"المئوية: اتجاهات خيارات وتبدّلات"يختصر لعنة بريطانيا وأميركا خلال قرن
يخاطب المؤلف الولايات المتحدة: "أبَدتُم سكان أميركا الأصليين، شويتم اليابان بالسلاح الذري، أحرقتم أطفال فيتنام بالنابالم، احتللتم العواصم تباعاً من هانوي إلى كابول إلى بغداد"، وما النتيجة؟ قاربتم هافانا وبيروت ونزلتم على شواطئهما، والنتيجة كانت فراركم...
-
"المئوية: اتجاهات خيارات وتبدّلات"يختصر لعنة بريطانيا وأميركا خلال قرن
"المئوية ـــــ اتجاهات خيارات وتبدّلات"، كتاب جديد للدكتور حسن خليل، يختصر فيه لعنة أميركا على شعوب العالم خلال القرن الماضي مستنداً إلى معيارين أو حدّين؛ بدائي وكان تأسيسياً، ونهائي وكان تأسيسياً أيضاً. والفرق بين التأسيسيّين يعود إلى الطبيعة التكوينية للأحداث. فالحروب والثورات كانت نتيجة لأزمات سياسية واقتصادية وفكرية واجتماعية عصفت بالعديد من البلدان، فطبعت بطابعها شكل النزاعات التي تأرجحت بين التحرّر والتحرير والسيطرة والهيمنة، مع حربين كونيّة وبأهداف كثيرة شكّلت منطلقاً لصوغ عالم جديد انبثق من باب الحداثة، أمّا الحدّ "النهائي" فارتكز على انهيار الخيار النقيض ـــــ الذي سار بين الحدّين منتصراً بنموذج اعتقد أنّ فيه سعادة البشرية ـــــ فأسّس لمسار عولمة استبدلت الصراعات واختلقتها فطارت القضايا العادلة.
كتاب "المئوية اتجاهات خيارات وتبدّلات" للدكتور حسن خليل، صادر عن دار الفارابي.
تبدّلات متناقضة
تزامنت أحداث القرن كما يكشف د. حسن خليل في كتابه في وقت واحد، وفي أمكنة وأهداف مختلفة حدّ التناقض، من ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1917 ووعد بلفور المشؤوم في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1917، بتأييد الحكومية البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لكنّ ثورة لينين جاءت كشرارة تحمل بعداً تقدّمياً ثورياً ألهم شعوباً وبلاداً نادت بالتحرّر من سطوة استبداد حكّام وإقطاعيات موروثة، أمّا الوعد فهو المقبل من رأسمالية مأزومة تُعبّر أزمتها بحروب دموية استهلكت من الأرواح والأموال والإمكانات ما لا تتحمّله الإمبراطورية العظمى، وإعادة تقسيم ورسم خرائط جديدة لعالم ما بعدها والتي فُصّلت على مقاس المنتصرين ومصالحهم وعلى حساب المهزومين والشعوب والتأسيس لحقبة الاحتلال المقنّع بالانتداب والذي وضع شرقاً أوسطياً ممتداً من جنوب القارة العجوز إلى غرب الصين، على مشرحة إعادة التكوين كما أتت بنتائجها لتعمّم نمطاً من "الصراع الأممي" القائم على منطلقات مغايرة.
تبدّلات جوهرية أيضاً
يعتبر المؤلف أنها "مئوية مؤسسة" لتبدّلات جوهرية : بين ماضٍ سحيق في همومه وبدعه وسلوكه، وآخر بدأ بمسارات بطبيعتها كانت هي الأخطر وكان الشاهد على مدى خطورته ربطاً بالنتائج المتحقّقة وهو بداية تاريخ "الاستعمار المتحضّر"، وبلفور لم يقدّم من أرضه بلاداً لجماعات مستجلبة من أربع جهات الأرض لتحّلّ مكان أهلها الأصليين، مستعيناً بالصفاء الديني كمحدّد لطبيعة الكيان وبوظائف مشتبه فيها، والجنرال غورو لم يعلن من أعلى درج قصر الصنوبر قيام إمارة فرنسية بل كياناً وصفه بالكبير على اسم لبنان رسمه على قياس المذاهب والطوائف بطبيعته ومساراته، وبين مسارات التاريخ وأحكامه: كان الاستعمار أو الانتداب أو الاحتلال.... كلّها مسمّيات لفعل واحد فكسر "الخلافة" أصبح في منطقتنا، لمصلحة المذهب والعائلة والفرد هو التناقض الحادّ الذي حكم كلّ مسارات ما بعد الحربين الكبريين.
يصف المؤلف ما جرى بالعقلية الاستعمارية والمقبلة إلى المنطقة بعدما أدمت شعوبها بحروب متعدّدة وكونيّة، وأنّ التعويض عن الخسائر يكون بإيجاد الموارد في أراضٍ شاسعة وخبرات غير مكتشفة. لكنّ رائحة النفط التي تزكم الأنوف هو المعيار الذي طبع كيفيّة مقاربة الأمور والقضايا، حيت سقطت قيم الحداثة في الاحتلال ونهب ثروات الشعوب وتجبيرها لتسديد فواتير "الإمبرياليّات المتقاتلة" بكلّ اتجاهاتها القديمة المستوطنة في أوروبا أو الوافدة من "ما وراء الأطلسي".
