"الوغد الأميركي" لكاي بيرد: رحلة روي كون، الرجل الذي شكّل ترامب

يهدف "الوغد الأميركي" إلى "وضع كون في بؤرة التركيز بوصفه سلفاً لترامب". ويركز على فكرة أن كون وترامب صُنعا من الطينة نفسها؛ فكان كل منهما مناسباً للآخر، وكانا يتبعان الأساليب ذاتها: القتال أو التملّق. وكان ترامب بالنسبة إلى كون "أعظم اختراعاته".

  • "الوغد الأميركي" لكاي بيرد: رحلة روي كون، الرجل الذي شكّل ترامب

كاي بيرد كاتب وصحافي أميركي نال سابقاً جائزة "بوليتزر" عن كتابه "بروميثيوس الأميركي"، الذي يروي السيرة الذاتية لروبرت أوبنهايمر. وها هو يعود اليوم بسيرة جديدة لشخصية إشكالية. كتاب "الوغد الأميركي: رحلة روي كون المظلمة من جو مكارثي إلى دونالد ترامب"، عمل غير تخييلي من نوع السيرة صدر في أيلول/سبتمبر عام 2026 عن دار "سكريبنر". ألّفه كاي بيرد بالتعاون مع زوجته، سوزان غولدمارك، التي تولّت مراجعة المخطوطة وأجرت معظم الأبحاث.

في البداية، كان بيرد ينظر إلى روي كون بوصفه مجرد لاعب ثانوي، ولم يدرك أهميته إلا بعد انتخاب دونالد ترامب، العميل السابق لكون. ويعترف في هذا الكتاب قائلاً: "لقد استخففتُ، بطريقة ما، بأهمية روي كون". 

فقد كان صعود ترامب عام 2016 يعني "انتصار أسلوب كون في السياسة الصدامية الشرسة، وأن ذلك اللاعب الثانوي تمكّن بالفعل من اختطاف صدارة المشهد". 

كذلك لاحظ بيرد أنه لا توجد سوى سيرة شاملة واحدة لهذا الرجل، وهي كتاب "المواطن كون" لفون هوفمان، فقرر الخوض في سيرته بالتفصيل. وتحاول هذه السيرة الجديدة، في المقام الأول، إثبات فكرة جوهرية مفادها أن انحطاط السياسة الأميركية لم يبدأ مع دونالد ترامب.

يصف بيرد نفسه بأنه "كاتب سيرة المؤسسة الأميركية". وخلال عمله على ذلك، كان يصادف في الأرشيفات باستمرار اسماً مناهضاً بشراسة لهذه المؤسسة، هو اسم روي كون، الذي يعتبره بعضهم "بمنزلة الهو في مواجهة الأنا العليا للمؤسسة الحاكمة". 

أما بيرد، فيرى أن العلاقة بينهما كانت علاقة طفيلية. فقد كان كون يهاجم المؤسسة، وفي الوقت نفسه يعتاش على قوتها. ويرى بيرد أن كون "قدّم نفسه دائماً بوصفه شخصاً غريباً يواجه مؤسسة حاكمة معادية، وهو الموقف الذي تبنّاه ترامب عندما انتقل إلى السياسة. لكن مسيرة كون المهنية اعتمدت على كونه شريكاً داخلياً وابناً للمؤسسة الحاكمة".

يروي هذا الكتاب قصة حياة كون؛ "كلب حراسة مكارثي الشرس، ومحامي المافيا، وموجّه ترامب". ويتتبع مسيرته خطوة بخطوة، وعقداً إثر عقد، ليطلعنا على مفاصل حياة هذا الرجل الذي يعتبره بيرد "العقل المدبر وراء المسار الحالي للحياة السياسية الأميركية، بما في ذلك صعود دونالد ترامب". 

وبذلك، يبني الكتاب طرحه على فكرة مفادها أن الأحداث الدرامية العديدة التي شهدتها الحياة السياسية الأميركية، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته، كان يجمع بينها عامل مشترك واحد: روي كون.

