ما علاقة البرتغال في سقوط دولة المماليك؟
كيف ساهم وصول الأسطول البرتغالي إلى الخليج الفارسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر في إضعاف دولة المماليك وسقوطها؟
شهد القرن الــ 14 الميلادي هيمنة اقتصادية وعسكرية لدولة سلاطين المماليك، نتيجة الهيمنة على طرق التجارة، وكان سؤالاً يدور في أروقة السلطة الأوروبية بدعوة من البابوية؛ في أوروبا أملاً جديداً يتراءى للغرب الأوروبي؛ حيث تساءل الأوروبيون: هل يمكن للسفن الأوروبية أن تصل إلى الشرق عبر الالتفاف حول أفريقيا ورأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور بالطرق التجارية التي يسيطر عليها المماليك، وتهاجمهم من الخلف، وتحصل على توابل الهند بتكلفة أقل؟
لقد جاء هذا الأمل بمثابة نقطة تحوّل في تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، حيث ظلّت المدن التجارية الأوروبية تنظر للتجارة مع الشرق باعتبارها مصدر قوتها وثرواتها الطائلة (1).
ومع نهاية القرن الــ 15 الميلادي كان هناك انقلاب وشيك: عالم قديم في طريقه إلى الزوال، وعالم جديد لم يولد بعد. ذلك أنّ البرتغاليين كانوا يواصلون "اكتشافهم" ساحل أفريقيا الغربي بعد أن أدركوا إمكانية الوصول إلى الهند عبر الالتفاف حول القارة السوداء. في الوقت نفسه كانت الشيخوخة قد تملّكت من دولة المماليك في مصر وبلاد الشام، وباتت تعاني عجزاً عسكرياً شديداً في مواجهة القوى الأوروبية التي نجحت، في لحظة تاريخية فارقة، في الوصول إلى المحيط الهندي عبر رأس الرجاء الصالح، وقطع الطريق البحري أمام السفن التجارية المحمّلة بالتوابل، وتحويلها بعيداً عن الأسواق المملوكية، ومهاجمة السفن المحمّلة بالتوابل والفلفل المقبلة من أقصى الشرق (2). في حين لم تلتفت الدولة المملوكية إلى جدّية الخطر البرتغالي منذ بدايته، حتى نجح البرتغاليون في اختراق الخليج والبحر الأحمر وتوجيه ضربات موجعة للثغور والمحطات التجارية (3).
التوابل الشرقية وتجارة الترانزيت
-
خريطة كانتينو عام 1502 التي تبيّن أثر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وبداية الطريق البرتغالي نحو الهند (مكتبة جامعة إستينس، مودينا، إيطاليا)
كانت تجارة الفلفل في العصور الوسطى تعادل تجارة الشاي في عصور النهضة الأوروبية، وكان دور الوساطة الذي أدّاه سلاطين المماليك بين تجارة الشرق والغرب مصدراً رئيسياً لأموال طائلة تجنيها دولتهم، وهو ما فرض عليهم ضرورة العمل على تأمين القوافل البحرية المقبلة من بلاد الهند والصين عبر البحر الأحمر، وتمهيد الطريق أمام القوافل المقادمة من سواحل الخليج إلى مدن الشام وسواحله؛ وقد دفع ذلك حكّام الصين والهند إلى مخاطبة ودّ سلاطين المماليك، وصار يرسل كلّ واحد منهم يدعوه إلى تنشيط التبادل التجاري، معدّداً ما ينتجه بلده من توابل، وما يمكن أن تحمله سفنه من الحرير الخام والعطارة النفيسة (4).
وفي أوروبا كان الفلفل أبرز أنواع التوابل وأكثرها طلباً رغم ارتفاع سعره، حتى بات قوة شرائية تدفع بها الضرائب، وتتقاضى الكنائس الفرنسية عُشورها من التوابل، فلفلاً كان أو زنجبيلاً. كما كان "العبيد" يشترون حريتهم بأحمال محدّدة منه، وفي إنكلترا قام الفلفل مقام المال في الإيجارات الزراعية ومهور الزواج (5).
