"الكيان بعيون استخباراته".. العمليات والاغتيالات التي نفّذتها الأجهزة الصهيونية
"من ميزات هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالتوثيق، بل يضع إطاراً للاغتيالات التي لم تكن مجرّد تكتيك طارئ بل كانت وما زالت أداة رئيسية ومؤسسية في السياسة الحربية والدفاعية الأمنية الإسرائيلية".
-
"الكيان بعيون استخباراته".. العمليات السرية والاغتيالات التي نفّذتها الأجهزة الصهيونية
شاءت الصدف أن يصدر الصحافي والكاتب السياسي سلطان سليمان كتابه "الكيان في عيون استخباراته" قبل أسبوعين من انطلاق العدوان الأميركي الصهيوني على إيران ومن ثمّ على لبنان في مطلع آذار/ مارس من العام الجاري، فجاء هذا العدوان ليؤكّد ما ورد في جوهر الكتاب وبين سطوره من أنّ الكيان الصهيوني هو عبارة عن قاعدة عسكرية أنشأها الغرب الاستعماري القديم ممثّلاً ببريطانيا لترثها الإمبراطورية الأميركية الحديثة وتحوّلها إلى مركز عملياتها العدوانية ضدّ شعوب المنطقة مع إعطائها الضوء الأخضر بارتكاب ما تشاء من مجازر وعمليات إبادة جماعية وانتهاكات لسيادة أية دولة في العالم في أربع جهات الأرض.
والكتاب، الذي صدر عن "دار الفارابي" في بيروت، هو عبارة عن مراجعة لكتاب أصدره "الكاتب الأميركي الإسرائيلي رونين بيرغمان" تحت عنوان "انهض واقتل أولاً، تاريخ عمليات الاغتيال الإسرائيلية السريّ"، وبيرغمان نفسه سبق أن خدم في صفوف "الجيش" الإسرائيلي لمدة ثلاث سنوات عمل خلالها في جهاز الاستخبارات "الموساد" وكان مقرّباً جداً أيام خدمته -من رئيس الجهاز مائير داغان، الذي يصفه البعض في "دولة" الكيان بأنه وحش بشري فيما يصفه بيرغمان بـ "الجاسوس والقاتل المحترف الأسطوري"، وبأنه أهمّ رئيس لجهاز الموساد في تاريخ الكيان، ولكن عندما اختلف مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن كيفيّة التعامل مع الملف النووي الإيراني في العام 2011 أطاح به نتنياهو، فكان أن فتح ملفاته للكاتب بيرغمان وساعده في تأمين المصادر اللازمة من وثائق ومقابلات مع عملاء سابقين نفّذوا عمليات قتل وتفجير ومع مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين ودبلوماسيين.
ويقول سليمان في تلخيصه للكتاب بأنه "يروي قصتين متوازيتين تتقاطعان في المعنى والمصير؛ القصة الأولى هي قصة الشعب الفلسطيني الذي خرج من تحت حكم الخلافة العثمانية إلى حكم الانتداب الإنكليزي ومنه وبالتواطؤ بين سلطة الانتداب الإنكليزي والحركة الصهيونية، إلى الاستيطان الصهيوني وفق وعد بولفور، شعب روى على مدى أكثر من قرن من الزمن، ولا يزال يروي أرضه بأنهار من الدماء والدموع طمعاً بالحرية والاستقلال، فيما يوسم نضاله وفق منطق القوة بالإرهاب. والقصة الثانية هي قصة مجموعات كبيرة من المستوطنين الذين جُمعوا من جهات الأرض الأربع ليشكّلوا عصابات ومنظّمات أمنية وعسكرية واستخبارية، وليبنى لهذه المنظّمات كيان على شكل "دولة" ما هي إلا قاعدة عسكرية في قلب الوطن العربي تملك ضوءاً أخضر لاستباحة سيادة أية دولة في العالم بلا حساب وذلك تحت عنوان "الدفاع عن النفس".