هكذا يقدم الكتاب توصيفاً وافياً وممتعاً لمراحل حياة كون ومسيرته المهنية المذهلة. فقد وُلد عام 1927، وكان طفلاً وحيداً مدللاً في عائلة يهودية ثرية، لأب ذي نفوذ وعلاقات واسعة يعمل قاضياً، وأم مسيطرة. ويحدثنا الكتاب عن طفولته، وأصدقائه، ودراسته، وتخرجه في كلية الحقوق، ثم عن وساطة والده للحصول على وظيفة مرموقة في مكتب المدعي العام الأميركي.

ولم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى أصبح كون كبير المستشارين القانونيين لسيناتور ولاية ويسكونسن آنذاك، جو مكارثي. لقد اقتحم كون الساحة السياسية بقوة وهو في الرابعة والعشرين من عمره. 

ويروي الكتاب أنه، بينما كان كون لا يزال شاباً صغيراً، أرسل الزوجين جوليوس وإيثيل روزنبرغ إلى الكرسي الكهربائي بتهمة نقل أسرار القنبلة الذرية الأميركية إلى الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، وأحرق 30 ألف كتاب لمؤلفين شيوعيين، ودمّر حيوات كثيرة.

كما دعم جهود مكارثي لتطهير الحكومة من الشيوعيين والمثليين، وتحول بذلك إلى رمز للحركة المكارثية. لقد كان كون، كما يرى بيرد، "المنظّر الأيديولوجي والمحرّك الخفي" في حقبة مكارثي. وكان، كما تصوّره الأفلام الوثائقية ومسرحية "ملائكة في أميركا"، يجسّد صورة "الشرير الأميركي".

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مرحلة ستينيات القرن الماضي، حين بات كون معروفاً في مدينة نيويورك بأنه الذراع القانونية المأجورة للمافيا. وانخرط مع المشاهير في ملهى "ستوديو 54"، وغدا محامي الأثرياء وسمسارهم في مدينة نيويورك. وعندما بلغ الخمسينيات من عمره، دُعي إلى المكتب البيضاوي في عهد ريغان، وكانت نانسي ريغان تهاتفه كثيراً لطلب المشورة وتبادل النميمة.

وفي عام 1973، التقى كون بعميله الأكثر أهمية وتأثيراً: دونالد ترامب، الشاب البالغ من العمر 27 عاماً، الذي كان يحاول اختراق أسواق مانهاتن. فتولّى كون توجيهه، وساعده على أن يصبح مشهوراً. وكان ترامب، الذي وصفه كون بأنه "صديقه المقرّب"، يتصل به بضع مرات في اليوم طلباً للمشورة، ليواصل بعد ذلك تشكيل نفسه على غرار موجّهه.

أما على الصعيد الجسدي، فيروي الكتاب أن كون كان يتمتع بمظهر مميز: عينان زرقاوان دامعتان بأجفان ثقيلة، وأنف معقوف تتوسطه ندبة ممتدة إلى الأسفل، نتجت عن عملية جراحية فاشلة لإزالة شامة خضع لها في طفولته. وهي الندبة التي عُدّت متناغمة مع سمعته اللاحقة بوصفه مقاتلاً شرساً.

كذلك يقول بيرد إن كون بدا "مثل علجوم أحدب، بعينين متموضعتين على جانبي رأسه، ما يجعله يبدو خبيثاً حتى عندما يبتسم". ويظهر كون في هذا الكتاب شخصاً متملّقاً وغير جذّاب، ومحتالاً من البداية إلى النهاية. 

ويقدم "الوغد الأميركي" سرداً مطولاً "لخطايا كون الأكثر تفاهة"، مع قدر كبير من النميمة الفاضحة التي تشمل حتى عاداته الشخصية وميوله.

وقد حمل أحد الفصول الأخيرة عنوان "المفترس"، وتضمّن تفاصيل صادمة عن ملاحقة كون للمراهقين. كما يركز الكتاب على أنه كان شخصاً متناقضاً ومنافقاً، يهاجم الشيء في العلن ويمارسه في السر، ولا سيما في ما يتعلق بميوله الجنسية.

يصف "الوغد الأميركي" كذلك كيف كان كون قادراً دائماً على الإفلات من العقاب. فعلى الرغم من ملاحقته قضائياً من قبل السلطات الفيدرالية في 3 مناسبات، بتهم الرشوة والشهادة الزور والابتزاز، كان ينال البراءة دائماً. 

