من أرسطو إلى نيتشه وفرويد: لماذا خاصمت الفلسفة المرأة؟
لماذا رأى كبار الفلاسفة في المرأة نقصاً أو خطراً، بدل أن يروها إنساناً كامل العقل والوجود؟
حين تُخطئ الفلسفة في تعريف المرأة، فهي لا تسيء إليها وحدها، بل تفضح هشاشة تعريفها للعقل نفسه. هذا المقال رحلة في سقطات العباقرة حين نظروا إلى المرأة… ورأوا أقلّ مما ينبغي.
من المدهش أحياناً أن يظلّ الإنسان يفتخر بالعقل لآلاف السنين، بينما يغفل عن أقرب ما يحيط به، عن نصف المجتمع الذي يبني الحياة على كتفه ويشارك في كلّ تفاصيلها اليومية. فالمرأة، رغم حضورها اليومي، كانت كثيراً ما تتلاشى من خطاب الفلاسفة، أو تُستدعى فقط لتكون مثالاً للنقص أو موضعاً للتوبيخ، وكأنّ العقل نفسه عمي عن رؤيتها.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا فشل الفكر الفلسفي في الاعتراف بها كإنسان كامل، بينما أصرّ على تحميلها وزر الشرّ والضعف والطبيعة المزعومة؟
من "الذكر الناقص" إلى "بوابة الشيطان": المرأة في الفكر القديم والعصور الوسطى
-
حين احتكر الفلاسفة تعريف العقل، جاءت النساء ليُعدن تعريف الإنسان
لنبدأ من الجذور القديمة، عند أرسطو، الذي ظلّ عبقرياً في نظر التاريخ، لكنه أخطأ في أبسط الأمور. وصف المعلم الأعظم المرأة بأنها "ذكر ناقص"، زاعماً أنّ طبيعتها أقلّ حرارة وأقلّ اكتمالاً، وأنّ الرجل هو المبدأ الفاعل في العملية الحيوية، بينما الأنثى مجرّد وعاء سلبي، تتلقّى الشكل والروح بلا قدرة على التأثير.
ومن الطرائف الشهيرة أنّ أرسطو اعتقد أنّ النساء لديهن عدد أسنان أقلّ من الرجال، وهو خطأ علمي واضح، علّق عليه برتراند راسل ساخراً: "لم يكن أرسطو ليخطئ لو أنه سمح لزوجته بفتح فمها مرة واحدة على الأقل". ولم يكتفِ بذلك، بل اعتبر عدم إصابة النساء بالصلع دليلاً على "طبيعتهن الطفولية"، كأنّ الجسد نفسه يكشف عن مصير المرأة العقلي والاجتماعي.
أما أفلاطون، ورغم دعوته لتعليم المرأة في "الجمهورية"، ظلّ أسيراً لثنائية عميقة تربط الرجل بالعقل والروح، والمرأة بالحواس والعاطفة، بل وصل الأمر أحياناً إلى اعتبار الولادة كأنثى عقاباً لروح لم تُحسن التصرّف في حياتها السابقة، وكأنّ للأنوثة مكانة أدنى في سلّم الوجود. هذا التمييز بين الجنسين استمر وانتقل عبر العصور، وصار حجر الأساس لتفسير اجتماعي وثقافي يُشرعن هيمنة الرجل على المرأة.
ليست المشكلة أنّ الفلاسفة أخطأوا في حقّ المرأة، بل أنهم أخطأوا في تعريف العقل نفسه، فمن يرى نصف البشر ناقصاً، لا يملك عقلاً كاملاً، مهما كتب من مؤلفات.
ومع انتقال مركز السلطة والمعرفة في أوروبا من المجال المدني إلى الكنيسة خلال العصور الوسطى، اختلطت الفلسفة باللاهوت، وتحوّلت المرأة من ناقصة إلى خطيرة. إذ ربطت النصوص الدينية الأوروبية جسدها بالسقوط الأخلاقي، وجعلتها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، حتى وصل الأمر إلى ملاحقة آلاف النساء بتهمة السحر في إطار ما سُمي بـ"مطرقة الساحرات". هنا يمكننا أن نرى كيف تحوّل الاعتقاد الفلسفي القديم إلى ممارسة اجتماعية حقيقية، فالعقل الذي كان مفترضاً أن يُحرّر، صار أداة للاضطهاد.
