"اقتل ديك" لِلوك غوبيل: لوس أنجلوس مرآةً للخراب الأميركي

يرى النقاد أن الكاتب يستخدم هذا التوقيت بالذات كخلفية للأحداث لكي يوضح "كيف كانت الدولة الأميركية تعيش حالة من التشظي الاجتماعي والانهيار الأخلاقي الوشيك، حيث انشغل الناس بجمع المال والترف والمخدرات، بينما كانت المنظومة السياسية والمجتمعية تتآكل من الداخل"

  • "اقتل ديك" لِلوك غوبيل: لوس أنجلوس مرآةً للخراب الأميركي

"اقتل ديك" هي الرواية الثانية للكاتب وكاتب السيناريو الأميركي لوك غوبيل الحائز على "جائزة رونالد سوكينيك للرواية المبتكرة" و"جائزة جوان سكوت التذكارية للتخييل". نُشرت هذه الرواية في نيسان/أبريل 2026، عن دار نشر "ريد هين بريس"، وتقع في حوالي 280 صفحة. 

"اقتل ديك" هي رواية عن لوس أنجلوس، كما تعلن في صفحتها الأولى. يقول لوك غوبيل: "لم تكن لوس أنجلوس يوماً هي الاستثناء، لا بوصفها موقعاً ولا بوصفها مرآة. لقد كانت المسودة المبكرة لأميركا". ولهذا تغوص هذه الرواية في فوضى لوس أنجلوس حيث يتفشى الإدمان والفساد. إنها رواية قاتمة وساخرة وحادة، تشرح "مسائل الثروة، والاستغلال، والحد المحفوف بالمخاطر بين النجاة والتدمير الذاتي". كما أنها تعرّي إمبراطوريات الأفيونات التي تحرق كل ما تلمسه. وتشير كذلك إلى النفاق المتستر بالفن، والتشابك العقيم بين الفن ورأس المال.

تُفتتح الرواية بوصف للرياح وهي تعصف عبر مجموعة من الأماكن لتداعب أخيراً أطراف أصابع قدم سوزي فوغلمان المستلقية على كرسي المسبح في منزل والديها في برينتوود. سوزي فوغلمان هي فتاة ثرية في التاسعة عشرة من عمرها، تريد أن تصبح فنانة. لكنها، بعد وفاة صديقتها بجرعة زائدة، تنقطع عن الدراسة في مدرسة الفنون في جامعة نيويورك. وهي تمضي وقتها منتشية بالمخدرات، مدمنة خصوصاً على عقار الأوكسيكونتين، وهو عقار تصنعه الشركة التي تُعد أكبر عميل لدى والدها المحامي. 

العام الذي تجري فيه الرواية هو العام 2016 رغم أن ذلك لم يُذكر صراحة، لكنه يتضح من خلال إشارات مثل وجود انتخابات جارية، تضع "المرشحة الأنثى" في مواجهة "المرشح البرتقالي". إنه، كما تُظهر الرواية، خريف مليء بالدراما، لكن سوزي لا تعير الكثير من الانتباه "لا للانتخابات القادمة، ولا لجرائم القتل، ولا للضباب البرتقالي للهلاك الذي يلوح في الأفق". باقي الشخصيات كذلك ليست مهتمة بالسياسة بشكل خاص. لكنهم يتأثرون بشكل غير مباشر بهذا الحدث التاريخي الذي يجري في الخلفية. ويرى النقاد أن الكاتب يستخدم هذا التوقيت بالذات كخلفية للأحداث لكي يوضح "كيف كانت الدولة الأميركية تعيش حالة من التشظي الاجتماعي والانهيار الأخلاقي الوشيك، حيث انشغل الناس بجمع المال والترف والمخدرات، بينما كانت المنظومة السياسية والمجتمعية تتآكل من الداخل". يقول لوك غوبيل: "إن هذه الرواية عن لوس أنجلوس لا تشرح، بل تقدم... إنها ابنة عم الواقع"، لأنه في لوس أنجلوس "تنهار المسافة بين السرد والواقع".