وقد بيع الفلفل للتجار الأوروبيين بما يعادل 4 و5 أضعاف أسعاره في الهند، إذ كان سعر حمل الفلفل الذي يساوي 4 "دوكات" على السفن المتجهة من الهند إلى مصر وبلاد الشام يباع بـ15 دوكة، وهي الدنانير التي ضُربت في البندقية ونُسبت إلى ملكهم، وحمولة الفلفل التي تباع في الأسواق المملوكية المحلية بــ 50 ديناراً تباع للتجار الأوروبيين بما يعادل 130 ديناراً وفقاً لرغبة السلطان (6).
وإلى جانب الفلفل اشترى الأوروبيون الزنجبيل والقرفة والقرنفل وجوزة الطيب (7)، وهي من أهم التوابل المستعملة في الأغراض الطبية، والتي كانت سبباً في ثراء تجار الشرق والغرب على السواء.
فقد ظل سعر بعضها ضعف سعر الفلفل حتى أواخر القرن الــ 15 عند وصول البرتغاليين لمصادرها في الشرق الأقصى؛ إذ كان سعر حمل القرنفل الذي يزن 715 رطلاً بموازين البندقية يصل إلى 25 دوكة، وفي قاليقوط قد يصل الحمل نفسه إلى 50 قطعة ذهبية، بعد أن شاع استعماله بين البرجوازية الأوروبية في حفظ الطعام وتتبيل اللحوم والأسماك (8).
لم يكن التوسّع البرتغالي السبب المباشر الوحيد في سقوط المماليك، لكنه كان عاملاً حاسماً في إضعاف مواردهم التجارية والبحرية والعسكرية، وجعل دولتهم أقلّ قدرة على مواجهة الخطر العثماني الذي أنهى سلطانهم السياسي بعد معركة مرج دابق سنة 1516 وسقوط القاهرة سنة 1517.
هكذا كانت تبحر السفن محمّلة بالتوابل عبر المحيط الهندي في خطين رئيسيين: أحدهما يمرّ عبر الخليج الفارسي إلى ميناء هرمز، ومنه براً إلى طرابلس وبيروت، وثانيهما عبر باب المندب إلى موانئ البحر الأحمر، ثمّ براً إلى دمياط والإسكندرية. وقد اقتسمت السلطات المملوكية السيادة على هذا الطريق مع السلطات الصينية؛ بحيث يكون الجزء الغربي منه المطلّ على البحر الأحمر والسواحل الجنوبية لبلاد العرب تحت سيادة الدولة المملوكية، بينما يشرف الصينيون على الطرف الشرقي منه، ومحطاته الرئيسية على ساحل الملبار وقاليقوط وجزيرة سيلان الهندية وخانقو الصينية (9)، "فإذا وصلت مراكبهم إلى البحر المتيامن عن بحر الهند، لا يتهيأ لها سلوك ذلك البحر" (10).
لكن في نهاية القرن الــ 14 الميلادي، ومع انهيار الاقتصاد المملوكي، وعجز النخبة الحاكمة عن تدارك هذا الانهيار، خاصة مع الحاجة إلى مزيد من الأموال لمواجهة الصراعات العسكرية المتصاعدة في المنطقة، بدأ سلاطين المماليك في الاعتماد بشكل رئيسي على تجارة الترانزيت، والتوسّع في فرض ضرائب باهظة على كلّ سلعة تمرّ ببلادهم، وعلى رأسها التوابل الشرقية، حتى باتت الرسوم الجمركية المصدر الرئيسي لخزينة السلطان. وهو ما تسبّب في تضاعف أسعار التوابل بعد أن وصلت رسوم المرور إلى 3 أضعاف قيمة التوابل، إضافة إلى ما يقترفه رجال الجمارك من تجاوزات مالية تتسبّب في زيادة أسعار التوابل، وقد تزايد قلق الغرب الأوروبي حول مستقبل تجارة الشرق (11).
الأساطيل التجارية والمنافسة البحرية
-
لوحة تجسّد وصول فاسكو دا جاما إلى ساحل كينكا الهندي
كانت النظم التجارية في العصور الوسطى قد اتخذت بشكل عامّ صفة التقليد واستبقاء القديم مع ما يستحدث من نظم، وكذلك الأساطيل البحرية ونظم الملاحة لم تشهد تعديلات كبيرة تُفقدها أصولها منذ القرن الــ 12 إلا مع نهاية القرن الــ 15 في خضمّ حركة "الكشوف" الجغرافية.
كما تشابهت إلى حدّ كبير تلك النظم والقوانين في شرق المتوسط مع نظيرتها في غربه، نتيجة الاتصال التجاري المباشر بينهما، خاصة بعدما وضع الأوروبيون أيديهم على ساحل بلاد الشام على مدار عصر الحروب الصليبية (12)، التي هي عصور تجارية من الدرجة الأولى، "ومن أعجب ما يحدث أنّ اختلاف القوافل على بلاد الفرنج غير منقطع، وتجار النصارى أيضاً لا يُمنع أحد منهم ولا يُعترض، ويؤدّون ضريبة في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، لا تعترض الرعايا ولا التجار" (13).
وبالنظر إلى حال البحر المتوسط خلال القرنين الــ 14 والــ 15، فإنّ البندقية لم تكفّ عن مساعيها من أجل التحكّم في الممرات البحرية وفرض سطوتها على البحر المتوسط في حالات السلم والحرب على السواء، وتذليل كلّ العقبات التي قد تواجه سفنها في طريق إبحارها نحو الموانئ المملوكية.
وحرصت على ألا تعوق التغيّرات التي تطرأ على العلاقات السياسية تدفّق الأرباح التجارية التي تجنيها من نشاطها التجاري. وهو ما يظهر بوضوح في مساعيها عام 1302 لاستعادة مركزها التجاري داخل موانئ بلاد الشام الذي انقطع بعد سقوط عكا في يد المماليك عام 1291، ولم تنقطع قوافلها التجارية إلا باستثناءات قليلة، ولم ينحرف مجراها عن شرق المتوسط إلا في تاريخ متأخر من تاريخ الدولة المملوكية (14).
لم يكن وصول البرتغاليين إلى المحيط الهندي مجرّد اكتشاف جغرافي، بل كان انقلاباً في ميزان التجارة العالمية؛ إذ نجحوا في تحويل طريق التوابل بعيداً عن الأسواق المملوكية، وفتحوا ممراً بحرياً جديداً جعل البحر الأحمر والخليج الفارسي مسرحاً لصراع اقتصادي وعسكري واسع.
ثمّ، ومع نهاية القرن الـ 15، فإنّ السطوة التي حقّقها الإيطاليون لعدة قرون بأساطيلهم المنضبطة بدأت تتلاشى تدريجياً لصالح القوة الصاعدة في غرب أوروبا، الإسبان والبرتغال، وكذلك تحت ضغط القوة المتنامية للترسانة العثمانية في شرق المتوسط.
وقد بدا احتدام الصراع على تسيّد البحر المتوسط بين تلك القوى أمراً حتمياً. وعلى عكس المماليك الذين تركّزت قوتهم حول "الفروسية"، فقد ظلّ أسطولهم جزءاً غير فاعل من الجيش إلا في ظروف استثنائية، وكانت صناعة السفن في الشرق قد تدهورت وتلاشت قوة المماليك في البحر، "وصاروا فيه كالأجانب" (15)؛ نتيجة العجز المتفاقم في المواد الحربية من الأخشاب والحديد والقار وغيرها من مستلزمات صناعة السفن، وغياب الخبرات البحرية بعد أن أصاب نظامها الخلل والفساد، وأسندت إدارة الدولة إلى أصاغر الناس ودافعي الرشاوى.
ومع بداية القرن الــ 16 الميلادي انخفضت كميات التوابل داخل الأسواق المملوكية، نتيجة اتساع نشاط البرتغاليين في الهند وسيطرتهم على مصادر التوابل، ولم يعد بإمكان التجار الأوروبيين الحصول عليها من بلاد السلطان كما كان الحال من قبل. مما جعل سعرها في تزايد مستمر، فبعد أن بيع الحمل منه بـ80 دوكة عام 1491 وصل إلى ما يعادل 192 دوكة في عام 1505 (16). ولم يعد في وسع كل الأمم الأوروبية أن تحتفظ بوجود قوي في بلاد السلطان، ولم تعد تشهد سفنهم إلا مرة واحدة كل عامين، بعد أن كانت تصل عدة مرات في السنة الواحدة.
وكثيراً ما عادت سفنهم خالية أو نصف حمولتها، وفي عام 1502 عادت سفن البندقية من ميناء بيروت بــ 4 بالات من الفلفل، ووصل الحال عام 1504 أن تعود من دون التوابل (17).