أما الراوي، يقول سليمان، "فليس فرداً أو صوتاً واحداً، بل آلاف من التقارير والوثائق السرية والمقابلات الموثّقة التي أجراها الكاتب رونين بيرغمان مع مسؤولين سياسيين وعسكريين وأمنيين ودبلوماسيين في قلب هذا الكيان ومن الذين يدافعون عنه. وبطبيعة الحال تأتي الرواية هنا بوصفها مجموعة من القصص عن عمليات استخبارية وتفجيرات واغتيالات نفّذتها أجهزة هذا الكيان في العشرات من دول العالم، وبينها لبنان الذي نال حصة وازنة من الموت والدمار والدماء، قصص وروايات قد تتضمّن بعض المبالغات أحياناً، غير أنّ القارئ المنتبه يستطيع تمييزها عند القراءة".
وعمل سليمان في مراجعته لكتاب بيرغمان على متابعة روايات بعض العمليات التي وقعت على الأراضي اللبنانية ومقاطعتها مع روايات المنظّمات التي كانت مستهدفة في هذه العمليات ليظهر مدى صوابيّة أو عدم صوابيّة ما يرويه بيرغمان، كما لم يألُ سليمان جهداً في متابعة روايات أخرى عن عمليات جرت في دمشق والقاهرة ومقاطعتها مع رواية أصحاب الأرض. ويتصدّى سليمان في مراجعته أيضاً لمحاولات بيرغمان تنفيذ عمليات اغتيال أخلاقي لبعض القادة المقاومين من خلال دسّ روايات غير صحيحة عنهم، ومن ضمنهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والقائد الجهادي الشهيد عماد مغنية والقائد الفلسطيني الشيخ أحمد ياسين، والهدف من هذا الجهد هو أن لا تكون المراجعة التي يقدّمها عبارة عن تسويق للرواية الصهيونية كما هي والتي تحاول تثبيط العزائم لدى الجمهور العربي والمقاوم عبر تصوير الكيان بأنه لا يقهر.
ويلاحظ القارئ أنّ معظم القادة السياسيين لهذا الكيان هم عبارة عن قتلة محترفين تدرّجوا في الرتب داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والاستخبارية إلى سنّ التقاعد لينتقلوا بعدها إلى العمل السياسي وفق المنطق نفسه الذي كانوا يمارسونه في عملهم السابق. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ أرييل شارون، الذي كان المثال الأكثر وحشية في سياساته العسكرية والسياسية واحتل منصب وزير الحرب وبعدها منصب رئيس الوزراء، قال لضباطه عند احتلال قطاع غزة في حرب العام 1967 وتعيينه حاكماً عسكرياً على القطاع "إنّ من يأتيني بأسير فلسطيني ميت سأقدّم له قنينة شامبانيا، ومن يأتيني بأسير فلسطيني حيّ سأعطيه قنينة صودا". أما إسحق رابين، الذي كان أيضاً رئيساً لأركان "الجيش" ومن ثمّ وزيراً للحرب وبعدها رئيساً للوزراء، فقد قال لقادة أجهزته الأمنية والعسكرية إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى "اكسروا عظام المشاركين في الانتفاضة رجالاً أو أطفالاً لا فرق". ويفاخر إيهود باراك، الذي كان أيضاً رئيساً لأركان "الجيش" وبعدها وزيراً للحرب ومن ثمّ رئيساً للوزراء، بأنه قتل بيده القادة الفلسطينيين الثلاثة في عملية أمنية عسكرية في شارع فردان عام 1973.
واذ يصعب في عجالة هذه المقالة سرد محتويات الكتاب لجهة تعداد العمليات السرية والاغتيالات والتفجيرات التي نفّذتها أجهزة الكيان فإنه من الصعب أكثر تعداد الدول التي جرى انتهاك سيادتها خلال تلك العمليات إن لجهة تنفيذها على أراضي تلك الدول من دون معرفة سلطاتها الرسمية أو لجهة استخدام جوازات سفر مزوّرة أو أصلية تتبع لرعايا تلك الدول، لكن بالامكان التأكيد أنّ عمليات الاستخبارات الإسرائيلية طاولت دولاً في كلّ القارات وتضمّنت اغتيالات وتفجيرات وخطفاً وابتزازاً.
ويلاحظ سليمان أنّ بيرغمان حاول إضفاء الكثير من المصداقيّة على كتابه "انهض واقتل أولاً" عبر عدم حصر الروايات التي نقلها بالعمليات الناجحة فقط ومن ضمنها اغتيال الأمين العامّ السابق لحزب الله السيد عباس الموسوي والقائد الجهادي عماد مغنية والقائد الفلسطيني الأسطورة وديع حداد، والتلميح إلى ما يقارب التأكيد أنّ الموساد هو من اغتال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، بل يضيف عدداً غير محدود من العمليات الفاشلة التي نفّذتها أجهزة الاستخبارات وشكّلت كارثة لها، من ضمنها محاولة اغتيال رئيس جهاز الأمن الفلسطيني المعروف بالقوة 17 أبو حسن سلامة في النروج، والذي تبيّن بعد تنفيذ الاغتيال أنّ الضحية هو عبارة عن عامل مغربي في نادٍ رياضي يشبه الهدف لا أكثر، إضافة إلى وقوع منفّذي العملية في قبضة الشرطة النروجية بعد ساعات قليلة من العملية، وفشل محاولة اغتيال الرئيس العراقي السابق صدام حسين وفشل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين "حماس" خالد مشعل وغيرها وغيرها.
يقع الكتاب في 510 صفحات من القطع الكبير، وقد جرى توزيع محتوياته على واحد وعشرين فصلاً، ما يسهّل على القارئ تناوله ليس وفق التسلسل الرقمي للصفحات بل وفق ما يشاء من فصول كونها مستقلة عن بعضها البعض.
ويقول سليمان في الإهداء والشكر الذي استهلّ بهما الكتاب "شكّلت الساعات الطويلة التي أمضيتها في العمل على هذا الكتاب على مدى سنوات خمس باكورة مهمة نضالية كلّفت بها نفسي لتكون هدية مني تعبيراً عن وفائي للمقاومين الأبطال في فلسطين، لجميع أبناء فلسطين ... لكلّ فصائل المقاومة الفلسطينية الذين ذابت أسماؤهم وأسماء مناضليهم في بوتقة واحدة اسمها فلسطين". ويضيف "أما إهدائي الثاني فلأبطال المقاومة الإسلامية في لبنان الذين سطّروا بدمائم ملحمة أسطورية عجائبية خلال حرب الستة وستين يوماً عام 2024 حيث وقف بضع مئات من هؤلاء الأبطال سداً منيعاً في وجه عشرات آلاف الجنود الصهاينة المعزّزين بأحدث التكنولوجيا العسكرية في العالم". ويتابع، "الإهداء الثالث للقائدين الشيوعيّين الشهيد جورج حاوي والمرحوم محسن إبراهيم اللذين أعلنا إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضدّ الاحتلال الاسرائيلي في السادس عشر من أيلول عام 1982". والإهداء الرابع، يقول سلميان، "لكلّ مناضل يساري وعلماني، مؤمناً كان أم ملحداً، ولكلّ عربي أو أجنبي وقف إلى جانب قضية فلسطين ودعم المقاومة بكلّ فصائلها وعبّر عن دعمه بأيّ شكل من الأشكال".
ويقول الصحافي حسين أيوب رئيس تحرير موقع "180 بوست" في مقدّمته للكتاب "من ميزات هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالتوثيق، بل يضع إطاراً للاغتيالات التي لم تكن مجرّد تكتيك طارئ بل كانت وما زالت أداة رئيسية ومؤسسية في السياسة الحربية والدفاعية الأمنية الإسرائيلية يلجأ إليها بشكل منهجي للقضاء على كلّ ما تعتبره "الدولة" العبرية تهديداً لأمنها القومي في أيّ مكان في العالم".
ويضيف أيوب "كثيراً ما قال لي سلطان كم يشعر بالألم وهو يجد نفسه يكتب في بعض المقاطع بلسان العدو وبقلمه، لما لفلسطين من موقع في قلبه وعقله ووجدانه، ولا سيما أنه كان على مدى سنوات الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) ناشطاً في كلّ أشكال العمل الحزبي الجماهيري والنقابي والعسكري والأمني والخارجي (أبرزها في قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي)، وقد فسحت هذه التجربة الغنية له المجال ليدقّق الكثير من الروايات التي يتضمّنها الكتاب بلغة العارف والمثقّف وقارئ التاريخ. وما ساعده أكثر في ذلك هو تلك التجربة المهنية الكبيرة التي خاضها على مدى ثلاثة عقود من الزمن في مؤسسات صحافية وإعلامية لبنانية وعربية وعالمية".