"إنسان مُفْرط في إنسانيته"

لقد اختار جزء كبير من البشرية الامتثال لمقولة نيتشه: "البشر لا يحتاجون إلى الحقيقة بقدر ما يحتاجون إلى الوهم الذي يمنحهم القوة والاستمرار"، أما القابضون على الجمر فاختاروا مقاومة الوهم "الإنساني" الرأسمالي، والدفاع عن الانسان الحقيقي الذي هو غاية الوجود.

عبر أكثر من قرنين من الزمان ناضلت الشعوب الكادحة والمسحوقة في كافة بقاع الأرض في سبيل حقوقها ومكتسباتها. واستطاعت من خلال تضحياتها تحقيق إنجازات هامة مثل عدالة الأجور، وحرية تشكيل النقابات، وحق المشاركة السياسية والاقتراع. كما استطاعت العديد من الشعوب انتزاع استقلالها وحقها في تقرير مصيرها وإنهاء ما عرف بالحقبة الاستعمارية.

كل هذا النضال كان موجهاً ضد الاستغلال الذي مثلته الرأسمالية منذ نشأتها وحتى اليوم. لكن الرأسمالية، وكعادتها دائماً، قامت بالسطو على نضالات الآخرين وتحويلها إلى إنجازات لها.

وتحولت مصطلحات مثل العدالة والديمقراطية والحرية إلى علامات تجارية مسجلة باسم النظام الرأسمالي، وفي الكثير من الأحيان إلى سلاح تستخدمه الرأسمالية ضد الشعوب والدول التي لا تدور في فلكها.

لعل أكثر هذه المصطلحات استخداماً، واستفزازاً في آن، هو الربط بين الرأسمالية والإنسانية. الاستفزاز لا يكمن فقط في أن النظام الرأسمالي أباد الملايين، وكاد يفني شعوباً عن بكرة أبيها مثل سكان أميركا الأصليين، واستخدم أبشع أسلحة الدمار في حروبه الغاشمة، بل في كونه يخرج علينا بحلة جديدة هي "الرأسمالية الإنسانية".

هذا النظام أعاد إنتاج مفهوم الإنسانية ليتفق مع نمط الإنتاج الرأسمالي، ويتحول إلى أداة بيد الرأسمالية لممارسة المزيد من القهر والنهب والهيمنة على الشعوب.

يقول أحد زعماء الليبراليين إن: "العدو هو الشخص الذي لم تسمع قصته بعد". مما يعني إمكانية تغيير موقفك من العدو لو سمعت قصته وفهمت دوافعه. فإذا سمعنا قصة "الهولوكوست" يمكن أن نتفهم احتلال فلسطين من قبل العصابات الصهيونية، وننظر إليهم كضحايا وليس كمجرمين، ونقبل اقتسام الأرض معهم.

وقد يصل بنا الأمر إلى تفهم المجازر التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في غزّة، ولبنان، والحرب الأميركية على إيران، فالكيان الصهيوني يرد على ما حدث في 7 أكتوبر، والولايات المتحدة تحاول منع إيران من اقتناء القنبلة النووية. 

هذا ما تفعله "هوليوود" عندما تقدم لنا صورة الجندي الأميركي في فيلم مثل "القناص الأميركي" الذي يقتل العراقيين دفاعاً عن زملائه الذين يقتحمون البيوت ويدمرون الأحياء السكنية. في كل الحالات تطغى الصورة على أفكار المشاهدين، فيغيب عن عقولهم السؤال الأهم: لماذا يوجد جنود أميركيون في العراق؟

نفس السلوك نراه عند قنوات إعلامية غربية وعربية في تغطيتها للحرب على إيران، فيصبح السؤال هل تؤيد "العدوان" الإيراني على القواعد الأميركية في الدول العربية، بديلاً للسؤال الحقيقي وهو: لماذا توجد قواعد أميركية في الوطن العربي أصلاً؟ 

هذه الاستراتيجية الجديدة التي تلجأ إليها الرأسمالية لتبرير جرائمها "الإنسانية". فمن الإنساني جداً أن نخطئ... بالنهاية لسنا سوى بشر نخطئ، لكن المهم أننا نبادر إلى إصلاح أخطائنا، سواء من خلال سيادة القانون الليبرالي، أو التوبة الدينية، أو جلسة استماع في الكونغرس الأميركي.

