"شهود من الميدان" كتاب يروي معاناة الأطباء والطاقم الصحي في قطاع غزة، ويقدم مشاهدات عن أشخاص شاهدناهم وسمعناهم لكننا لم نعرف كيف كانوا يبتكرون المعجزات داخل غرف العمليات، من أجل الحياة، من أجل إنقاذ طفل أو طفلة، رجل أو إمرأة من أجل إبقاء سكان قطاع غزة على قيد الحياة، أولئك الذين كانوا يتدفقون من كل حدب وصوب إلى المستشقيات بعد كل غارة أو قصف من الطائرات، من أجل إبعاد الموت ما أمكن عن الذين أنهكت أجسادهم المجاعة، أو عن المصابين بالأوبئة التي انتشرت بفعل الحصار، هؤلاء المدنيون كانوا يرون في المستشفيات والمراكز الطبية ملاذهم الأخير، إنهم أطباء غزة "شهود من الميدان".
كتاب "شهود من الميدان أطباء غزة يتحدثون"، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، شارك في الإعداد والتحرير ليث حنبلي وأيهم السهلي تقديم وئام حمودة، الطبعة الأولى بيروت لبنان 2025.
"شهود من الميدان"
إن المقابلات التي يتضمنها الكتاب بوصفها شهود من الميدان، شهادات حيّة تمنحنا صورة أوضح عن تجارب أطباء فلسطينيين متجذرين في وطنهم ومخلصين لشعبهم، على الرغم من التحديات والصعوبات المتعددة على المستويات الشخصية والنفسية والمهنية، في ظل دمار هائل واستهداف مباشر للقطاع الصحي والعاملين فيه، وتكشف هذه الشهادات تفاصيل دقيقة وحساسة عن مواجهة حرب الإبادة على قطاع غزة، وعن محاولات الأطباء الدؤوبة للحفاظ على الحياة.
ونستعرض أبرز الشهادات منها:
شهادة الدكتور محمد أبو سلمية: المدير العام لمجمع الشفاء الطبي.
شهادة الدكتور غسان أبو ستة: جرّاح تجميل وترميم ومدير برنامج طب النزاعات من الجامعة الأميركية في بيروت.
شهادة الدكتورة زينة القدوة: طبيبة امتياز في مدينة غزة تخرجت بشهادة الطب البشري من جامعة الأزهر.
شهادة الدكتور أحمد مهنا: مدير مستشفيات العودة وطبيب تخدير.
شهادة الدكتورة إسراء صالح: طبيبة متخصصة فيالصحة الإنجابية والجنسية عملت في قطاع غزة مع منظمة أطباء العالم – فرنسا.
شهادة الدكتور أحمد مخللاتي: استشاري جراحة التجميل والترميم ورئيس سابق لقسم التجميل في مجمع الشفاء الطبي.
وكم من طبيب كان قلقاً على أهله ثم وجد نفسه وجهاً لوجه أمام ابنه أو ابنته أو أمه أو أبيه وهم جرحى وعليه أن ينقذهم بيديه ولم نشاهد ذلك، وهذا جزء من الألم الذي عاشه الكادر الطبي في قطاع غزة، إلى جانب شعورهم العميق بالخذلان من المجتمع الدولي الذي أدار ظهره لهم ولمهمتهم النبيلة، فصمت عن قتل الاحتلال عدداً من العاملين في القطاع الصحي، وصمت أيضاً حين اقتاد جيش الاحتلال أطباء وممرضين وغيرهم من داخل المستشفيات أسرى وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم، غاب بعضهم لأشهر وبعضهم لأكثر من عام وبعضهم لم يخرج أبداً، مثل الطبيب حسام أبو صفية، وهناك من أُودع مقابر الأرقام أو ثلاجات المستشفيات بعد استشهاده في أقبية التحقيق أو نتيجة الإهمال الطبي أو التعذيب الوحشي، كما حصل مع الدكتور عدنان البرش، هؤلاء تعرضوا للاعتقال والتعذيب والتحقيق الوحشي وفي بعض الحالات للقتل.
الأطباء أهداف عسكرية
يوضح كتاب "أطباء غزة يتحدثون": تحول العاملون في القطاع الصحي وفي مقدمهم الأطباء إلى أهداف عسكرية في نظر قوات الاحتلال الإسرائيلي في إطار سياسة جرى صوغها وتوفير الغطاء لها من أعلى مستويات هرم اتخاذ القرار في "إسرائيل، وتندرج المقابلات ضمن مشروع كبير بادرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى إطلاقه في بدايات الحرب، وهو مشروع "توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة" الذي واكب عملية تدمير هذا القطاع بكامل كادره البشري وبمرافقه من مستشفيات وعيادات ومراكز صحية، منذ الأيام الأولى للحرب، وتُعدّ هذه المقابلات جزءاً لا يتجزأ من هذا المشروع التوثيقي، وتسلط هذه الشهادات الضوء على جوانب متعددة ينبغي فهمها في سياقها الأشمل "الانبهار بالأطباء" وأفعالهم فحسب أيضاً على مواجهة الظروف التي تُجبر الطبيب الفلسطيني على البطولة، فيما لم يقتصر هذا الفعل على قطاع بعينه، بل طال مختلف نواحي الحياة ومقوماتها داخل القطاع، بما في ذلك التعليم المأوي والصرف الصحي والصحة والثقافة، لكن برز القطاع الصحي بوصفه أحد أكثر القطاعات تضرراً من الإبادة، إذ شمل استهدافه قصف جميع مستشفيات القطاع وغالبية المراكز الصحية وتخريب المعدات داخل المنشآت الطبية، ما يمثل تصعيداً غير مسبوق في الاعتداءات على القطاع الصحي والعاملين فيه، مقارنة بأي فترة سابقة، وقد استقطب هذا الاستهداف اهتماماً واسعاً منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة، ولا سيما عقب قصف الجيش الإسرائيلي مستشفى الأهلي المعمداني، ولتسويغ هذه الهجمات جرى ترويج ادعاءات استندت إلى دلائل مزيفة ومفبركة تزعم أن المستشفيات ولا سيما مستشفى الشفاء، تشكل جزءاً من بنية عسكرية تابعة لحركة "حماس" وتُستخدم غطاءً لأعمال قتالية "إرهابية" كما وُجهت اتهامات بالإرهاب إلى العاملين في القطاع الصحي من دون أدلة، أو استناداً إلى أدلة مزيفة ما أدى الى اعتقال واغتيال عدد من الكوادر الصحية.
ويقدم الكتاب هذه الشهادات والمقابلات نماذج حية من الصمود والالتزام والإصرار على إنقاذ الحياة وتعزيزها وإنتاجها، وعلى إعادة الإنتاج الاجتماعي على الرغم من توصيف غزة باستمرار بوصفها مكاناً على وشك الموت، لكن هذه الشهادات تكشف أن غزة مكان حي وأن بناتها وأبناءها هم سبب إبقائها على قيد الحياة عبر الالتزام والولاء والإصرار والابتكار والمهنية العالية على الرغم من الصعوبات والتحديات والخسائر الجماعية والشخصية الهائلة.
محاور أساسية
تتناول الشهادات والمقابلات في كتاب "أطباء غزة يتحدثون" أربعة محاور أساسية، يتمحور الأول حول النظام الصحي في قطاع غزة قبل حرب الإبادة ومحاولات تطويره، ويتناول المحور الثاني تأثير حرب الإبادة في القطاع الصحي والسبل المتعددة التي عمل العاملون في هذا القطاع على اتباعها لمواجهة هذا التأثير، أمّا المحور الثالث فيركز على دور الطبيب والعاملين الصحيين عموماً في الحفاظ على الحياة وإنتاجها وإعادة إنتاج المجتمع في السياق الوطني وعلى النهج الذي يجسده العاملون في القطاع الصحي في غزة، ويتناول المحور الرابع ما يمكن استخلاصه من هذه الشهادات في ظل النقاش الدائر حول إعادة إعمار غزة ودور العاملين في القطاع الصحي.
تهجير سكان غزة
وتكشف الشهادات المدرجة في الكتاب، الظروف القاسية التي عملت في ظلها الكوادر الطبية والصحية من دوام لساعات طويلة والتعامل مع أعداد غير مسبوقة من المرضى واحتياجات طبية متزايدة في ظل شح حاد في الموارد والمستلزمات، وجاء ذلك فيما كان هؤلاء يعيشون، شأنهم شأن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، ظروفاً حياتية بالغة الصعوبة، شملت النزوح المتكرر والخسائر المادية واستشهاد أقاربهم والقلق الدائم على سلامة أحبائهم وسوء التغذية في ظل سياسات التجويع والقيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية إلى قطاع غزة، ويُضاف إلى ذلك الاستهداف المباشر للبنية الصحية واغتيال العاملين فيها ومن بينهم الأطباء الذين قدموا شهاداتهم في هذا الكتاب، ووفق المعطيات المتوفرة حتى الـ17 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 استُشهد 1243 عاملاً صحياً من بينهم 130 طبيباً فيما جرى اعتقال 362 من العاملين في القطاع الصحي في ظروف قاسية للغاية استُشهد أربعة منهم داخل الأسر ولا يزال 92 معتقلاً رهن الاحتجاز بعد الإفراج عن 270 آخرين.
تكشف الشهادات المدرجة في كتاب "شهود من الميدان"، أن هدف الاحتلال الأول والأخير هو تهجير سكان شمال القطاع وتحديداً مدينة غزة إلى خارج حدودها، ودفعهم جنوباً نحو باقي مناطق القطاع، هذا هو الهدف الرئيسي للاحتلال، فعندما تُدمّر البيئة الصحية وتُعطّل المنظومة الطبية ويُمنع إدخال الدواء والغذاء والمياه تصبح الحياة في هذا المكان مستحيلة، ويُجبر السكان على مغادرته، هذا ما سعى إليه الاحتلال منذ اليوم الأول لهذه الحرب.