يجري تقديم الشخصيات سريعاً: والد سوزي، ثري مصاب بالبارانويا، "وحش"، وهو المحامي الشخصي لديك سيكلر وقد ساعده على الإفلات من عقوبة الموت. ديك سيكلر هو رئيس إمبراطورية مسكنات الألم الأفيونية، الملياردير الذي يصنع عقار الأوكسيكونتين، رجل مجرد من الأخلاق وقاسٍ، لا يهتم سوى بالثروة. وهو المقصود بعنوان الرواية "اقتل ديك" فالكثير من الناس يريدون قتله. لكنّ غوبيل يبقي ديك في الخلفية، إذ تُحرّك أعماله الحبكةَ وتتسبب في العديد من الوفيات، ولكنه يظل تقريباً شخصية ثانوية، وينصبّ التركيز على سوزي. كذلك، هنالك أم سوزي التي تنضم إلى "كنيسة التنوير الأبيض"، وهي جمعية سرية غامضة تضم الأثرياء وذوي النفوذ من أمثال ديك سيكلر. ويرى فيها النقاد إشارة إلى جماعة جيفري إبستين. كذلك، هنالك شخصية فيل كروليك أستاذ سوزي السابق في جامعة نيويورك، وشقيقه التوأم المدمن بيت. ثم هنالك بيتر هوليداي، وهو أستاذ جامعي موصوم كان يُدرّس في جامعة نيويورك حيث التقى بسوزي قبل فصله من العمل. والآن، في لوس أنجلوس، يدير مصحة تأهيل متداعية تُعد مجرد عملية احتيال. وهو مجرم سيئ بقدر ما كان أستاذاً جامعياً سيئاً. وعندما "تصطدم حياتهما، تُجر سوزي وبيتر إلى شبكة من الفساد والعنف، حيث يؤدي كل هروب إلى غرق أعمق في العفن". وهنالك قاتل طليق، يهاجم مدمني الشوارع ويشوّه جثثهم لتحقيق أقصى قدرٍ من الصدمة وترك رسالة ما.

تدور الشخصيات في فلك مدينة لوس أنجلوس المنهكة؛ إذ تنتشر في المدينة سلسلة من جرائم القتل الوحشية التي تستهدف المدمنين. سوزي، كما يرى غوبيل، "مجبرة على إحاطة نفسها بالأوكسي، والسخرية، وعزل نفسها داخل حديقة خاصة من القلق قبل اتخاذ إجراء مباشر ضد النظام الذي وُلدت في عمقه لدرجة تمنعها من تجاهله". ومع انتشار الجرائم، يبدأ برج سوزي العاجي بالتهاوي، وتواجه سلسلة من الانهيارات: "انهيارها الشخصي، وانهيار عائلتها، وأصدقائها وأحبائها، والمدينة، والبلاد، والعالم بأكمله. كل شيء يتهدم. والناس من حولها يُقتلون". 

تكره سوزي والدها؛ إنها نباتية "لا يمكنها إيذاء أي كائن حي" باستثناء والدها. وتكره ديك سيكلر، وأحياناً تكره صديقتها المقربة السابقة، فايا، ابنة ديك. ولكي تثبت أنها أفضل من كل هؤلاء الناس، أو ربما لمجرد لفت انتباههم، تقرر أن تصبح فنانة مشهورة. وعندما يتبين أن ذلك حلم صعب، تلجأ إلى الإدمان. "هذا ما فعلته العائلة... دمرت قوة رؤيتك الأصيلة"، كما تقول عن نفسها، كما لو أن الإدمان هو حقها الطبيعي بالولادة أو قدرها المحتوم. كذلك، إدمانها هو نوع من التمرد على والدها لأنه محامي ديك سيكلر وينقذه من العقاب، ولأنه يفتقر إلى الندم، ويستهين بالمدمنين وحالات وفاتهم: "عديمو الفائدة... خاسرون كانوا سيجدون شيئاً آخر يقتلهم"، بحسب قوله. وحين تقرر سوزي إعلان الحرب على شركات الأدوية الكبرى، فهي في الحقيقة تعلن الحرب على والدها.