وقال عنه ترامب ذات مرة: "إذا كنت بحاجة إلى شخص يستخدم الأساليب الشرسة، فاستأجر روي كون".

توفي كون نتيجة مضاعفات مرض الإيدز عام 1986. وكما كان ينكر ميوله الجنسية دائماً، فقد أنكر أيضاً مرضه الأخير، مدعياً إصابته بسرطان الكبد، حتى بينما كان يتلقى علاجاً تجريبياً لمرض الإيدز. 

وقبل وقت قصير من وفاته، شُطب اسمه من نقابة المحامين، ومُنع من مزاولة المهنة بسبب سلوكه غير الأخلاقي. ومع ذلك، كان لا يزال لديه 36 شاهداً أدلوا بشهاداتهم عن حسن سلوكه، وكان ترامب من بينهم.

يرسم الكتاب، كما تصفه المراجعات، بورتريه شاملاً لمحامٍ عدواني، و"مقاتل شوارع، ومحتال يروّج لنفسه، ومخادع محنّك"، ويقدمه بوصفه "ممثلاً خبيثاً في دراما غير لائقة تلو الأخرى".

ولرسم هذه الصورة، استفاد بيرد من تسجيلات ومقالات شاركها معه صحافيون غطّوا أخبار كون، إضافة إلى مقابلات أجراها بيرد وزوجته مع ترامب وآخرين. كذلك استفاد بيرد كثيراً من وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي، التي ساعدته في كشف أكاذيب كون. وترى إحدى المراجعات أن عبارة "لم يكن ذلك صحيحاً" تمثل الثيمة الجوهرية لهذا الكتاب.

يهدف "الوغد الأميركي" إلى "وضع كون في بؤرة التركيز بوصفه سلفاً لترامب". ويركز على فكرة أن كون وترامب صُنعا من الطينة نفسها؛ فكان كل منهما مناسباً للآخر، وكانا يتبعان الأساليب ذاتها: القتال أو التملّق. وكان ترامب بالنسبة إلى كون "أعظم اختراعاته".

فمنذ منتصف السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، تولى كون توجيه ترامب في عالم العقارات بمدينة نيويورك. ويرى الصحافي مارتن بينغلي، في قراءته للكتاب، أن "كل ما يتسم به ترامب من وحشية في عالم المال والسياسة، من المرجح أنه تعلمه من كون؛ فكيف تجني الأرباح من الصلات بالجريمة المنظمة؟ تمّ. وكيف تظل متقدماً بخطوة على القانون؟ تمّ. وكيف تكذب بلا ندم، ولا تعترف أبداً بالخطأ أو الهزيمة؟ تمّ".

ومن الدروس الأخرى التي تعلّمها ترامب من كون: "اروِ القصة بالطريقة اللعينة التي تروقك". ويقتبس بيرد عن مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، سام روبرتس، ملخص الدروس التي تعلّمها ترامب من كون:

1. لا تقبل بالتسوية أبداً، ولا تستسلم أبداً.
2. شنّ هجوماً مضاداً، وارفع دعوى مضادة على الفور.
3. بغضّ النظر عما يحدث، وبغضّ النظر عن مدى عمق غرقك في الوحل، أعلن النصر، ولا تعترف بالهزيمة أبداً.

ويقول الكتاب إن كون علّم "تلميذه المثالي"، ترامب، كيف "يتهرب من الدائنين، ويهاجم الأعداء المتصورين، ويتجنب ترك أدلة مكتوبة، ويُبقي اسمه في الصحف". كما يبرهن الكتاب بصورة مقنعة على أن أسلوب كون أصبح، في نهاية المطاف، أسلوب ترامب.

يقول بيرد: "تعلّم ترامب من كون أن محكمة الرأي العام أكثر أهمية بكثير من محكمة القانون". ولم يكن لدى كون، شأنه شأن ترامب، سوى الازدراء للأعراف والقيم الأخلاقية التي تمتعت بها النخبة في منتصف القرن. لكن بيرد يجادل بأن هذا الكره لم يكن مدفوعاً بسياسة متماسكة بقدر ما كان مدفوعاً بـ"عدم الأمانة، والنرجسية، والقسوة المستهترة، وحب الانتقام".