السلطان الغوري: من الفشل الدبلوماسي إلى الفشل العسكري
-
لوحة السلطان قانصوه الغوري (الرسام الفلورنسي: كريستوفانو ديل ألتيسيمو، القرن الــ 16)
في أجواء داخلية يسودها الاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي وصل الغوري إلى كرسي السلطنة في نيسان/أبريل عام 1501، وقد بدا جلياً له أن لا سبيل أمامه سوى الضغط على الأوروبيين لشراء أكبر قدر ممكن من التوابل لدعم خزائنه الفارغة.
وما لبث أن توسّع في احتكار تجارة الفلفل، وحظر على التجار المحليين من المصريين والشوام التعامل المباشر مع التجار الأوروبيين حتى بات البائع الوحيد للفلفل، وحتى أصبح سوق الإسكندرية هو السوق الوحيدة لبيع الفلفل. وسرت الشائعات في رغبته في احتكار جميع أنواع التوابل، مما تسبب في زيادة أسعار التوابل (18)، تزامناً مع وصول البرتغاليين إلى الهند وتحوّل أغلب التجار الأوروبيين إلى لشبونة، ولجوء بعض التجار المحليين إلى التمركز في الحجاز وموانئ البحر الأحمر، ومارسوا تجارة متواضعة نسبياً خلال مواسم الحج، نتيجة شحّ السلع الشرقية في الأسواق المملوكية (19).
وفي عام 1502 استقبل الغوري سفارة بندقية تعرب عن قلقها وتدعوه إلى اتخاذ إجراءات سريعة للتصدي للبرتغاليين، ومطالبة بأن تحصل سفنهم على التسهيلات في عمليات البيع والشحن، وألا يُجبر تجارهم على الرحيل قبل إتمام عمليات الشحن (20). إلا أن الغوري، وتحت حاجته الملحة للأموال، لجأ في 1503م إلى إجبار البنادقة على شراء 300 حمل من الفلفل بسعر 105 دوكات للحمل، فأعلن البنادقة رفضهم، واكتفوا بشراء 250 حملاً فقط؛ مما تسبب في غضب السلطان، فأمر بالقبض على قنصلهم ووكلاء التجار، وفرض عليهم غرامة 200 ألف دوك تعويضاً عن خسارته (21)، ومنع سفنهم من الخروج من الموانئ. لكن البنادقة استطاعوا الإبحار خفية من دون الحصول على إذن من السلطات المملوكية، فما كان من السلطان إلا أن أمر بالقبض على جميع التجار الأوروبيين في بلاده، ومصادرة أملاكهم ومتاجرهم، مما تسبّب في تعطّل النشاط التجاري (22).
وكانت البندقية تدرك حجم الخسارة التي تلاحقها نتيجة التوسّع البرتغالي في جلب التوابل إلى أوروبا، بعد أن باتت عاجزة عن مسايرة أسعار التوابل التي تجلبها البرتغال. ذلك أنّ قنطار التوابل الجيدة الذي لا يتجاوز في الهند 3 دوكات، يباع في الأسواق المملوكية بأكثر من 100 دوك، وفي البندقية بأكثر من ذلك، في حين يُباع في لشبونة بـ40 دوكة. ذلك أنّ ملك البرتغال قنع بتسديد نفقات الرحلات إلى الهند مع تحقيق هامش قليل من الربح. ولم تتوانَ البندقية بين عامي 1502 و1504 عن إرسال مبعوثيها لمطالبة السلطان برفع القيود عن الأسواق الحرة، وضرورة إغراق أسواق الإسكندرية وبيروت بالتوابل النقية بأسعار رخيصة تُغري التجار البنادقة بالحضور إلى الأسواق المملوكية، وتحضه على القيام بعمل عسكري ضد السفن البرتغالية يحفظ لها صدارتها التجارية في أوروبا (23).
كانت تجارة الفلفل والتوابل الشرقية شرياناً مالياً حيوياً لدولة المماليك، فقد اعتمدت خزائن السلطنة على الرسوم الجمركية وتجارة الترانزيت، حتى أصبح أيّ اضطراب في طريق الهند والبحر الأحمر تهديداً مباشراً لقوة الدولة واستقرارها.
وقد هدّد البنادقة بهجر أسواق السلطان والتوجّه إلى أسواق لشبونة. ومن ثم عقد الطرفان اتفاقية اشتملت على تعهّدات السلطان برفع تعسّف حكّام دمشق وبيروت عن تجارهم، والقبول بـ80 دوكة سعراً ثابتاً لحمل الفلفل الواحد، مقابل تزويده بالأخشاب لصناعة السفن الحربية (24).
لكن تلك الامتيازات لم تدخل نطاق التنفيذ نتيجة تصاعد أعمال القرصنة "وتزايد تعبث الفرنج بالساحل وأخذ أموال التجار" (25)، واستيلاء فرسان جزيرة رودس على سفن تابعة للسلطان محمّلة بالأخشاب غربي مياه قبرص.
-
بورتريه لأفونسو دي ألبوكيركي، نائب الملك في الهند البرتغالية بعد عام 1545، الرسّام غير معروف (المتحف الوطني للفن القديم، لشبونة)
وقد اعتقد الغوري أنّ البنادقة أهملوا تعهّداتهم بمنع القرصنة، فأمر بالقبض على جميع الفرنج في موانئ مصر والشام وإرسالهم إلى سجون القاهرة، وأن يحتاط على أموالهم ومتاجرهم، "واستدعى القنصل الذي بدمشق، والقنصل الذي بطرابلس، فلما وقفا بين يديه وبّخهما بالكلام ووعدهما بالشنق" (26).
لكن الغوري ما لبث أن تراجع تحت ضغط الأسطول البرتغالي، وبادر بإرسال مبعوث يطلب المعونة من البنادقة لبناء أسطول بحري يساعد في التصدّي للبرتغاليين في البحر الأحمر والخليج الفارسي، ويتفاوض على إعادة النشاط التجاري، ووعدهم على لسان السلطان بأخذ سعر مناسب للنحاس مقابل الفلفل مع إجراء عمليات فرز الفلفل للتأكد من جودته (27).
ويبدو أنّ حكومة البندقية أخطأت في فهم مقاصد السلطان من المعونة العسكرية، فاعتقدت أنه يطالبها بإرسال أسطول إلى الهند بالطريق الجديد ليلتقي بأسطوله لمواجهة البرتغاليين معاً. لذلك أعلنت عن صعوبة هذا الأمر نتيجة طول المسافة وصعوبة الطريق. إلا أنّ السلطان أوضح للسفير البندقي أنه يطلب فقط شحنات من الأسلحة والأخشاب، وإن كانت نصوص المعاهدة لا تشير إلى طبيعة وحجم المعونة العسكرية المطلوبة (28).
سقوط دولة سلاطين المماليك
-
منمنمة تصوّر معركة مرج دابق بين المماليك والعثمانيين (1516-1517)
ضاق الغوري ذرعاً بسياسة البندقية ذات الوجهين، وبدأ في اتخاذ إجراءات تعسّفية ضد التجار الأوروبيين، وقبض على جميع رهبان الفرنسيسكان المقيمين في دير صهيون وكنيسة القيامة، وفرض عليهم دفع غرامة قدرها 4 آلاف دوكات، وأغلظ لهم القول، وطلب منهم مكاتبة ملوك الفرنج لإعادة السفن بما كان عليها من سلع ورجال، وهددهم بقتل التجار الأوروبيين وغلق كنيسة القيامة.
إلا أن أحداً لم يكترث لطلباته، واستمرت عمليات نهب الثغور والسطو على المراكب المحمّلة بالأخشاب (29)، "وتزايد شر الفرنج وكثر تَعبثهم بالناس في البر الرومي والبحر الهندي" (30).
وبدأ السلطان يميل لرأي القنصل الفرنسي الذي أقنعه بأنّ لويس الــ 12 ملك فرنسا هو وحده دون ملوك الفرنج يستطيع مساعدته في استعادة سفنه وبضائعه.
وقد تقرّر إرسال مبعوثين من قبل السلطان تعرض عليه الوساطة لدى رئيس الفرسان، مقابل امتيازات تجارية تيسّر نشاط التجار الفرنسيين داخل بلاد السلطان، وفتح كنيسة القيامة وتأمين رحلات الحج (31)، وحضر سفارة من عند "ملوك الفرنج الفرانسة" (32).
