مريم الجليلية لـ باسم خندقجي: "حقيقة السرديّة المقدّسة في ثلاثيّة المرايا"

تدور الرواية في سياق البحث عن المقدّس في تاريخ المكان، وتواجه الاحتلال وتشتبك معهُ من خلال التقاط صورته الحقيقية كجزار وسارق للأرض والتاريخ.

  • مريم الجليلية لـ باسم خندقجي:
    مريم الجليلية لـ باسم خندقجي: "حقيقة السرديّة المقدّسة في ثلاثيّة المرايا"

يطلُّ علينا الروائي الفلسطيني والأسير المحرر باسم الخندقجي في روايةٍ جديدةٍ صدرت عام 2025م عن دار الآداب - بيروت، وهي ضمن سلسلة روايات "قناع بلون السماء"، وتأتي بعد رواية "سادن المحرقة"، وتبلغ عدد صفحات الرواية 238 صفحة من القطع المتوسط.

يدخل معنى الرواية من عنوانها إلى فلسفة الفراشات وعلاقتها بالتحوّل أمام المرايا، ومن فلسفة الفراشات إلى صورة الأرض وتاريخها الحجري الأول الذي يقاوم الاحتلال والمحو والإلغاء لهويّة الأرض، من دير الفراشة حيث بدأت حكاية مريم فاطم -الشخصية الأولى- طالبة علم الاجتماع في جامعة "تل أبيب"، ومعلمة "أور شابيرا"؛ الجندي الصهيوني الإشكنازيّ المصاب بمرض الفصام النفسي "عوارض ما بعد الصدمة"، من هنا يبدأ الصراع بعد تعليمه اللغة العربية بواسطة مريم فاطم، وتدخل في صِراع شياطينهِ السبعة "بالتسجيلات"؛ للدفاع عن سرديّتها الحقيقية التي هي سرديّة الأرض، وأصحابها الحقيقيون، فيما يصوّر الروائي باسم خندقجي بذكاء لعبة المرايا بانعكاس صورة الشياطين التي تواجههم مريم فاطم، بقدرتها على التفسير وترجمة الشياطين من العبرية إلى العربية لاكتشاف حقيقتهم، أمّا الشخصية الثالثة فهي شخصية نور الشهدي؛ الباحث الفلسطيني في آثار مريم المجدلية، الذي لا يكفُّ عن النبش في تاريخ الأرض للعثور على الحقيقة كالباحث عن البراهين، وتكمن في الرواية ثلاثيّة الشخصيات الذين هم ثلاثيّة المرايا.

إقرأ ايضاً: باسم خندقجي: رواية بلون السماء

ونلاحظ محاولات ضابط المظليين السابق في "جيش" الكيان الصهيوني مع أور شابيرا اختراق حياة وتفاصيل مريم وخصوصياتها بوساطة الشياطين "عن طريق تسجيلات واتساب"؛ لكتابة رواية عنها، وهذه المحاولات هي أشبه بصراع السرديّات؛ رواية مزيفة وشيطانية مقابل رواية أهل الأرض الحقيقيين وسلب حكايتهم، وهنا يوضّح باسم خندقجي حقيقة الأعداء ونواياهم الشيطانية المخادعة لتزييف الحقيقة بواسطة كتابة رواية عن مريم فاطم التي تأخذ رمز مريم الجليلية، وأسأل بعد قراءة الرواية: كيف يستطيع المحتل تحويل المقدس إلى صناعة قداسةٍ لاحتلاله المزيف؟ وتتنقل الرواية بين الصراع من أجل الحقيقة والمقاومة والقيم الإنسانية التي تبرز في هويّة مريم الجليلية ابنة حي العجمي في يافا، فالمقاومة الثقافية في الرواية -برأيي- استطاعت وضع العدو أمام حقيقة إجرامهِ، حتى يقع في خضمّ السؤال الكبير: من هو؟ وما هي حقيقتهُ الدموية على الأرض؟ وجعلهُ يكتشف بنفسهِ أنّهُ صاحب تاريخ إجرامي لا يتوقف، من خلال مشهديّة شياطين أور شابيرا وعدم الوصول إلى الشفاء لمرضهِ؛ لأنّ مرضه النفسي الفصامي قائم على استمراريتهِ في ارتكاب المزيد من الجرائم، بعد أن عجزت طبيبته النفسية الصهيونية "هداس" عن الوصول إلى العلاج النهائي، حيث ورد في صفحة رقم "216":

"هل قرأتِ ترجمة الشيطان السادس؟ ما رأيكِ؟ ألم تتوصلي بعد إلى نتائج ملموسةٍ عن حالته النفسية؟ أجابتها هداس بحيرة: ما زلت عاجزةً عن فهم مراميه... كما أنّ خياله يقلقني... إنّ خياله يُشكّل تربةً خصبةً للفصام".

إقرأ أيضاً: الأسير خندقجي يحطم.. السردية الصهيونية

هذا الفصام ما زال مستمراً إلى يومنا هذا ما دامت حرب الإبادة لم تتوقف بعد، فـ"الجيش" المرتكب للإجرام الفادح هو نفسهُ المصاب بالفصام واضطرابات ما بعد الصدمة، فيما تحاول الضحية الدفاع عن صورتها الأولى، ومكانها الأول، وعن البيوت المدفونة تحت المستوطنات، فكاتبنا كان يذكر أسماء القرى الحقيقية التي بنيت فوقها الجامعات والمراكز الصهيونية؛ لكي يشير بوضوحٍ إلى أنّ الرواية في قلب الرواية ما زالت حية، وفي النهاية توجد روايةٌ واحدة، لا يمكن أن تنتصر رواية أخرى تكتب بالحبر المزيف وبعقلٍ أصيب بالفصام الذي لا شفاء منهُ إلا بالمقاومة. كما ورد في صفحة رقم "225":

"هل هو مصابٌ بالفصام؟ هو الذي أبهرني بشياطينه وبراعته في بناء قاعدة بياناته التي كان يُنشد من خلالها روايةً عنّي... شخصٌ مثلهُ راقبَ وتعقّبَ واقتحم زماناً ومكاناً ليسا لهُ بدقّةٍ عاليةٍ ليس مجنوناً... لكنّ اللعنة! أليست الدقة شكلاً من أشكال الجنون؟ من الذي دفعهُ إلى الانهيار؟".

إقرأ أيضاً: باسم خندقجي.. قبل الجائزة وبعدها

تدور الرواية في سياق البحث عن المقدّس في تاريخ المكان، وتواجه الاحتلال وتشتبك معهُ من خلال التقاط صورته الحقيقية كجزار وسارق للأرض والتاريخ، ونجح -برأيي- باسم في محاولة تقمّصه للشخصيات الثلاث والانتقال الذكي بينها في خضمّ الصراع الكبير الذي يدورُ على الأرض، فمثلما استطاع أن يكون أور شابيرا، استطاع تقمّص شخصية مريم فاطم، ونور الشهدي الباحث في الآثار، وهي محاولات ليست سهلة في سياق الحبكة الروائية الماتعة، وأسلوبها الشعري الشيّق تارةً، والتاريخي التوثيقي تارةً أخرى، فهناك من التخييل اللافت ما جعلنا نعيش الواقع المرير في فلسطين المحتلة، لكنّهُ رفعنا إلى الأحلام المقدسة التي آمن بها أهل الأرض، واكتشاف قداسة حقيقتهم ودفاعهم المشروع عن حقهم في الوجود، مع أنّ التوثيق في الرواية ظهر في تأريخ الزمان والمكان على طرف صفحة كل فصل، والبداية ليست كالنهاية؛ تبدأ من حي العجمي في يافا كالجذور الأولى لحياة جدّة مريم فاطم وهي "حورية" التي عاشت النكبة كشاهدة عليها، وتنتهي الرواية في صراع الذات الحواري بين مريم وأور، حول استحالة أن يكون أور طبيعيّاً، ولن يكون كذلك كما تؤكد مريم في حوارها المصيري معهُ، وكما نفهم بأنّهُ سيبقى المجرم المحتل المصاب بالفصام الذي لا شفاء منهُ، فالمحتل يبقى محتلاً حتى يزول احتلالهِ، وعلى عتبات بيتها في دير الفراشة، أمست هيَ الأثر الذي سيقودهُ إلى هناك... أثر الفراشة.

إقرا أيضاً: "قناع بلون السماء" من روائع أدب الأسرى الفلسطيني

اخترنا لك