فقد كان "كلا الرجلين تجسيداً لنيويورك البرّاقة في السبعينيات والثمانينيات، يتقاسمان الهوس بالجنس، وحب الشهرة، وكراهية الخبرة". ويرى بيرد أن استعداد كون لقول أي شيء وفعل أي شيء للحصول على ما يريد، قدّم نموذجاً لنهج ترامب في الحياة السياسية.

"اترك دونالد وشأنه"، هكذا حذّر روي كون مدعياً عاماً فيدرالياً، وأردف: "سيكون له شأن كبير ذات يوم". وفي المقابل، ذكر ترامب اسم معلمه بحسرة في مناسبات عدة. ويروي الكتاب أنه في اليوم التالي لفوز دونالد ترامب في انتخابات عام 2016، تواصل معه الناشط السياسي المحافظ روجر ستون. وحينها استرجع ترامب ذكرياته عن صديقهما المشترك قائلاً: "ألم يكن روي ليحب رؤية هذه اللحظة؟ يا فتى، كم نفتقده".

وفي عام 2017، وسط فضائح وأزمات عجز مستشاروه عن التعامل معها، يُذكر أن ترامب تساءل: "أين روي كون الخاص بي؟".

لأجل هذا الكتاب، اتصل بيرد بترامب مرات عديدة. ويقول بيرد عن ذلك: "كانت المقابلات تستغرق 8 أو 9 أو 10 دقائق. لقد روى لي بعض القصص، وكانت مفيدة بالنسبة إليّ".

وعلى خلاف ما كان ترامب يقوله سابقاً عن كونه هو من ذهب إلى الرجل الأكبر سناً طالباً إرشاده، فإنه أخبر بيرد قائلاً: "روي كون هو من تعرّف إليّ؛ فقد كنت أصنع اسماً لنفسي حينها بوصفي مطوّراً عقارياً شاباً في مانهاتن".

أما عن مكالمتهما الأخيرة، فيقول بيرد: "هذه المرة، وبدلاً من الاستماع بأدب إلى أسئلتي، قال ترامب: أوه، لا يمكنني فعل هذا. ليس لدي وقت لهذا الأمر. ينبغي لك عدم استخدام هذا الرقم؛ أنا الرئيس، روسيا تتصل بي الآن، والصين تتصل بي أيضاً".

لكن بيرد أحرجه ببعض الأسئلة الإضافية الأخيرة قبل أن يخبره أن هذا الكتاب سيصدر في الخريف، فرد ترامب: "أوه، رائع! ربما يمكنني الترويج له، فأي شيء أروّج له يصعد فوراً إلى المركز الأول". ثم ساد صمت قصير، قبل أن يردف قائلاً: "لكن، بالطبع، يجب أن يكون الكتاب منصفاً أولاً". وهو منصف بالفعل، وإن لم يكن كذلك من وجهة نظر ترامب.

تقول الكاتبة الأميركية كيم فيليبس فاين: "إن ما يمنحنا إياه بيرد هو طريقة جديدة للتفكير في كون وترامب وإرث المكارثية". فهذا الكتاب ليس مجرد سيرة لشخصية تاريخية، بل هو محاولة من كاي بيرد "لرسم خط مستقيم يربط بين الحقبة المكارثية السوداء في الخمسينيات، والواقع السياسي والظاهرة الترامبية التي تعيشها أميركا اليوم".

لقد دُعي كون "الشيطان الحي"، وكانت حياته، كما يكتب بيرد، "ربما تكون دليلاً على قدرة فرد واحد على تغيير مسار التاريخ. وبالتأكيد، هو من منحنا السياسة النرجسية لدونالد ترامب".

ويقول الصحافي مارتن دي كارو عن كتاب "الوغد الأميركي": "إن القرّاء الذين يتحملون متابعة سلسلة جرائم كون، التي ارتكبها بلا ندم على مدار 4 عقود من الحياة الأميركية، سيفهمون بصورة أفضل كيف تمكّن توأم روحه ومُريده من الوصول، في نهاية المطاف، إلى البيت الأبيض".

إن الوغد الأميركي، روي كون، هو، على حد وصف بيرد: "الغول الذي يسكن كوابيسنا، والرجل الذي زرعت لا أخلاقيته الشخصية بذور انحدار أميركا إلى الحماقة السياسية في القرن الــ 21".

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك