهر تباعاً، وعلى نحو متسارع بعدما حدث في قطاع غزة عقب طوفان الأقصى 2023، وذلك من أجل الارتقاء بالنفوس، والوعي، والحفاظ على الذاكرة، وإكرام الشهداء في الكتابة،  والتسجيل، والحفظ، كي لا تمرّ أرواح الشهداء بلا تكريم، وكي لا تظنّ الأمكنة أنّ أهلها نسوا ما كان لهم فيها من أمن وأمان، فالقرى والمدن والبيوت هي الوطن، والتفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي هو الحياة التي إن تحدّثنا عنها فإنما نتحدّث عن العادات والتقاليد والأعراف والتصوّرات والإبداع الذي بدأ بحفر الآبار، وشقّ السواقي، وزراعة الأرض، ومضى إلى التأليف، والتسجيل، والإبداع، فجعل الحجارة والصخور وجذوع الأشجار وقطع الرخام والحديد والبرونز تتكلّم عن الحذق الغني.

هنا بين يدي كتاب مهم، عنوانه "صائد الأمواج" لمؤلفه الشاعر ناصر عطا الله، وهو كتاب في السيرة الغيرية، لأنه يتحدّث عن سيرة شاعر مهم عرفه أهل غزة، وأهل فلسطين في آن، هو الشاعر سليم النفار، والكتاب صادر عن "دار مكتبة كلّ شيء" في حيفا عام 2026 ويكاد عدد صفحاته ينوف على مئتي صفحة، فهو رديف لكتب سيرة ذاتية، وغيرية ومكانية كتبت عن شهداء غزة، ومنهم أكاديميون درسوا في أكثر من سبع عشرة جامعة، وبعضها لها رتب أولوية في التصنيف العالمي من حيث الجدّة والابتكار في البحوث العلمية، ومنهم أدباء وشعراء ومؤرّخون وعلماء اجتماع ومدرّسون أصحاب صيت وشهرة، وسير أخرى كتبتت عن أمكنة تراثية هائلة في القيمة والمكانة والقدم التاريخي الذي يشير إلى روعة العمران قبل ألف وخمسمئة سنة وأزيد. 

وهناك سير كتبت عن المعابد الدينية التي دمّرها القصف الإسرائيلي، ومنها المسجد العمري، ومئات المساجد الأخرى التي كانت تؤرّخ بتواريخ بنائها إلى أزمنة وعصور قديمة. ومنها كنائس بنيت قبل أن تبنى الكنائس في روما والعالم الأوروبي، وسير مدهشة كتبت عن أبطال الشجاعة والصبر، والمواجهة، هؤلاء الذين أذلوا القوة الإسرائيلية التي دجّجها الغرب بكلّ ما استطاع، كي يصير قطاع غزة جحيماً للموت والقهر، عفواً كي يصبح طاحوناً للدم، والصرخات، والآلام التي لم يرَ العالم لها مثيلاً.

هذا الكتاب "صائد الأمواج" كتاب بكاء وحزن وحرقة قلب ووجع عالي الصوت مثل النواعير، ووفاء نادر، وكلّه يدور حول أمرين اثنين؛ أولهما قطاع غزة/ المكان، والناس/ عشّاق العمران. والأمر الثاني هو الشاعر سليم النفار!  فقصته مع أهله وأولاده وزوجته، هي قصة مأساة وحزن لن ينتهي، ولم تعرف خاتمته حتى هذه الساعة، وإن كانت بدايته قد عرفت، وهي قصة مشابهة لقصص كثيرة، وكثيرة جداً، في غزة، فقد استشهد سليم النفار مع زوجته، وابنه مصطفى، وثلاث بنات، الصغرى منهن هي تلميذة في المدرسة الابتدائية، استشهد أفراد الأسرة جميعاً بالقصف الإسرائيلي الجنوني داخل البيت مع أسرة شقيق سليم النفار، الأب، والزوجة، وستة أولاد، استشهدوا جميعاً بعد أن جالوا في عدة أمكنة في قطاع غزة، طلباً للنجاة من جحيم الإسرائيليين وفائض قوتهم العنصرية التي لم تفرّق بين بيت وخزّان ماء، وناس ونبات، وحجر وطريق، ومدرسة ومشفى، ومعبد وحقل!

لقد عادت أسرة سليم النفار، وأسرة شقيقه إلى البيت، بيت الأسرة الكبير هرباً وخلاصاً من مذلة التهجير والتشرّد من مكان إلى مكان، لقد عادوا، بعد أن اقتنعوا ووعوا بأنّ الإسرائيليين أهل كذب، وكلّ منشوراتهم التي ترمى من الطائرات في قطاع غزة  هي أكاذيب، هدفها المزيد من القتل والمطاردة والتشريد والتدمير والإخافة، لذلك عادوا إلى البيت، بيتهم، ولكنّ الحقد الإسرائيلي لحق بهم، هناك، فدمّر البناء الكبير، وهو من عدة طبقات، وسوّاه بالأرض، لقد خرجت السقوف، وهوت الحيطان فتداخلت، كما لو أنها كومة قشّ، ولم يكن بينها سوى الشاعر سليم النفار، وأهل بيته، وشقيقه، وأهل بيته أيضاً، وقد ظلّ البناء الكبير الذي هوى ينزف دماً حتى صار الدم سواقي تلعقه الكلاب التي توحّشت، بعد أن جاعت، وخافت، وبعد أن شرّد الناس وهجّروا، وبعد أن رأت ما رأته "عجوز فلسطيني، يقول لمن حوله، وهم يجلسون قرب سور مشفى الشفاء، لا تستغربوا ما تفعله الكلاب، لقد جاعت الكلاب، وخافت، وجنت، وما عادت هي الكلاب التي نعرفها، حين دارت ألف دورة ودورة وهي تبحث عن سكان البيوت، فلم تجدهم، فظنّت الدنيا ما عادت دنيا، لذلك لعقت الدم، وشربته، وأكلت جثث الشهداء الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية وهي جهنمية في التوحّش والشراسة".

هذا الكتاب "صائد الأمواج" كتاب أدبي ساحر في أسلوبه، ليس لأنّ صاحبه "ناصر عطا الله شاعر"، وإنما لأنّ كاتبه هو الحزن، هو الألم، هو الوجع الثقيل، كتاب تمخره المشاعر الصعبة في حزنها وبكائها، ويمخره النبل، وهو يعدّد ويصف ويتحدّث عن ما حدث ويحدث في غزة. 

كتاب ثقيل في مشاعره، ونبله، ووفائه، وصدقه، وتقصّيه لكلّ التفاصيل الصغيرة، ولكلّ الذكريات، والمواقف، التي عرفها المؤلف الشاعر "ناصر عطا الله"، عن صديقه الشاعر الشهيد سليم النفار، إنه يتحدّث بفخر عن سليم النفار، فيقول: إنه شهيد ابن شهيد، أبوه كان شهيداً في البحرية الفلسطينية، استشهد عام 1973 في بحر صيدا "لبنان"، وقد لقّبه رفاقه بـ "أبو سليم البحرية"، وها هو يمضي من أجل الكرامة الضافية، والنسب الكريم، والسلالة التي مشت في طريق الشهادة لأنها هي الكبرياء، وهي العزة الوطنية ، ها هو، وأهل بيته شهداء، ومعهم شقيقه، وأهل بيته يلحقون كيما يسجّلوا أسماءهم في كتاب الشرف!

يتحدّث الكتاب، وهو في نحو 200 صفحة، عن طفولة سليم النفار الشاعر الشهيد، وشبابه، وكثرة الأمكنة التي عاش فيها، فهو من أبناء حيّ العجمي في يافا، هجّر أهله إلى قطاع غزة، فعاش في مخيم جباليا، ثمّ طرد أبوه الفدائي ونفي إلى الأردن، فعاش حياة المقاومة قرب نهر الأردن، وعاشت أسرته في أحد المخيمات الأردنية (البقعة)، ثم، وبعد أحداث 1970 (أيلول الأسود)، رحلت العائلة إلى سوريا، لتستقرّ في مدينة  اللاذقية، لأنهم أهل بحر، ويحبون مجاورة البحر، ثمّ رحلت العائلة إلى بيروت، ثم عادت إلى سوريا، ثم ذهبت إلى غزة في أوائل عقد التسعينيات، وفي الحرب على غزة 2023، استشهد سليم النفار، وأسرته، وشقيقه وأسرته أيضاً بعد 90 يوماً من الحرب على غزة، تاركاً وراءه مؤلفاته، ومخطوطاته التي لم تطبع،  ولم تدقّق، ولم تنشر!

كتاب "صائد الأمواج" كتاب يخصّ سيرة شاعر شهيد، وأهل بيته الشهداء أيضاً، ولكنه هو كتاب كلّ الشهداء في غزة، إنه  كتاب، لو قدّر للمرء أن يأخذه بين كفيه، ويعصره.. لنزّ دماً، ووجعاً، وصرخات لسليم النفار وزوجته وأولاده حين سقطت سقوف (العمارة) فوقهم، وحين حاصرتهم الحيطان، وحين لفظوا  أنفاسهم، وهذا الكتاب لا يقرأ بالعينين فقط، بل يقرأ بالحوار، فالقارىء، وهو يقرأ، يرى دماء الشهداء وهي تسيل وتجري وتتلاقى لتصير ساقية تخرج من تحت الحيطان المرمية أرضاً لتقول: أنا ماء الأرض، وأنا من يعمّدها، وأنا من يصونها، وأنا خميرتها، وأنا ضميرها، وأنا ما تبقّى  حياً شاهداً ، أنا الشهداء، أنا صوتهم، أنا ماء قلوبهم.. أنا ضميرهم!

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك