هل تستعيد معركة بنت جبيل رمزية ستالينغراد؟

تستعيد مدينة بنت جبيل رمزيّتها المقاومة وهي تواجه تصعيداً عسكرياً لافتاً عشية "التفاوض" اللبناني - الإسرائيلي في واشنطن، فتتجاوز المعركة كونها حدثاً عابراً، لتتحوّل إلى محطة مفصلية في مسار الصراع.

  • هل تستعيد معركة بنت جبيل رمزية ستالينغراد؟

منذ فجر الفكر الإنساني، ظلّت المقاومة سؤالاً فلسفياً بقدر ما هي فعل سياسي. هل نقاوم لأننا نحبّ الحرية، أم لأننا نرفض الاحتلال والظلم؟ وهل تكون المقاومة عادلة حين تتحوّل إلى عنف مسلّح ضدّ الاحتلال؟ هذه الأسئلة لم تقتصر على الثوّار في ميادين الجنوب اللبناني فقط، بل شغلت عقول الفلاسفة قديماً.

فالمحتلّ، في الوعي الفلسفي، ليس دائماً جيشاً يعبر الحدود فحسب، بل هو أيضاً فكرة أو نظام أو سلطة تخضع الإنسان من الداخل. ولم تكن فكرة المقاومة مجرّد ردّ عسكري على الغزو، بل هي موقف أخلاقي وفكري من الظلم. فقد قدّم المقاوم مفهوماً شاملاً للعدل، يجعل مقاومة المحتلّ دفاعاً عن الكرامة الإنسانية، لا عن الأرض وحدها.

فالمقاومة ليست سعياً للهيمنة، بل دفع المعتدي إذا اعتدى. وفي عالم تمارس فيه السيطرة بأشكال متنوّعة غير مرئية، لم تعد المقاومة بالضرورة صرخة أو سلاحاً، بل أصبحت وعياً متيّقظاً لا يسمح بتزييف المعنى. أن نقاوم اليوم يعني أن نتمسّك بقدرتنا على التفكير الحرّ، وأن نرفض تحويل الحقيقة إلى سلعة، أو الإنسان إلى رقم.

فالفلسفة تذكّرنا بأنّ المقاومة لا تنتهي بزوال الاحتلال، بل تبدأ حين نحرس داخلنا فكرة الحرية كي لا تختطف من جديد. فالأمل قد يأتي من غير المتوقّع.

** 
منذ أن بدأ اللبناني يطرح أسئلته الأولى عن الحقّ والقوة، ظهرت جرائم "إسرائيل" بوصفها فعلاً يخرق النظام الأخلاقي أو الإلهي، وفكرة العقاب بوصفها محاولة لإعادة التوازن المفقود. لكنّ السؤال الفلسفي الأعمق لم يكن عن الجريمة ذاتها، بل عن العدالة: من يملك حقّ العقاب؟

الجواب يكون بالمقاومة الشاملة، العسكرية منها والفكرية/الفلسفية. وفي هذه السردية، يحذّر عالم الاجتماع الفرنسي، إدغار موران، من أنّ "العالم يقترب من منتصف ليله"، وينصح الأجيال: "قاوموا واتبعوا طموحاتكم، لكن احذروا الأوهام".

بمعنى أنّ القوة لم تعد تقاس بما يمتلك من سلاح وتدريب فقط، بل بما يمتلك من سرد، ومن صورة، ومن معنى. والجنوب اللبناني اليوم يصنع هذا المعنى، ليس للمنطقة فقط، بل للعالم كلّه.

لم تعد بنت جبيل جنوبي لبنان، في عين المفكّر والمتأمّل، مجرّد جغرافيا تقصف أو ساحة تتناوب عليها الحروب، بل أضحت رمزاً يتجاوز حدود المكان والحدث، لتصبح مرآة لانهيار سردية عالمية طالما ادّعت احتكار الأخلاق والحرية وحقوق الإنسان.

فمنذ اندلاع العدوان الأخير، وما تبعه من صور المذبحة اليومية الموثّقة لحظة بلحظة في كلّ بقعة من لبنان، وصولاً إلى المذبحة الكبرى في العاصمة بيروت (أكثر من 300 شهيد)، بدا وكأنّ العالم يشهد ميلاد وعي جديداً، لا يتشكّل في المؤتمرات أو الجامعات، بل في وجدان الشعوب، وفي ساحات الرفض والتظاهرات، وفي الفضاء الرقمي.

أي إنه لا يمكن اعتبار المقاومة الإسلامية اللبنانية حدثاً عابراً، إنما لحظة أخلاقية تؤسس لتجديد معنى الحرية في الوجدان الإنساني. وفي هذا السياق، لم يعد الجنوب اللبناني "قضية محلية" أو مأساة وطنية/إنسانية فحسب، بل أضحى حدثاً مؤسساً لمرحلة جديدة من التاريخ القومي، مرحلة يعاد فيها تعريف الإنسان وموقعه في الصراع بين القوة والحقّ.

من هنا، يطرح هذا المقال سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام لحظة تعيد تشكيل العالم المعاصر من أطرافه المقهورة، وقد بدأت من غزة، وها هي مستمرة في الجنوب اللبناني المقاوم؟

** 
تستعيد مدينة بنت جبيل رمزيتها المقاومة وهي تواجه تصعيداً عسكرياً لافتاً عشية "التفاوض" اللبناني - الإسرائيلي في واشنطن، فتتجاوز المعركة كونها حدثاً عابراً، لتتحوّل إلى محطة مفصلية في مسار الصراع، وسط محاولات "إسرائيل" للسيطرة على المدينة.

اكتسبت بنت جبيل مكانتها الأسطورية كأيقونة جنوبية بعد حرب تموز/يوليو عام 2006، التي شهدت فشل أهداف "جيش" الاحتلال الإسرائيلي في التقدّم البري، بعدما تكبّدت وحدات نخبته خسائر فادحة. وقد جعل هذا الإرث من المدينة تحدّياً دائماً، واستخدمها الأمين العامّ السابق لحزب الله، الشهيد السيد حسن نصر الله، منصة لإطلاق مقولته الشهيرة التي وصف فيها "إسرائيل" بأنها "أوهن من بيت العنكبوت" عام 2000.

وتمثّل بنت جبيل عقدة في الجنوب اللبناني؛ فمن يسيطر على المناطق الواقعة بين مارون الراس وعيترون والقرى الخلفية للمدينة، يستطيع أن يفتح محوراً نحو العمق، ومن يفشل فيها سيخسر سردية النصر بالكامل.

وسيبقى مشهد بنت جبيل مرتبطاً بتوازنات أوسع تشمل إيران ومسارات التفاوض الإقليمية، ويبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح بنت جبيل مرة أخرى في وقف تقدّم "جيش" الاحتلال كما فعلت عام 2006؟ أم أنّ المعركة الحالية ستتوسّع لتعيد رسم حدود المعركة؟

لم تكن الشمس قد عادت إلى بيتها بعد، على ما تقول التسمية الرومانية لبنت جبيل، "بيت الشمس"، حتى استعادت المدينة رمزية "ستالينغراد" بكلّ قسوتها وتعقيداتها.

وقد شكّلت بنت جبيل بعداً رمزياً لدى قادة الاحتلال، الذين سعوا إلى تكوين صورة انتصار عبر الوصول إلى المكان الذي ألقى فيه السيد نصر الله خطابه الشهير.

وكان المؤرّخ العسكري الروسي، أليكسي إيسايف، قد اعتبر أنّ "الاتحاد السوفياتي لم يكن لينتصر في الحرب العالمية الثانية لولا انتصار الجيش الأحمر في معركة ستالينغراد، وتحوّل المدينة إلى رمز لحرب الشوارع، يرتبط بالمعارك العنيفة التي شهدتها في كلّ شارع تقريباً".

ولعلّ هذا ما تحدثه المقاومة في الجنوب، وفي بنت جبيل خصوصاً، حيث تضغط المقاومة بكلّ ثقلها العسكري لإفشال المخطط الإسرائيلي لاحتلال المدينة، لما لهذه المدينة من رمزية معنوية عزيزة على قلب بيئتها.

وتعدّ معركة "ستالينغراد" واحدة من أعظم المعارك في التاريخ الحديث، ونقطة تحوّل محورية في الحرب العالمية الثانية، إذ امتدت من آب/أغسطس 1942 إلى شباط/فبراير 1943.

وكما كانت معركة ستالينغراد درساً خالداً في التاريخ العسكري، فإنّ انتصار السوفيات فيها لم يكن مجرّد انتصار عسكري، بل كان بداية النهاية لألمانيا النازية، ومثالاً على قوة الصمود والتضحية. هكذا فإنّ بنت جبيل، برمزيّتها في وجدان المقاومة، تعدّ مدخلاً مهماً لمواجهة الاحتلال وكسره إلى الأبد.

اخترنا لك