يعتقد المؤلف في كتابه أنّ هذا النهج ارتكزت عليه أسس "إمبراطورية القتل" كي تقوم وتزدهر، "الخلق - الذريعة" هي كلمة السرّ الحقيقية التي من خلالها كان اصطناع الأحداث وفق ما تريد كي تتمكّن من القيادة والسيادة وفلسطين شاهدة على المئوية العابرة، ولا فرق بين تدمير برجَي التجارة العالمية المشكوك بكلّ الرواية الأميركية، قُصف السودان واحتُلّ العراق للتغطية على "ولدنة كلينتون"، وجرى اجتياح أفغانستان وإطلاق يد الحقد الأميركي حول العالم تنفيذاً لأجندات مصانع السلاح، ومن يزرع المخدّرات ومن يروّجها ومن يتحكّم بالاقتصاد بحجّة الردّ والردّ على الإرهاب، يمكن أن يكون أيّ مواطن أو كيان أو دولة أو شعب وما كان يلزم فقط "الذريعة"، ليدخل العالم في أتون كبير يأخذ أبعاداً جديدة متنوعّة ويُستخدم فيها غير شكل وأسلوب...
أميركا ليست الأخ الأكبر
يرى المؤلف د. حسن خليل، أنّ أميركا لن تكون في موقع إسداء النصائح للآخرين، مخاطباً، فما دسستم أنوفكم في قضيةٍ إلا وفاحت منها رائحة الدماء أو البترول، دولتكم وجيوشكم لم يتركا بقعة من هذا العالم إلا دمّروها لمصلحة سياساتكم وشركاتكم العابرة للقارات. ويخاطب المؤلف الولايات المتحدة "أبَدتُم سكان أميركا الأصليين، شويتم اليابان بالسلاح الذري، أحرقتم أطفال فيتنام بالنابالم، احتللتم العواصم تباعاً من هانوي إلى كابول إلى بغداد"، وما النتيجة؟ قاربتم هافانا وبيروت ونزلتم على شواطئهما، والنتيجة كانت فراركم إلى عرض البحر تحت جنح الظلام مهزومين تجرجرون أذيال هزيمتكم وراءكم.
مئوية جديدة وخيبات
المؤلف في كتابه ليس ناقماً على أميركا بل يصف واقع العالم بامتياز، وهو يعبر إلى مئوية جديدة نجد بأنّ مسار المئة الراحلة قد سلّمت للآتية خيبات جديدة ونظاماً سياسياً معولماً بطبيعته وتركيبه وسلوكه مع متغيّرات طرأت على العديد من القضايا التي شغلت العالم فتبدّلت طبيعة الصراع واختلّت، لقد بنوا على انهيار متسرّع أوهاماً لانتصار أبديّ فغيّروا حركة التاريخ بشكلٍ مصطنع كي تبدو في اتجاهٍ واحد، لذا فإنّ حركة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء. فالرأسمالية بما تمثّل ومن تمثّل لن تكون في صف الشعوب لتحقيق مصالحها بل هي في الجهة المقابلة، إنّ فهم الصراع الدائر حالياً المجرّد من المضمون لا يمكن أن يشكّل السمة الأساس لسيادة دائمة لأصحاب الرأسمال المتوحّش والمتعالي والمفرِط فمنطق العولمة السائد في هذه المرحلة، والذي نقصد به الاستعمار الجديد المتقدّم في آلياته وسرعة سيطرته هو منطق بحدّ ذاته مخالف لتلك القيم، فاستلاب الشعوب حرياتها وثرواتها دوماً باسم نشر الحرية وفرض الديمقراطية والديمقراطيات وبالقوة هو مخالف لهذه القيم ويتناقض معها.
ما نعيشه اليوم هو الناتج الطبيعي لعولمة مستبدة وقاتلة جبلت العالم بمنطقها المقلوب، ولم يردعها منطق ولا أخلاق، هو حال العالم المتلاشية قيمه إلى حدّ الحضيض لمصلحة "إمبراطورية الشرّ" الأميركية المتمادية الموروثة عن بريطانيا، في حدّ الإجرام الموصوف فتلك المنظومة لم تتوانَ عن المجاهرة بنيّاتها لا بل بالعكس ومن دون أيّ خجل بما تفعل تسيطر وتهيمن وتحاصر وعلى رؤوس الأشهاد لا يردّها رادع هو ذلك النهج المرتكب بحقّ البشرية.
وأخيراً : يستعرض المؤلف د حسن خليل، حالة منطقة الشرق الأوسط المترامية الأطراف والخاضعة لمفاعيل إعادة التكوين منطلقة من سايكس – بيكو بعد أن تبدّلت موازين القوى، وعليه تجري إعادة تشكيل المنطقة من جديد، بالعودة بها إلى الفدرلة المقنّعة كشكل للحكم المطروح وبالنتيجة ستزول دول لمصلحة دويلات بصفاء عرقي أو مذهبي أو طائفي وبوظيفة في خدمة الاحتلال القائم وإدامته.
واستكمالاً للمراوحة لقد وقّع الشرق الأوسط على تقاطع مشروع أميركي - إسرائيلي توسّعي ومشاريع إقليمية متوازية، وسلوكيات أساسها الاستغلال خطابها الخداع وهدفها الهيمنة بالحرب والعقوبات والقهر والخوف والفوضى فكثرة الحروب وتنوّعها ليست سوى ترجمة لذهنية السيطرة وبالقوة على مقدّرات العالم ومحاولة سلبها لمصلحة مجموعات متحكّمة، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة ما هي إلا امتداد طبيعي لسلوك وسياسة العالم المعولم بأوجهه كافة، وسياسة النهب الرأسمالية تستوجب هذا الإجرام من حين إلى آخر.