"اليوم العالمي للإذاعة"..صراع الصوت بين موجات الأثير وسلطة الخوارزميات
إنّ "اليوم العالمي للإذاعة" يمنحنا فرصة لإعادة التفكير في دور هذه الوسيلة، في مجتمع سريع التغيير والتغيُّر. ولسنا أمام خيار الماضي والمستقبل، بل أمام ضرورة الجمع بين أصالة الصوت وحداثة التقنية.
-
المذيع المصري أحمد سعيد
في "اليوم العالمي للإذاعة" لا نحتفي كصحافيين وإعلاميين بجهاز عتيق أو وسيلة تقليدية قاومت النسيان والتطوّر الذكي وحسب، إنما نستحضر مسيرة صوت كان شاهداً على تشكّل الدول وأنظمتها، ارتباك الثورات ونهضة المجتمعات، وصراع التحوّلات الكبرى.
نستحضر ذاكرة سمعية عبرت حدود الجغرافيا والسياسة، وتسلّلت إلى البيوت ووسائل النقل المطوّرة بلا استئذان، وصنعت أُلفةً بين المذيع والمستمع، تشبه علاقة الثقة بين صديقين يتقاسمان الخبر والقلق والأمل.
الإذاعة لم تكن يوماً مجرّد موجة في الهواء، بل كانت موجة في الوعي، تعيد ترتيب الأولويات، تمنح الكلمات وزنها وثقلها في التأثير والتأثر، وتختبر صدقية الخطاب في لحظات الحقيقة.
فمنذ بدايات القرن العشرين، حين بدأت أولى تجارب البثّ الصوتي المنتظم، تشكّل وعي جديد في العالم. إذ تمرّد الخبر وخرج من شرنقة الورق وصار يصل حياً إلى الآذان، حاملاً نبرته وإيقاعه وانفعاله. وفي ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، تحوّل الراديو إلى وسيط شعبي واسع الانتشار، وأصبح جزءاً من يوميات الناس، يوقظهم بترنيمات الصباح، يرافقهم بأحداث ما يدور سياسياً، يدغدغ مشاعرهم بنغمات تلبّي ذائقتهم وبيئتهم، ويجمعهم مساءً حول خطاب أو نشرة مفصلة ينتظرونها بترقّب. في تلك المرحلة، تأسست العلاقة العميقة بين الصوت والسلطة، بين الإذاعة وبناء الدولة الحديثة، بين الكلمة المسموعة وصناعة الرأي العامّ.
غير أنّ قوة الإذاعة لم تكن في احتكارها للمعلومة، بل في قدرتها على خلق شعور بالانتماء. إذ إنّ الصوت الذي يأتي من بعيد كان يوحي بقرب رمزي، يربط الأطراف بالمركز، الريف بالمدينة، الجندي بجبهته، والأم ببيتها.
لقد أدّت الإذاعة دوراً محورياً في الأزمات الكبرى، من الحروب العالمية إلى التحوّلات السياسية العميقة، وكانت في كثير من الأحيان المصدر الأول والموثوق للأخبار. وحين ظهرت التلفزة، ثمّ الفضائيات، قيل إنّ الراديو سيتراجع إلى الهامش، لكنه لم يكن كذلك؛ بل أعاد تعريف وظيفته، واحتفظ بمكانته كوسيط سريع، منخفض الكلفة، وقادر على الوصول إلى شرائح واسعة.
أما في معاصرنا الذكي، ونحن نعيش ذروة التحوّل الرقمي، يتجدّد السؤال نفسه ولكن بصيغة أكثر حدّة وموضوعية: هل ما زالت الإذاعة فاعلاً مؤثّراً في زمن المنصات، أم أنها انكفأت على جمهور عابر يسمعها في سيارات الأجرة وعلى طرقات المدن؟
هذا السؤال ذو الشقّين، على وجاهته الظاهرية، يتجاهل حقيقة أساسية، مفادها أنّ الإذاعة لم تختفِ، بل هاجرت. نعم. هاجرت من الجهاز التقليدي إلى الأجهزة الذكية، ومن موجة الأثير إلى البثّ المتدفّق من خلال الإنترنت، ومن البرنامج الخطي إلى التدوين الصوتي (البودكاست) الذي أعاد الاعتبار للسرد العميق والمتخصّص، على أني أؤشّر هنا إلى مشكلة فنية في الخلط ما بين التدوين الصوتي واللقاء الحواري المتلفز الذي بدأ الذوبان فيه "شكلاً ومضموناً".
