وثيقة للحياة الممتلئة... كبرياء!
شجاعة نادرة، وعقيدة محبوبة من صخر، ويقين يضيء، يستلّه من آخر رمق له في الحياة، حين يقول الشهيد عدنان: بإضرابي عن الطعام، أحرم عدوّي من الادعاء بأنه أذلّني بشربة ماء، أو لقمة طعام، فأنا اخترت موتي شهيداً... لا هو!
-
وثيقة للحياة الممتلئة... كبرياء!
بلى، كل عريشة قصب، أو أجمة شوك، أو كتلة صخرية، أو تلة، أو غابة، أو دارة لها قنطرة أو حاكورة، أو دارة هدمت، فجاورتها خيمة تؤوي أهلها، أو قرية مهجّرة، بادية المعالم، أو مشفى صار خراباً، لكنه ما زال مشفى، أو حاووز ماء دُمّر نصفه، لكن ما زال اسمه: حاووز ماء، أو مشتل نعناع أو حبق ظل هو الشاهد الحي الذي يتنفس هواء مملوءاً بروائح البارود، ويستجيب لهبّات الهواء الرخي قرب عتبة بيت فلسطيني طاله الدمار الإسرائيلي، وهُجّر أهله... كل هذا اللقاء لهذه الأشياء والأمكنة... مقاومة! لأنه متجذّر في الأرض، ومتجذّر في ثقافة العمران، وكل هذا عناد وطني، هو سمة الإنسان الحر حين يحاصَر، وحين يؤذى، وحين يطاله الظلموت مسّاً بالبيت، والأرض، والأبناء، والمعاني الخالدات.
أقول هذا وأنا أقرأ كتاب "خضر عدنان، الرجل الخبّاز" للكاتب ثامر سباعنة الصادر في رام الله عام (2026)، أقرأه باكياً، وأماشي سطوره بدموعي، وهذا انعكاس قليل لمشاعري، لأن هذا الرجل "خضر عدنان" علّم الرجال داخل السجون الإسرائيلية كيف يكسرون القيود، ولأن الكتاب يروي سيرة ابن الأرض ، ابن البلاد الفلسطينية العزيزة، خضر عدنان الذي عاش حياته كلها مقاوماً، يقول: لا... للمحتل الإسرائيلي، في الشارع، والبيت، وهو بين رفاقه، وفي المعتقل، والزنزانة، وفي العنابر التي تشتمل على عشرات الأسرى، وفي قاعات التحقيق، وساحات التعذيب.
كل سطر في هذه السيرة يحمل دلالات البطولة الفردية الفذّة التي لم تخشَ الجلاد الإسرائيلي، ولم تخفْ من أساليب تعذيبه الراعبة، ولم تصدق كلمة من وعوده وإغراءاته الهشة التي تزين الحياة ورخاءها أمام رجل آمن بأن الحياة كبرياء وعزة وحرية، وأنّ كل مغريات الحياة قشور حين تكون الأرض محتلة والنفس مألومة مكلومة، والحرية ناقصة، وحين يكون التهديد والوعيد والإخافة ثقافة تمشي على ساقين في كل الأمكنة الفلسطينية.
إقرأ أيضاً: الأسير البرغوثي من زنزانته: سأقاتل حتى النهاية...
وكل حادثة في هذا الكتاب، هي تجربة عظيمة بكل أسبابها، وجولانها، ومتغيراتها، ونتائجها، ولكن، أي حوادث هي حوادث هذا الكتاب؟ إنها سلسلة بطولات ومواجهات، بطولة تقود إلى مأثرة، ومأثرة تقود إلى مواقف نادرة في معانيها وتجلياتها، وكل خبر في هذا الكتاب هو سيرة لقناعات آمنت بأنّ الأوطان هي الأسمى والأغلى من الحياة والأبناء والأطيان والنياشين!
إنها حادثات تروي مواجهة خضر عدنان للمحتل الإسرائيلي بالصدر العاري، والكلمة الصادقة، والشجاعة النادرة، والثبات على المبدأ والحق، والقناعة المطلقة في تعيينها وبعدها بأن الإسرائيلي محتل وغاصب وبربري ودموي وعنصري، هو، ومن يساندونه هم مثله في الصفات والقناعات والثقافة.
كتاب خضر عدنان (1978-2023) الرجل الخباز، ثقيل في ما احتواه، وفي ما قاله ورواه، وسطّره لنا، لا لأنه يدور حول الأفعال التامات للشهيد خضر عدنان وحده، وإنما لأنه يدور حول معاني المقاومة التي هي نور الحياة كلها، فلا نور، ولا حياة طي حياة الذل، والمهانة، والخضوع، ولأن البطولة الحقة تتجلّى وقت الصعاب، أي وقت المواجهة، والدفاع عن البيت، والشارع، والمدرسة، والمشفى، وحاكورة البيت، والدرب الذي سيعود منه قطيع الأغنام... وهي البطولة الحلقة التي تتجلّى أيضاً وقت الاعتقال، وقت الضرب والإهانة، والشبح بالحبال في هواء ثقيل مسموم، ووقت مواجهة المحقق الناطق بالكفر والكذب والتلفيق والنزيف.
وُلد خضر عدنان في بلدة "عرابة" سنة 1978 الواقعة جنوبي غربي مدينة جنين، وهو خبّاز، صاحب فرن، درس في الجامعة الرياضيات حتى نال شهادة البكالوريوس، ثم درس الاقتصاد حتى نال شهادة الماجستير، وعاش حياة الاجتماع مع الناس وبينهم حتى صار مثالاً يُحتذى في العمل والعلم والصدق والشجاعة والمقاومة والمواجهة والتحدي، مرّ عليه الزمن الموجع وهو يمضي من اعتقال إلى اعتقال، ومن سجن إلى سجن، حتى صارت جموع سنوات عمره هي الاعتقال، والمطاردة، والإضراب عن الطعام، وقد عزف عن الزواج لأنه عرف يقيناً بأنه لن يكون جديراً بتربية أولاده لأن الاحتلال، وبسبب ثقافته العنصرية الهمجية، ووسائله وغاياته، لن يمنحه أي شكل من أشكال الهدوء، كي يتزوج ويبني بيتاً، ويعيش حياة أسرية، لأنه يعرف بأن البيت سيُدمّر، والابن سيطارَد ويُسجن ويستشهد، لكن خضر عدنان تزوج ب(رندة) بنت (عرابة) حين قالت له: مهري هو أن تواصل نضالك! فعرف أنها نصفه الثاني، وشريكة عمره في الألم ، والمطاردة، والغياب، والاعتقال.
وخلال سنوات اعتقاله والإفراج عنه ثم عودته إلى المعتقلات الإسرائيلية أنجب خضر عدنان تسعة أولاد، ثلاثة منهم جاؤوا في حمل واحد، وكانوا ذكوراً، فسمّاهم "محمد وعلي وحمزة"! وحين أضرب عن الطعام للمرة الخامسة وبعد مضي 86 يوماً على جوعه وعطشه ومرضه ورفضه أن تمس يد إسرائيلية جسده، رحل شهيداً داخل زنزانته، وطي بطانية قذرة، بعد أن كتب وصية تقطر ألماً وحزناً، وفيها وعي، وشجاعة، وكبرياء، وجّهها، وفي شق منها، لزوجته وأولاده، ووجّهها، في شقها الآخر إلى أهله وشعبه، وقال: الحياة كرامة، والحياة كبرياء، والحياة عمل، وكرامة الفرد الفلسطيني هي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وكبرياء الفلسطيني هو في عدم السكوت على أفاعيل الاحتلال الناقصة مهما بلغت قوته، وغطرسته، وأن العمل الحق هو المقاومة الذهابة بكل عزومها، من أجل هزيمة الظلموت؛ وقال في وصيته: ليس السجن أو الاعتقال سوى امتحان للمصداقية، والمواطنة، وحب الأرض، وقبول التضحية من أجل نجاة المجتمع، ليكن الواحد منا مثل حبة القمح التي تُدفن في الأرض من أجل أن تصير سنبلة لمصداقية حب البذل بالروح كي تحيا الأوطان؛ ولهذا كان خضر عدنان الشهيد الرقم 237 من بين الأسرى الذين استشهدوا بعد إضرابهم عن الطعام لتصير قولة "الأمعاء الخاوية" ثقافة تشير إلى المقاومة الباسلة الفذة للأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات الإسرائيلية.
إقرأ أيضاً: وليد دقة.. بين الحياة والميلاد
وقد شغلت أخبار إضرابات خضر عدنان الخمسة الشارعين المحلي والدولي، لأن عشاق الحرية والمجد حملوا قضيته إلى جميع أنحاء الدنيا، إلى حيث هي منظمات حقوق الإنسان، وساحات الجامعات والتظاهرات، والمهرجانات المتضامنة مع قضية الشعب الفلسطيني، والمناسبات التي تُعنى بتجلية معاني النضال والحرية والمقاومة، وفضح أساليب الظلم، والعسف، والطرد، والتهجير، والقتل، والحصار للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وكشفت أخبار إضرابات خضر عدنان عن أساليب التعذيب الإسرائيلية داخل الزنازين الوسخة، الرطبة، الملأى بالقاذورات، والهواء الثقيل، وأساليب إذلال المعتقلين الفلسطينيين... من جهة، وشجاعتهم النادرة في مواجهة السجّان، والمحقق، والطبيب الإسرائيليين، فلا انحناء أو مساومة أمام النفوس المعمّرة بالوعي الوطني العنيد.
يكتب خضر عدنان في وصيته غايات كل فلسطيني شرب من ماء فلسطين، وكل فلسطيني اقتنع بأن الاحتلال زائل، وأن الحق عائد إلى أهله، طال الزمن أم قصر، ويقول: أما وقد اقتربت النفس من الشهادة فحق علينا أن نكتب وصيتنا! أقول لكم، لقد ذاب شحمي ولحمي ونخر عظمي، وضعفت قواي، وما عاد لدي ما أتأسف عليه، وأقول لزوجتي: أوصيك وأبنائي بتقوى الله تعالى، والاستعصام بحبله المتين، والاستغناء بفضله عمّن سواه، وقول الحق في كل زمان! وأقول لشعبي: هذه أرض الله العزيزة، ولنا فيها وعد منه، إنه وعد الآخرة، فلا تيأسوا لأن نصر الله قريب، ووعده لعباده بالنصر أقرب!
بلى، هي شجاعة نادرة، وعقيدة محبوبة من صخر، ويقين يضيء، يستلّه من آخر رمق له في الحياة، حين يقول: بإضرابي عن الطعام، أحرم عدوّي من الادعاء بأنه أذلّني بشربة ماء، أو لقمة طعام، فأنا اخترت موتي شهيداً... لا هو!
أجل، هذا كتاب سيرة لحياة البطل خضر عدنان، ولكنه الآن هو كتاب لكل حر شريف، يدق قلبه كلما ذُكرت كلمة الوطن،
إنه كتاب لسيرة مجاهد فلسطيني، اسمه خضر عدنان، عاش الحياة،
من أجل الكبرياء العزيزة، والكرامة الوطنية.