العقل المفقود والمرأة: من "التنوير" إلى نداء جون ستيوارت ميل
-
هيباتيا السكندرية، جوليوس كرونبرج، 1889
جاء "عصر التنوير" يرفع راية العقل والحرية، لكنّ المرأة لم تدخل هذا النور إلا كظلٍّ على الهامش. جان جاك روسو، في كتابه "إميل"، لم يرَ في المرأة ذاتاً مستقلة، بل مشروعاً مُعدّاً للرجل؛ تعليمها محدود، وحريتها مؤطرة، بينما ظلّ الفضاء الفكري والاجتماعي حكراً على الذكور.
وحتى إيمانويل كانط، الذي أسّس للأخلاق الحديثة وكرامة الإنسان، لم يتجاوز النظرة المحدودة للمرأة ككائن جميل محدود، لا يُنتظر منه حمل عبء التفكير العميق. وهكذا استمرت الأفكار القديمة، بصياغة جديدة، تتحدّث عن الطبيعة بدل الخطأ، وعن العاطفة بدل الخطيئة.
-
صورة لنيتشه خلال مرضه (أرشيف غوته وشيلر فايمار)
في القرن الــ 19، أصبحت مواقف الفلاسفة تجاه المرأة أكثر وضوحاً. فقد كتب آرثر شوبنهاور، المتأثّر بتجاربه الشخصية المتوترة مع والدته، عن المرأة بصيغة رجل مجروح، واصفاً إياها بأنها "طفل كبير"، وأنّ جمالها مجرّد خدعة طبيعية، وأنها تفتقر إلى ملكة العدل.
حين تُخطئ الفلسفة في تعريف المرأة، فهي لا تسيء إليها وحدها، بل تفضح هشاشة تعريفها للعقل نفسه. هذا المقال رحلة في سقطات العباقرة حين نظروا إلى المرأة… ورأوا أقلّ مما ينبغي.
فريدريك نيتشه لم يكن أقلّ قسوة، لكنه أضاف بُعداً آخر. إذ رأى المرأة قوة جذب قد تلهي الرجل عن مشروعه، واعتبرها خطراً على "الإنسان الأعلى"، ليس لضعفها، بل لقدرتها على خلخلة الكبرياء الذكوري.
أما أوتو وينينغر فذهب أبعد من ذلك، وقال إنّ المرأة "لا جوهر لها"، وإنّ وجودها مرتبط بالانحلال الأخلاقي، وسيغموند فرويد كرّر الصور القديمة بلغة علمية، معتبراً المرأة "ذكراً مخصياً" في تطوّرها النفسي، لتظلّ الفكرة السائدة: المرأة ناقصة، محدودة، مضطرة إلى تبعيّة طبيعية.
انبعاث العقل الأنثوي: الفيلسوفات والنسوية الحديثة
-
ماري وولستونكرافت
مع ذلك، لا يكون التاريخ منصفاً إذا تركنا الصفحة سوداء بالكامل. ففي قلب القرن الــ 19 نفسه ظهر صوت مختلف هو جون ستيوارت ميل. في كتابه "استعباد النساء" (1869)، لم يناقش المرأة بوصفها لغزاً بيولوجياً أو خطراً أخلاقياً، بل بكونها إنساناً مُنع من التجربة.
طرح ميل سؤالاً بسيطاً يهدم قروناً من الادّعاء: كيف نحكم على عقل المرأة ونحن لم نسمح لها أصلاً بالتعليم والعمل والاختيار؟ كيف نقول إنها أقلّ، وقد صُمّمت القوانين لتبقيها بمرتبة أدنى؟ بهذه النقلة، حوّل ميل القضية من لغة "الطبيعة" إلى لغة العدالة، ومن الأحكام الجاهزة إلى البرهان.
لم يكن صمت المرأة في تاريخ الفلسفة رضوخاً، بل نتيجة إقصاءٍ ممنهج؛ ومع ذلك، كانت هناك "انبعاثات" فكرية قاومت هذا التغييب، ولم تنتظر من الفلاسفة الرجال صكوك الغفران.
فمنذ قرون بعيدة، ظهرت الشهادة المعرفية الأولى في صورة هيباتيا السكندرية التي لم تكن مجرّد فيلسوفة، بل عالمة رياضيات وفلك أثبتت أنّ العقل الأنثوي قادر على استيعاب وتدريس أكثر قوانين الكون تعقيداً، وكان مقتلها المأساوي إعلاناً مبكراً عن خوف القوى الظلامية من "عقل المرأة" حين يتحرّر.
المرأة، رغم حضورها اليومي، كانت كثيراً ما تتلاشى من خطاب الفلاسفة، أو تُستدعى فقط لتكون مثالاً للنقص أو موضعاً للتوبيخ، وكأنّ العقل نفسه عمي عن رؤيتها.
ثم جاء عصر العقل المتمرّد مع الكاتبة البريطانية، ماري وولستونكرافت، التي، في ذروة الثورة الفرنسية، وجّهت صدمة للفكر السائد بكتابها "دفاع عن حقوق المرأة" (1792)، فلم تطالب بحقوق سياسية فحسب، بل شخّصت الداء الفلسفي بدقة حين كشفت أنّ ما يسميه الرجال "طبيعة المرأة الضعيفة"، ليس إلا نتاجاً لتربية وتدجينٍ قسري، وكانت من أوائل من أعلن أنّ الفضيلة لا جنس لها، وأنّ العقل إذا لم يُصقل بالتعليم فإنه يضمر سواء كان في جسد رجل أو امرأة.
وبعد ذلك جاء الزلزال الوجودي مع سيمون دو بوفوار، إذ مع صدور "الجنس الآخر" عام 1949 لم يعد بإمكان الفلسفة تجاهل القضية، لأنها لم تكتفِ بنقد الفلاسفة بل فكّكت الميتافيزيقا الذكورية كاملة، وطرحت فكرتها الثورية بأنّ الرجل نصّب نفسه "ذاتاً" (Subject)، وجعل المرأة "آخراً" (Other)، وهو تحليل نقل المعركة من مجرّد المطالبة بالمساواة إلى معركة "الاعتراف بالوجود".
كيف نحكم على عقل المرأة ونحن لم نسمح لها أصلاً بالتعليم والعمل والاختيار؟ كيف نقول إنها أقل، وقد صُمّمت القوانين لتبقيها بمرتبة أدنى؟
وفي العقود الأخيرة، تبلورت النسوية المعاصرة، وبرزت مدرسة الرعاية خصوصاً عبر كارول جيليغان، إلى جانب أصوات نسوية لاحقة مثل جوديث بتلر، فلم تكتفِ هذه الأصوات بالمطالبة بمقعد على "طاولة الرجال"، بل طمحت إلى تغيير "الطاولة" نفسها.
-
جان جاك روسو
هكذا طرحت جيليغان مفهوم "أخلاق الرعاية" بوصفه بديلاً للأخلاق الجافة والمجرّدة التي سادت قروناً، مؤكّدة أنّ التجربة الإنسانية لا تكتمل من دون دمج المنظور العاطفي والارتباطي الذي أقصته الفلسفة الذكورية التقليدية.
ومع ذلك، فإنّ تتبّع هذه المواقف لا يهدف إلى محاكمة الفلاسفة كأفراد بقدر ما يهدف إلى فهم البنية التي جعلت الفكر، عبر قرون طويلة، يعيد إنتاج الصورة نفسها بأسماء مختلفة: المرأة بوصفها نقصاً، أو خطراً، أو تابعاً. فحين يتكرّر الخطأ في مدارس متباعدة، يصبح السؤال أوسع من شوبنهاور ونيتشه وأرسطو… ويصير متعلّقاً بماهية العقل الذي ادّعى القدرة على شمول كلّ جوانب الحقيقة والمعرفة الإنسانية، لكنه انهار عند أول اختبار للعدالة.
ليست المشكلة أنّ الفلاسفة أخطأوا في حقّ المرأة، بل أنهم أخطأوا في تعريف العقل نفسه، فمن يرى نصف البشر ناقصاً، لا يملك عقلاً كاملاً، مهما كتب من مؤلفات.
ذلك أنّ الفلسفة التي لا تتسع للمرأة ليست فلسفة، بل سيرة ذاتية طويلة للذكورة. وحين تتوقّف الفلسفة عن كتابة هذه السيرة، تبدأ أخيراً في كتابة الإنسان بكلّ أبعاده.
قائمة المراجع
- دي بوفوار، سيمون. (2009). الجنس الآخر. (ترجمة جمانة بودي). بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.
- راسل، برتراند. (2010). تاريخ الفلسفة الغربية. (ترجمة زكي نجيب محمود). القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب.
- ميل، جون ستيوارت. (2012). استعباد النساء. (ترجمة إبراهيم إقليدس). القاهرة: مؤسسة هنداوي.
- جيليغان، كارول. (1982). صوت مختلف: الصوت النسوي والأخلاق. نيويورك: مطبعة جامعة هارفارد.