لقد تغيّر المشهد الإعلامي جذرياً ولم يعد المتلقّي مستمعاً ينتظر ما يُبثّ ويُملى عليه، بل أصبح مستخدماً ينتقي ما يريد، متى يريد، وعلى أيّ جهاز يريد. هاتف محمول أو جهاز لوحي، إذ أصبحت هذه التقانات الذكية منصة إعلامية متكاملة، تجمع النص والصورة والصوت والفيديو في آنٍ واحد. ولذا: لم يعد التحدّي أمام الإذاعة هو مجرّد البقاء على الهواء، بل البقاء في وعي المتلقّي، وسط منافسة شرسة في جذب انتباهه بما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، حينما تتصارع التطبيقات والإشعارات والمحتويات على ثوانٍ معدودة من التركيز المحدود بحاجة المتلقّي.
وهنا تظهر قيمة الإذاعة إذا أحسنت قراءة التحوّلات الرقمية - الذكية. فالصوت يمتلك ميزة فريدة في البيئة الرقمية؛ يمكن استهلاكه أثناء القيادة، أو العمل، أو ممارسة الرياضة، من دون أن يفرض على المتلقّي التفرّغ البصري. لهذا ازدهر التدوين الصوتي المعاصر، وأصبح صناعة قائمة بذاتها، تجذب ملايين المستمعين في منصات متخصصة. ولم يعد الراديو مجرّد بثّ مباشر أو مسجّل، بل تحوّل إلى محتوى عند الطلب، يمكن تحميله والاستماع إليه في أيّ وقت.
هذا التحوّل من "الزمن المفروض" إلى "الزمن المختار" أعاد صياغة العلاقة بين المؤسسة الإذاعية والجمهور وبخاصةٍ مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار والاستوديوهات، برزت أدوات جديدة أعادت تشكيل عملية الإنتاج من حيث تقنيات تحسين الصوت، وإزالة الضوضاء، والأتمتة في جدولة البرامج، وتحليل بيانات الاستماع، وغيرها من التقانات التي صارت جزءاً من البنية الحديثة لأيّ إذاعة تسعى إلى المنافسة.
فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الدور البشري، بل يحرّره من الأعمال الروتينية، ويمكّنه من التركيز على الإبداع وصناعة المحتوى ذي القيمة المُضافة. كما أنّ تحليل البيانات يتيح فهماً أدقّ لسلوك الجمهور، من حيث أوقات الذروة، وأنماط الاستماع، ونوعية المحتوى الأكثر تأثيراً وتحقيقاً لـ "الترند".
لكنّ التقنية وحدها لا تكفي. فالتحدّي الحقيقي يكمن في العقلية. والإذاعة التي تنظر إلى التحوّل الرقمي بوصفه تهديداً ستخاطب نفسها، أما التي تعدّه فرصة؛ فستعيد بناء نموذجها المهني والاقتصادي.
وفي كثير من البلدان، تعاني المؤسسات الإذاعية من ضغوط مالية، وتقادم في البنية التحتية، وهجرة للكفايات المهنية - التخصصية نحو منصات أكثر جذباً وربحاً وانتشاراً. غير أنّ التجارب الدولية أثبتت أنّ التحوّل الرقمي المدروس يمكن أن يكون مدخلاً للاستدامة، من خلال تنويع مصادر الدخل، وتوسيع قاعدة الجمهور، وتطوير شراكات وحلول ذكية جديدة.
أما في البيئات التي تمرّ بأزمات سياسية أو اجتماعية، فتبقى الإذاعة عنصراً أساسياً في إدارة النقاش العامّ (محدود التداول). فالصوت الإذاعي، بحميميته وبساطته، قادر على التهدئة النسبية وبناء الثقة بالمقارنة مع الوسائط الأخرى.
ففي أوقات الأزمات، حين تنتشر الإشاعات بسرعة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، تستطيع الإذاعة المهنية أن تقدّم رواية وسردية متوازنة، تستند إلى التحقّق والهدوء، وتُسهم في الحدّ من التوتر. غير أنّ هذا الدور يتطلّب غرفة أخبار مدرّبة على إدارة الأزمات، وبروتوكولات تحريرية واضحة، وسرعة استجابة لا تفرّط بالدقة.
وفي يومها العالمي - الإذاعة - نتساءل عن (حبسها في التاكسي) الذي يعكس نظرة اختزالية عن جمهورها.