في هذا السياق يمكن أن نتفهم قيام الجنود الأميركيين بأبشع عمليات التعذيب في سجن أبو غريب، ما دام القانون سيحاسبهم وقد يسجنهم أو يسرحهم من الخدمة تسريحاً غير مشرف. ويمكن أن نتفهم الخطأ الأميركي بقصف مدرسة ميناب في إيران.

في فلسطين تركز الكاميرا على جندي صهيوني يساعد أهل المنزل في إخراج أثاثهم قبل أن يقوم جيش الاحتلال بتدمير منزلهم، وقد ينفض التراب عن دمية معفرة به ويعيدها إلى طفلة تبكي، عندها تقترب المذيعة منه وتسأله عن سبب قيامه بذلك يخرج محفظته ليريها صورة ابنته ويقول إن الطفلة ذكرته بابنته الصغيرة.

يتسمر العالم أمام هذا المشهد "الإنساني"، وينسى تماماً البيت الذي يتم نسفه، بل وآلاف البيوت والمدارس التي دُمرت في قطاع غزة. يرى الطفلة التي حصلت على دميتها لكنها فقدت منزلها وتحولت إلى مشردة، تماماً كما يرى طفلاً يحمل كيساً من المساعدات "الإنسانية" لكنه فقد عائلته ومنزله.

تنتهي الأنسنة دائماً بتفكيك الآخر (العدو) وتحوله إلى الآخر (الإنسان) فيخلع الإرهابي حزامه الناسف ويلبس بدلة أنيقة ويتحول إلى معارض معتدل وتُرفع عن تنظيمه العقوبات الرأسمالية، ويُستبدل اليميني المتطرف المعادي للهجرة بيساري ليبرالي يطرح برنامجاً معادياً للهجرة باعتدال، وتتحول المجندة في الجيش الصهيوني المجرم، غال غادوت، إلى نجمة سينمائية تلعب دور المرأة الخارقة.

ضمن هذه المعادلة يصبح الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، "إنساناً مُفْرطاً في إنسانيته" مقارنة بدونالد ترامب المتطرف، وتحتفل البشرية بعودة الديمقراطيين إلى الحكم. نفس الأمر ينطبق على ماكرون مقارنة بماري لوبان، وكير ستارمر مقارنة بريشي سوناك. يغيب في سياق المقارنة التاريخ الإجرامي لحكومات هذه الدول، وتصبح المقارنة "الإنسانية" مجالاً لتقييم الدول والأفراد.

ما نعرفه جميعاً، من دون شك، أن ما تدعيه الرأسمالية من إنسانية أو ديمقراطية أو عدالة ليس سوى كذبة يستطيع أي شخص عادي تقديم الأدلة على عدم صدقها. ونعرف جميعاً أن الليبرالية الاقتصادية ليست سوى الغطاء الرأسمالي للفساد ونهب الشعوب. رغم ذلك نناضل في سبيل القيم العليا باستعمال وسائل الرأسمالية ولغتها وأدواتها، ونحن نعلم تماماً أنها لا تبدو فاسدة وكاذبة فحسب، بل إنها فاسدة وكاذبة فعلاً.

لقد اختار جزء كبير من البشرية الامتثال لمقولة نيتشه: "البشر لا يحتاجون إلى الحقيقة بقدر ما يحتاجون إلى الوهم الذي يمنحهم القوة والاستمرار"، أما القابضون على الجمر فاختاروا مقاومة الوهم "الإنساني" الرأسمالي، والدفاع عن الانسان الحقيقي الذي هو غاية الوجود.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك