"أبواب الجنوب" حين تفتح للذين آووا ونصروا
لقد نجح الكتاب في اختصار "ملحمة الصمود" الجنوبية بشكلٍ أعمق من التوثيق التاريخي التقليدي عبر قصص قصيرة تُشبه في حيويتها وآنّيتها "سندويشات الـ Fast Food" على مائدة المقاومة الممتدة؛ فهي طازجة، ساخنة، وتفوح منها أبخرة المعركة ممزوجة بغبار الزنازين.
-
"أبواب الجنوب" حين تفتح للذين آووا ونصروا
في "أبواب الجنوب"، الصادر عن دار الولاء للطباعة والنشر، تنخرط آلاء شمس الدين في مشروع سرديّ يتجاوز وظيفة الحكاية بوصفها تسجيلاً للأحداث، ليغدو فعلاً ثقافياً ومعرفياً يعيد مساءلة الذاكرة نفسها بوصفها مجالاً للصراع. النصّ لا يتعامل مع الجنوب كجغرافيا ثابتة، بل كفضاء متحوّل تتقاطع فيه سلطة الأمر الواقع الصهيونية بالتجربة، والتاريخ باليومي، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية.
تقوم البنية السردية على التشظّي والتفكيك، حيث تُقدَّم النصوص في شكل ومضات مكثّفة منفصلة ظاهرياً، لكنها مترابطة دلالياً. هذا الشكل لا يُقرأ كخلل في البناء، بل كاستجابة جمالية ومعرفية لما يسمّيه بول ريكور بـ"هشاشة الذاكرة"، حيث لا تُستعاد التجربة إلا عبر شذرات، لا عبر سرد خطي مكتمل. ومن هنا، يصبح التفتّت السردي جزءاً من دلالة النص، لا عائقاً أمام تماسكه.
يحيل عنوان "أبواب الجنوب" إلى مفهوم العتبات بوصفها مناطق انتقال بين الداخل والخارج، وبين الهامش والمركز، وبين السلطة والمقاومة. وضمن هذا الإطار، تتحوّل الجغرافيا إلى عنصر منتج للمعنى، بحيث تغدو القرى الحدودية من فضاء هامشي إلى مركز رمزي للصراع، فيما تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية ـــــ كالزراعة، والبيت، وغرف المؤونة ـــــ إلى ما يمكن قراءته ضمن ما يسمّيه ميشال فوكو بـ"تقنيات الحياة اليومية للمقاومة"، حيث لا تكون السلطة خارجية فقط، بل تتقاطع مع المعيش ذاته.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة النص في ضوء أعمال تتناول تجربة الاحتلال وإعادة تشكيل الوعي، مثل صمت البحر لـفيركور، حيث يتجسّد الفعل المقاوم في الصمت بوصفه موقفاً أخلاقياً داخل فضاء خاضع للهيمنة. غير أنّ شمس الدين تتجاوز هذا المستوى، عبر تفكيك الصمت نفسه وإعادة تحويله إلى خطاب سردي، أي نقله من حيّز الامتناع إلى حيّز التعبير المتشظّي، بما يفتح المجال أمام قراءة جديدة لفكرة المقاومة بوصفها إنتاجاً للمعنى لا مجرّد رفض سلبي.
كما يمكننا وضع "أبواب الجنوب" في حوار مع "حفلة التيس" لماريو فارغاس يوسا، الذي يشتغل على تفكيك السلطة عبر تعدّد الأصوات واستعادة الذاكرة من منظور الضحايا. غير أنّ شمس الدين تعتمد ما يمكن تسميته بـاقتصاد سردي مكثّف، يجعل من كلّ مقطع وحدة دلالية مستقلّة، تُسهم في بناء المعنى الكلّي عبر التراكم والتجاور، لا عبر الامتداد الروائي أو الحبكة الخطية.
ومن منظور نظري أوسع، يمكن ربط هذا الشكل السردي بما يشير إليه "هومي بابا "حول "الحيّز الثالث"، حيث لا تُنتج الهوية داخل ثنائية مركز/ هامش، بل داخل فضاء وسيط تتشكّل فيه المعاني عبر التداخل والاختلاف. فالنصّ هنا لا يعيد إنتاج سردية جاهزة، بل يفتح مساحة لإعادة التفاوض مع الذاكرة والتجربة والمعنى.
تقوم الكتابة في "أبواب الجنوب" على تمثيل خطاب الهامش، من خلال منح الصوت للفاعلين غير المرئيّين في السرديات الرسمية، بما في ذلك الأسرى والمدنيون والضحايا، وبهذا المعنى، لا تُقدَّم الوقائع بوصفها تسلسلاً تاريخياً، بل بوصفها تجربة إنسانية متعدّدة الطبقات، تتقاطع فيها الذاكرة بالعاطفة، والتوثيق بالانفعال، والتجربة الفردية بالبعد الجمعي.
ورغم غياب الحبكة التقليدية، تتماسك النصوص عبر وحدة موضوعية نضالية تجعل من التشتّت الظاهري انعكاساً لبنية الواقع ذاته، لا خللاً في البناء الفني. إنّ هذا الشكل من الكتابة يرفض المركزية السردية التقليدية، ويؤسّس لمعناه عبر التراكم والتجاور، حيث تتشكّل الدلالة من تفاعل المقاطع لا من خطية الحكاية.
في ضوء ذلك، يقدّم "أبواب الجنوب" نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بـالسرد المقاوم، حيث تتحوّل الكتابة من تمثيل للواقع إلى ممارسة لإعادة إنتاجه رمزياً داخل الوعي. فالنصّ وهو يقوم بتوثيق التجربة ويستعيد شخصيات عملاء كعقل هاشم وحسين عبد النبي الملقّب بالجلبوط، ويسمعنا أزيز الرصاص وأنين الأسرى لا يغفل عن إعادة تشكيل هذه الأحداث داخل بنية تخييلية نقدية، تجعل من الذاكرة مجالاً مفتوحاً للصراع والتأويل. وبهذا المعنى، تصبح الكتابة فعلاً لمقاومة المحو، وأداة لتثبيت حضور الجنوب بوصفه فضاءً إنسانياً وتاريخياً ومعنوياً لا يمكن اختزاله في جغرافيا أو حدث.
"أبواب الجنوب" هي محاولة أدبية للحفاظ على ترياق الذاكرة واستنطاق التاريخ الشفهي قبل أن تغيب شمسها. إنها دعوة لنقرأ الجنوب كساحة صراع وحكاية إنسانٍ تشبّث بأرضه فأزهرت صموداً، وكأنّ الكاتبة تقول لنا: إنَّ كلّ حكايةٍ نكتبها هي جدارٌ جديدٌ نرفعهُ بوجه النسيان.
لقد نجح الكتاب في اختصار "ملحمة الصمود" الجنوبية بشكلٍ أعمق من التوثيق التاريخي التقليدي عبر قصص قصيرة تُشبه في حيويتها وآنّيتها "سندويشات الـ Fast Food" على مائدة المقاومة الممتدة؛ فهي طازجة، ساخنة، وتفوح منها أبخرة المعركة ممزوجة بغبار الزنازين.
إنها قصص قصيرة متناثرة في محيط المقاومة الشاسع كجزر وواحات أدبية، متفرّقة، مستقلة تخلو من التسلسل الزمني التقليدي، إلا أنها مترابطة بخيطٍ نضاليٍّ متين يجمع شتات الذاكرة في قضيةٍ واحدة هي قضية إنسان الجنوب الباحث عن الحرية ولا يساوم عليها مهما غلت التضحيات.