"حرب الخشخاش": حين تكون الإنسانية هي الخاسر الأكبر

"حرب الخشخاش" حوّلت بطلة الرواية "رين" من طفلة يتيمة فقدت أهلها في الحرب، إلى قوة مدمّرة، حيث أصبح الألم وقوداً للانتقام، والقوة أداة تدمير بلا رحمة.

  • "حرب الخشخاش": حين تكون الإنسانية هي الخاسر الأكبر

إذا كانت الحروب تصنع أبطالاً، فإنها في الوقت عينه تكشف عن أعمق العيوب في النفس البشرية، هذا هي الرؤية التي أرادتها الكاتبة الأميركية "ريبيكا أف. كوانغ" من روايتها "حرب الخشخاش" الصادرة عن "دار الخان" للنشر والتوزيع في الكويت بعد أن ترجمتها إلى العربية وجدان حسين عبد ربه.

تطرح الرواية  سؤالاً جوهرياً: هل القوة تكشف عن الشرّ الكامن، أم أنها فرصة لاختبار الأخلاق والإنسانية؟ 

لقد قدّم الأدب العالمي شخصيات جمعت بين القوة والبعد الإنساني: الأمير أندريه في "الحرب والسلام" يحافظ على صفاء نفسه وسط الدمار، الأمير ميشكين في "الأبله" يثبت أنّ النقاء والرحمة يمكن أن يصمدا في وجه القسوة، وجان فالجان في "البؤساء" يبرهن أنّ القوة الجسدية يمكن أن تُستثمر لحماية الضعفاء لا للانتقام.

في حين ذهبت هذه الأعمال الروائية إلى أنّ البطولة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التدمير، بل في القدرة على الحفاظ على إنسانيتنا، فإنّ "حرب الخشخاش" حوّلت بطلة الرواية "رين" من طفلة يتيمة فقدت أهلها في الحرب، إلى قوة مدمّرة، حيث أصبح الألم وقوداً للانتقام، والقوة أداة تدمير بلا رحمة، فهذه الفتاة اليتيمة التي تعيش في بيئة فقيرة وقاسية، في منزل عائلتها بالتبنّي التي تريد تزويجها لتخفيف العبء تقرّر الهروب من هذا المصير عبر الدراسة فتدرس بجهد  هائل وتنجح في امتحان الإمبراطورية الذي يؤهّلها دخول الأكاديمية العسكرية، وهي أكاديمية النخبة (سينغارد) لكنها تواجه تمييزاً بسبب فقرها ولون بشرتها الداكن مقارنة بالنخبة.

تتعرّض للتنمّر فيبدأ صراعها مع المجتمع والطبقية مصرّة على التفوّق، تتعرّف إلى أستاذ غريب الأطوار، يدرّبها على طرق غير تقليدية تتمكّن بواسطتها من التفوّق على أقرانها، ويمكّنها من اكتشاف القوى "الشامانية" التي تفتح لها طريق التواصل مع الآلهة ويسلّمها مفاتيح استدعاء قوة إلهية خطيرة، لكنّ هذه القوة تحتاج إلى موادّ مخدّرة، فتبدأ "رين" بتعاطي الخشخاش ويصعب عليها السيطرة على إدمانها. 

وعندما تندلع الحرب مع دولة معادية، مستوحاة من اليابان، تُجبر "رين" على الانخراط في القتال، وترى بأمّ عينها الدمار الواسع والمجازر المرعبة، المستوحاة من مجزرة "نانجينغ"، فتفقد براءتها وتتحوّل من طالبة إلى مقاتلة شرسة وعنيدة، شديدة القسوة والاستعداد للعنف ومن ضحية إلى قائد خطير يمتلك القوة "الشامانية" التي يستدعي من خلالها إله النار ليقوم بأعمال انتقامية تتجاوز كلّ الخطوط الأخلاقية ستكون لها نتائج كارثية ضدّ العدو. 

تخرج "رين" من الحرب أداة حرب مدمّرة، قوية، منتصرة، لكنها محطّمة نفسياً، فاقدة لتوازنها الأخلاقي، لقد أصبحت أقرب إلى أداة حرب أو قوة مدمّرة تبدأ في فقدان التوازن الأخلاقي كأنما الكاتبة أرادت القول يمكنك مع الصبر والاجتهاد أن تحقّق النجاح، ولكن من الصعوبة بمكان أن تبقى إنساناً، لأنّ الحروب تحوّل الإنسان إلى شيء لم يكن يتخيّله من الوحشية والشرور، على قاعدة "إذا كان العالم وحشيّاً… فسأكون أنا الوحش الأكبر".

​فبينما حافظ "جان فالجان" على بوصلته الأخلاقية رغم الظلم، نجد أنّ "رين" تجسّد مفهوم "العدمية العسكرية". في عالم "حرب الخشخاش"، لا يوجد خير مطلق؛ فالآلهة التي تستعين بها "رين" ليست كيانات رحيمة، بل هي قوى طبيعية غاشمة وجائعة للدمار. الكاتبة تضعنا أمام تساؤل مرعب: هل الأخلاق رفاهية لا يملكها إلّا من لم يُسحق تماماً؟

​الرواية ليست مجرّد فانتازيا، بل هي إعادة صياغة خياليّة للصراع الصيني الياباني (حرب السينو - يابانية الثانية). "رين" ليست وحشاً بالفطرة، بل هي إفراز لبيئة لم تمنحها خياراً سوى الاحتراق أو السحق. إنها ضحية تحوّلت إلى جلّاد نتيجة "تروما" جماعية، مما يجعل فعلها الانتقامي الأخير ليس مجرّد انتصار عسكري، بل صرخة يأس مدمّرة. 

لقد​ جاء استخدام "الخشخاش" في الرواية ليس كمجرّد وسيلة للوصول إلى القوة الشامانية، بل هو رمز لضياع السيطرة، ففي البداية، كان الخشخاش أداة وفي النهاية، أصبحت "رين" هي الأداة في يد القوى التي استدعتها. هذا الانحدار يوضح أنّ القوة المطلقة في الرواية تتطلّب تضحية مطلقة بالذات والوعي، وهو ما يفسّر تحطّمها النفسيّ في الختام.

​إنّ عبقرية ريبيكا كوانغ تكمن في أنها لم تمنحنا بطلة لنمجّدها، بل منحتنا مرآة لنخاف منها. "رين" هي تجسيد للوحش الذي قد يسكن أيّ إنسان إذا ما جُرّد من أرضه، وأهله، وكرامته، ووُضع أمام خيار واحد: أن يحرق العالم أو يحترق فيه. في نهاية المطاف، تخبرنا "حرب الخشخاش" أنّ الانتصار في الحرب قد يكون الهزيمة الكبرى للإنسانية.

اخترنا لك