صحيح أنّ الراديو التقليدي لا يزال حاضراً بقوة في السيارات، لكنه لم يعد محصوراً فيها. فجمهور اليوم يستمع إليها من خلال التطبيقات، والسماعات اللاسلكية، والمنصات الرقمية. بل إنّ بعض الفئات الشابة، التي قد لا تملك جهاز الراديو التقليدي، تستمع يومياً إلى محتوى مطوّر صوتياً من خلال الهاتف.
لكنّ المشكلة ليست في الوسيط الناقل، بل في نوعية المحتوى. فإذا ظلّ الخطاب تقليدياً منفصلاً عن اهتمامات الجيل الجديد، فسيغادره الجمهور. أما إذا تطوّر المحتوى ليعالج قضايا معاصرة بلغة حديثة، فسيجد طريقه إلى الآذان مهما تغيّر الجهاز.
من هنا تبرز أهمية التدريب والتطوير المستمر. ذلك أنّ المذيع اليوم لا يكفيه امتلاك صوت جهوري - إيقاعي جميل وثقافة عامّة، بل يحتاج إلى فهم البيئة الرقمية، وإدارة حضوره على المنصات، والتفاعل مع الجمهور، وقراءة البيانات.
والمنتج الإذاعي هو الآخر مُطالب بإتقان تقنيات المونتاج الحديثة، فهم ديناميكيات السرد الصوتي، وتكييف المحتوى مع أكثر من منصة في آنٍ.
أما الإدارة، فعليها أن تتبنّى رؤية استراتيجية للتحوّل، لا تقتصر على تحديث الأجهزة والمعدّات اللوجستية، بل تشمل إعادة هيكلة العمليات الرقمية- الذكية والأتمتة، وبناء ثقافة مؤسساتية مرنة.
إنّ "اليوم العالمي للإذاعة" يمنحنا فرصة لإعادة التفكير في دور هذه الوسيلة، في مجتمع سريع التغيير والتغيُّر. ولسنا أمام خيار الماضي والمستقبل، بل أمام ضرورة الجمع بين أصالة الصوت وحداثة التقنية. إذ إنّ الإذاعة التي تريد أن تنجح؛ هي تلك التي تحافظ على جوهرها الإنساني، وفي الوقت نفسه تُتقن أدوات العصر الذكي، وتفهم أنّ المنافسة لم تعدّ محلية وحسب، بل عالمية، وأنّ الجمهور يقارن بين ما يُنتج محلياً وما يستهلكه من منصات دولية.
إنّ التحوّل من البثّ الأحادي إلى المنظومة متعدّدة المنصات لا يعدّ ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وجودية. فالإذاعة المعاصرة ينبغي لها أن تكون حاضرة على الهواء، وعلى الإنترنت والتطبيق الخاصّ، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وأن توظف التدوين الصوتي كامتداد طبيعي لبرامجها، كما ينبغي لها أن تستثمر في تحليل البيانات لفهم جمهورها بعمق، وأن تطوّر نماذج تمويل مبتكرة تراعي طبيعة السوق المحلية.
فالإذاعة في المحصّلة هي علاقة ثقة بين صوت وجمهور. هذه العلاقة هي رأس المال الحقيقي الذي ينبغي الحفاظ عليه وتطويره. نعم قد تتغيّر الأجهزة، وتتحوّل الموجات إلى خوادم رقمية، لكنّ الحاجة الإنسانية إلى صوت يشرح، يحلل، يواسي، يطرح الأسئلة، ويساعد في إيجاد الحلول لهموم الناس ومشكلاتهم؛ ستبقى قائمة. وبخاصةٍ في عالم يزداد صخباً وتشظياً، وقد يكون للصوت الرصين، المتزن، المهني، أثرٌ أعمق مما نتصوّر.
اليوم العالمي للإذاعة ليس لحظة احتفال عابرة بين أثير ومستمع، بل مناسبة تستدعي مراجعة شاملة، وإذا ما أردنا لإذاعاتنا أن تبقى مؤثّرة، فعلينا أن نعيد تعريف دورها في ضوء التحوّلات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبرى في المنطقة والعالم. وأن نستثمر في الإنسان قبل الجهاز، وفي الفكرة قبل الأداة، وأن نؤمن بأنّ الصوت، حين يقترن بالمهنية والرؤية المستدامة، حتماً سيظلّ قادراً على صناعة الوعي.
فما بين موجات الأمس التقليدية وخوارزميات اليوم، تقف الإذاعة أمام اختبار جديد، لا يتعلّق ببقائها، بل بقدرتها على أن تكون أكثر حداثة، أكثر قرباً، أكثر تأثيراً، في عصر لا يعترف إلا بمن يُجيد فهمه والاستماع إليه.