"درجة تانية": حين تصير الذاكرة مسرحاً والمسرح وطناً مؤقتاً

نحن أمام مسرحية تقول إن المسرح يمكن أن يكون وطناً مؤقتاً لمن لا وطن له، وجنسية رمزية لمن لا جنسية له. وحين تجلس الأم في الصف الأمامي، وترى كفاحها يُبعث على الخشبة، فإن المسرح لا يعيد سرد الماضي فحسب، بل يمنحه اعترافاً علنياً كان مُصادَراً لعقود.

أقسى الأوطان تلك التي تمنحها هوياتها بمزاج حارس حدود، وهذا بعض ما تقوله مسرحية "درجة تانية": إن الإنسان قد يُولد في مكان، فيصبح المكان له، لكن الورق الرسمي لا يعترف بذلك.

ليست المسرحية حكاية فردية بقدر ما هي شهادة على جرح جماعي، ومرآة لواقع لبناني يعرف كيف يحوّل الإنسان إلى رقم معلّق، وإلى خيال يمشي على أرضٍ ليست له رسمياً. هنا تكمن أهمية الفكرة قبل أي شيء آخر: أن تُخرج مسألة التمييز العنصري والحرمان من الجنسية من دائرة الشكوى الخاصة إلى فضاء المسرح العلني، حيث يصبح الوجع قضية، والصمت اتهاماً.

ولئن كان المسرح اللبناني قد عالج هذا الموضوع في أكثر من عرض، فإن العرض الجديد يكتسب أهميته من كونه نابعاً من تجربة شخصية واقعية.

يعلن ملصق المسرحية أنها قصة حقيقية، استوحاها الكاتب، ديمتري ملكي، من حياة الممثلة سمر صالح بكل تفاصيلها، محطات قاسية، تمييز عنصري، علاقات مخيبة، تنمّر، ثم قوة وإرادة وحب للحياة، حتى "نجومية القلب". وهذه العبارة الأخيرة ليست مجرد شعار عاطفي، بل هي جوهر ما يحاول العمل تحقيقه: أن يمنح الإنسان ما سلبه القانون، ليس بالورق، بل بالاعتراف. أن يجعل من القلب جواز سفر بديلاً.

الجرأة هنا مشتركة. الكاتب ديمتري ملكي، والمخرج شادي الهبر، ومحترف "شغل بيت"، تصدّوا لمهمة ليست سهلة: تحويل سيرة شخصية إلى عرض مسرحي، من دون أن تتحول إلى خطابة أو شكوى مباشرة. وهذا التصدّي يستحق التنويه، لأن المسرح اللبناني يحتاج إلى مثل هذه الموضوعات أكثر من حاجته إلى الترفيه الآمن. أن تطرح العنصرية وحرمان الجنسية على الخشبة، يعني أن تفتح جرحاً مفتوحاً أصلاً، وأن تطلب من الجمهور ألا يكتفي بالتصفيق، بل أن يعيد التفكير في معنى الانتماء.

وقد أحسن المخرج في بناء رؤية بصرية تنقل هذا الوجع من الكلام إلى الفراغ. قُسّمت منصة العرض نصفين بالعمق لا بالعرض، حيث تدور المشاهد التمهيدية خلف غلالة شفافة، تصير شاشة عرض لمقاطع من أعمال سينمائية أو توثيقية تناولت قضية العبودية والعنصرية. هذا الاختيار ليس زخرفياً، بل هو تعبير عن أن حكاية سمر ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الظلم. الغلالة الشفافة تفصل بين ما هو شخصي وما هو جماعي، وبين الذاكرة الفردية والتاريخ. والمشاهد التمهيدية التي تعرض خلفها تمنح الحكاية بعداً أوسع، كأن المسرح يقول: ما حدث لسمر حدث لغيرها، وسيحدث لغيرها، ما لم يتغيّر الوعي.

ومن خلال حكايتها الشخصية، توجه سمر تحية لوالديها اللذين انتصرا لقصة حبهما وواجها التمييز والعنصرية بقوة شكيمة ورباطة جأش، ولاسيما والدتها التي جلست في الصف الأمامي، تشاهد بتأثّرٍ بالغٍ بعضاً من سيرتها وكفاحها وقد صارا مشهداً حياً على الخشبة.

هذه الالتفاتة ليست تفصيلاً عائلياً عابراً، بل هي قلب العمل النابض. فالحب الذي قاوم العنصرية هو ما أنتج هذه المرأة التي تقف على الخشبة اليوم. والمسرحية لا تحكي فقط عن الضحية، بل عن المقاومة التي سبقتها، وعن الجذور التي جعلت النجاة ممكنة. وحين ترى الأمُّ سيرتها تُروى على لسان ابنتها، يتحوّل المسرح إلى مرآة بين جيلين: جيل حمل الجرح بصمت، وجيل اختار أن ينطق به على الملأ. كأن الابنة تستعير جسدها لتؤدي ذاكرة أمها، وكأن الأم تستعيد شبابها وكفاحها في وقفة ابنتها على الخشبة. لحظات كهذه لا تُكتب ولا تُخرَج، بل تُعاش.

وقد أحسن الكاتب في توظيف المراحل المفصلية في سيرة سمر التي تؤدي على الخشبة شخصية ديفا غنائية تتحدث طوال الوقت مع مساعدتها التي لا نراها أبداً. هذا الاختيار الدرامي ذكي، لأنه يخلق مسافة بين الشخصية والممثلة، ويسمح للوجع بأن يُروى لا بأن يُصرخ به.

الديفا الغنائية ليست مجرد وسيلة سردية، بل هي قناع يسمح لسمر بأن تقول ما لا يُقال، وأن تغني ما لا يُحكى. والمساعد "غير المرئي" هو المستمع الذي نتمناه جميعاً: حاضر دائماً، لا يقاطع، لا يحكم.

أما غسان قوجة، فيجسد دور طيفها المرافق لها دائماً، ولهذا يظهر بلا ملامح ومغطى الوجه طوال العرض، مرتدياً الأسود حتى على وجهه. هذا اختيار مسرحي بالغ الدلالة: ليس شخصية تقليدية، بل تجسيد للمطاردة، للعين الاجتماعية، للقانون الذي لا يرحل. حضوره الأسود يخلق ازدواجية بصرية ونفسية: كأنه الذاكرة التي تلاحق البطلة، أو الحكم الذي لا يفارقها، أو الجنسية المسلوبة تتجسد بشراً. وحين يبقى صامتاً، يكون أكثر بلاغة من أي كلام.

وسمر صالح، وهي تخوض أول تجربة تمثيل إلى جانب عملها موظفة في مسرح "مونو"، تمنح العرض صدقاً خاماً. أن تنتقل من بائعة تذكرة حيناً ومجيبة هاتف حيناً آخر، إلى ممثلة تقف على الخشبة نفسها، فهذا ليس تفصيلاً صحافياً، بل استعارة كاملة: مَن تبيع الدخول إلى مَن تصنع الدخول. حضورها يحمل رهاناً مزدوجاً: شخصي وفني. هي لا تؤدي دوراً بقدر ما تفتح ذاكرتها، وتضخّ مشاعرها المكبوتة على مدار سنين. هي تمثل من جهة وتروي من جهة ثانية، كأنها قبالة مرآة، والمرآة تارة مساعدتها الشخصية وطوراً جمهور المتفرجين في الصالة الصغيرة التي تمنح العرض حميمية مضاعفة.

ومع ذلك، ومن باب النقد البنّاء، كان في الأداء مجال لمزيد من الصمت والبوح، لا فقط المجاهرة والصوت المرتفع. العنصرية لا تصرخ دائماً، أحياناً تسكن في صمت موظف يقلّب الأوراق، في نظرة عابرة، في انتظار لا ينتهي. الصوت المرتفع يصل، لكن الهمس أحياناً يخترق العظم. وبالنظر إلى أن سمر تخوض تجربتها الأولى على الخشبة، فإن هذه الملاحظة ليست انتقاصاً، بل دعوة إلى مساحة أوسع من الاقتصاد في التعبير، وهو ما سيكتسبه أداؤها بالتجربة والزمن. خصوصاً وأن صياغة النص من قبل ديمتري ملكي تحتمل ترك مساحات للصمت والتأمل، أو للبوح الخفيض الهامس.

الأسلوب الخفيف والطريف في بعض المواقف والمشاهد، الأقرب إلى الكوميديا، يحمل مفارقة لاذعة: كيف نضحك على وجع لا يُضحك؟ لكن الضحك هنا يمكن أن يكون مقاومة، وطريقة للنجاة. الخطر الوحيد أن يذوّب الأسلوب الكوميدي قسوة المواقف، فيخرج الجمهور مرتاحاً أكثر مما ينبغي. لكن ما دام العمل يوقظ السؤال، ويضع الإصبع على الجرح، فهو يستحق أن يُدعم ويُشاهد.

نحن أمام مسرحية تقول إن المسرح يمكن أن يكون وطناً مؤقتاً لمن لا وطن له، وجنسية رمزية لمن لا جنسية له. وحين تجلس الأم في الصف الأمامي، وترى كفاحها يُبعث على الخشبة، فإن المسرح لا يعيد سرد الماضي فحسب، بل يمنحه اعترافاً علنياً كان مُصادَراً لعقود.

وعلينا، كجمهور وكمسرحيين، أن نشجّع هذا النوع من الأعمال التي لا تخاف من طرح العنصرية، والحرمان، والتمييز. فـ"درجة تانية" قد تكون في نظر البعض عنواناً لموقع اجتماعي، لكنها في الحقيقة دعوة إلى درجة أولى من الإنسانية.

اخترنا لك