إن قراءة هذه الرواية "تعني الانزلاق إلى عقل سوزي المغمور بالأفيون". فالرواية نوع من التخييل الذاتي الاعترافي. تعرف سوزي أن قصتها يجب أن تُروى، وهي راوٍ عليم. لكن السرد يتنقل بين ضمير المتكلم، ليكون السرد أحياناً صادقاً إلى درجة تثير الاشمئزاز، وضمير الغائب الذي تستخدمه سوزي عندما يصبح الأمر فوق طاقتها، لكي تنفصل عن واقعها: "أكره التحدث عن إدماني بضمير المتكلم. ليس الأمر أنني لا أستطيع تحمل الحقيقة في شأن المدمنة التي كنتها، بل لأنه نوع أدبي مستهلك. فالأسلوب الاعترافي مبتذل جداً في هذا العصر، وقصص الإدمان هزيلة... سأنتقل إلى ضمير الغائب، وآخذ استراحة عند علامة النجمة، وأمضي قُدماً بأبعاد ثلاثية"، تقول سوزي باستخدام تقنية الميتافيكشن التي يفصح فيها السرد عن تقنياته صراحةً. لكن، يجد بعض القراء هذا التنقل بين الضمائر مشتِّتاً. كذلك، تلمّح سوزي أحياناً إلى كونها "راوية تفتقر إلى الموثوقية". لكن سردها هو "تعبير عما يعتبره الشباب هذه الأيام صحيحاً روحياً". تستخدم سوزي أيضاً المونولوجات الداخلية لتعبر عن أفكارها، أحياناً بينما تكون مخدرة إلى أقصى حد. وفي هذه المونولوجات، "تأتي التفاهة أحياناً متخفية في زي من العمق، والعكس بالعكس"، على حد تعبير الكاتب جونه وولترز. كذلك، تستخدم الرواية "جملاً قصيرة وقوية تكون حادة أحياناً، ومربكة في أحيان أخرى، ما يترك شعوراً بأن بعض المشاهد مجزأة".

يعتبر بعض القراء قراءة هذه الرواية مرهقة، رغم متعتها. فبعض المقاطع ترسم بورتريهاً سريالياً مظلماً للوس أنجلوس مستوحى من أفلام ديفيد لينش وستانلي كوبريك. كما تزخر الرواية بالأحداث الغريبة. على سبيل المثال، يظهر متعاطو المخدرات موتى في فنادق لوس أنجلوس، وتُعرض جثثهم في مشاهد مروعة يرى النقاد أنها تذكر بأعمال الفن التركيبي. وأحياناً، تضفي الرواية طابعاً جمالياً على العنف. وفي أحد المشاهد، يحدث تسمم جماعي في حفل توزيع جوائز الإيمي يتسبب في حالة من الفوضى والتقيؤ بين مشاهير هوليوود على سجادات الحفل. كذلك، ترى الكاتبة إيما برغر أن "غوبيل يميل أحياناً إلى اعتلاء منبر الخطابة والوعظ، فيقوم بمط وتوسيع نقاط معينة في الحبكة ليؤكد رؤيته للعالم في مناجاة ذاتية طويلة". وهو يجعل الشخصيات في حالة توافق سياسي كامل مع الموقف السياسي والإيديولوجي الذي يتخذه، وهذه واحدة من مثالب الرواية كونها تأسر حرية الشخصيات.

من ناحية أخرى، يرى الكاتب آل كراتز أن المحركات التي تجعل الصفحات تطير بين أيدي القراء هي مجموعة من الأسئلة من قبيل: "مَن هو القاتل؟ وهل ستنقذ سوزي نفسها؟ وهل سينقذ فيل شقيقه بيت؟ وهل سينال ديك ما يستحقه؟ وفي قول: اقتل ديك. مَن الذي يوجه صيغة الأمر هذه؟ ومَن ينبغي عليه تلبية هذه الدعوة؟ وهل يمكن لأي أحد منا أن ينجو حقاً؟" كما يعتبر أن أقوى هذه المحركات هي سوزي نفسها التي نتعاطف معها ونرغب في نجاتها بالرغم من كل عيوبها، والتي يمكن رؤيتها من زوايا كثيرة: "الصديقة المقربة، الحبيبة، الحبيبة السابقة، الأخت، الابنة، الحفيدة، العبقرية، المجنونة، الضحية، القاتلة".

الرواية عموماً مستوحاة من أزمة إدمان الأفيونات في أميركا. وهي تلتقط تدهور المجتمع الأميركي. فينتقد الكاتب كيف تحولت حياة المواطن الأميركي إلى مجرد سلعة لدى شركات الأدوية الضخمة (ممثلة بإمبراطورية "ديك سيكلر") التي تحقق مليارات الدولارات من أرباح الحبوب المخدرة، بينما تتواطأ المنظومة القانونية (التي يمثلها والد سوزي المحامي) لحمايتهم وإفلاتهم من العقاب. ويهاجم الكاتب كذلك تغلغل ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي والميديا التي جعلت كل شيء في أميركا زائفاً. "الفن ليس حقيقياً، والأفكار ليست حقيقية. الناس ليسوا حقيقيين. العالم ليس حقيقياً"، تقول سوزي قُرب نهاية الرواية، في نوع من التجلي. و"الشيء الوحيد الحقيقي هو التخمة الإعلامية". 

كذلك، يرى النقاد أن سوزي هي أداة كاريكاتورية لنقد تدهور الرأسمالية المتأخر. "تُخدر سوزي نفسها ليس تجاه حياتها الخاصة فحسب، بل وأيضاً تجاه الفوضى التي تعيشها أميركا في القرن الحادي والعشرين"، على حد تعبير إيميلي والينغتون. وتفكر سوزي قائلة: "كان هناك الكثير مما يحتاج إلى الاحتجاج عليه في أميركا، لدرجة أن الناس قد أُصيبوا بالتبلد، وأصبح النشر على الإنترنت فعالاً بقدر فعالية التحدث إلى نفسك في الحمام". إن سوزي "مناهضة لليبرالية، ومناهضة للمحافظين، ومناهضة للرأسمالية في مرحلتها النهائية -رغماً عن كونها ابنة للثراء- ولكنها في الغالب مناهضة للتصنيفات". 

إن هذه الرواية كما يرى الكاتب آل كراتز، هي عن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، عن مرحلة ما بعد انهيار النظام المصرفي، عن مرحلة الـ ما بعد. وعن "الضباب البرتقالي للهلاك. ضباب الأوكسي". كما أنها تجبر الأميركيين على مواجهة العبارة الإنكارية: "هذا ليس نحن"، والاعتراف بأنها حقيقة مجتمعهم بالفعل. 

يقول غوبيل: "أنا أتحدث عن أميركا، وعن العالم بأسره الذي أسهمت هي إلى حد كبير في صناعته وتلفيقه". وتلاحظ الكاتبة إيما برجر أن "غوبيل مهووس بسقوط الإمبراطورية الأميركية، والتي يطلق عليها 'ما بعد أميركا'، فضلاً عن هوسه بالأباطرة المحتملين الذين يحكمون في عالم ما بعد الإمبراطورية هذا". كذلك، رغم المواضيع الاجتماعية العديدة في الرواية، وتركيزها على تعرية المجتمع الأميركي، فإن فيها نزعة أيديولوجية سياسية واضحة وترى برجر أن رواية "اقتل ديك" هي "رواية سياسية بامتياز. ومع أنها غير معنية بالسياسة الحزبية الرسمية، إلا أنها تقدم نقداً لاذعاً للطبقة الحاكمة في أميركا، بكل ما تحمله من جشع، وفساد، وتهذيب سطحي يخفي وراءه عالماً من العنف. إن الأطروحة السياسية للكتاب ليست محافظة ولا ليبرالية، بل ترتكز على نقد النخب التي تقف على رأس الصناعة، والحكومة، والكنيسة، والحياة المدنية في أميركا". 

اخترنا لك