ثم إن الغوري قد منع بيع أخشاب السنط، وشرع في تجهيز أسطول حربي لمواجهة البرتغاليين بدعم من البندقية التي زوّدته بمواد بناء إضافية لتجهيز الأسطول (33). وكاتب ملوك الهند بأن يكونوا عوناً له على قتال البرتغاليين، إلا أنه، ومع كل ما بذله الغوري من جهد، فإنّ الوقت لم يسعفه، "واضطربت الأحوال على السلطان من جميع الجهات" (34). ونجح البرتغاليون في اعتراض أسطول السلطان العائد من الهند، والاستيلاء على أغلب التوابل المقبلة في طريقها إلى جدّة (35). وحملت سفن البرتغال في 1503 ما يزيد عن 35 ألف قنطار من التوابل، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض أسعارها في أسواق لشبونة وبيع حمل الفلفل بين 20 إلى 40 دوكة.
وفي عام 1504 وصل إلى ميناء لشبونة 14 سفينة تحمل ما يصل إلى 50 ألف حمل من التوابل، أرسلت جميعها إلى أسواق إنكلترا والفلاندرز وفرنسا، إضافة إلى 16 سفينة أخرى أبحرت في طريقها إلى الهند تحت حماية سفن حربية برتغالية (36).
ومنذ عام 1506 وطدت البرتغال علاقتها مع مراكز إنتاج البهار، وسمحت حكومتها لسفن فلورنسية وجنوية بمصاحبة أسطولها إلى الهند، على أن تحصل البرتغال مقابل ذلك على ثلث حمولة كل سفينة.
كذلك نجح أسطولها الحربي في السيطرة على مدخل الخليج الفارسي سنة 1505 ثم جاءت حملة سقطرى سنة 1507 في إطار محاولة التحكّم في الطريق من البحر الأحمر إلى الهند، بعد أن تقدّم البرتغاليون عقب موقعتَي شول "Chaul" 1508، وديو 1509 نحو البحر الأحمر. وفي 1511 استولوا على ميناء ملقا في الجنوب الشرقي من آسيا وطردوا منها تجار السلطان، وهي القاعدة التجارية التي تصبّ فيها منتجات الصين وجزر الهند.
ثم تقدّموا عام 1513 إلى جزيرة كمران وملكوها (37)، في محاولة منهم للاستيلاء على جدّة، "وخرج أمير مكة إلى جدّة، وجماعة من المماليك المجاورين الذين هناك بمكة، وأقاموا بجدّة خوفاً على البندر من الفرنج أن يهجموا عليه، فلما جاء الخبر تنكد له السلطان إلى الغاية" (38).
وبالتبعية تجمّدت حركة التجارة وتدانت كميات البضائع وأنواع السلع المتوفرة داخل أسواق مصر وبلاد الشام، وأصبحت أسعار التوابل المتوفرة بها مرتفعة للغاية وتكاد لا تكفي الاستهلاك المحلي؛ ووجد التجار الأوروبيون ملاذهم في التحوّل نحو أسواق لشبونة (39).
كشف التوسّع البرتغالي ضعف الدولة المملوكية في البحر؛ فبينما كانت قوة المماليك قائمة على الفروسية والجيوش البرية، كان العصر الجديد يتطلّب أساطيل حربية وخبرات بحرية وقدرة على حماية الممرات التجارية، وهي عناصر كانت الدولة قد فقدت معظمها مع نهاية القرن الــ 15.
وبعد أن كانت البندقية تترك في مخازنها من التوابل الشرقية ما قيمته 300 ألف دوكة ومثلها على الأقل من النقد البندقي لحساب جارٍ، أصبحت لا تكاد تترك من المتاجر إلا ما يعادل 80 ألف بندقي، ومن النقد ما يساوي 20 ألف بندقي، في حين تقلّصت كميات النحاس التي تصل مع سفن المدة من 4 آلاف قنطار إلى 800 قنطار فقط (40).
وسرعان ما عمّت الفوضى والاضطرابات في جدّة والحجاز، وأظهر "أمير مكة العصيان وخرج عن الطاعة، والتف عليه طائفة من العرب، قد خرجوا على ركب الحج الشامي فنهبوه عن آخره، وقتلوا الرجال وأسروا النساء، ثم انقطعت أخبار الحج مدة طويلة" (41)، وهو ما يعني سد المنافذ الأساسية لتجارة المماليك.
وتتضح لنا أهمية تجارة الترانزيت لدى سلاطين المماليك، من المجهودات الضخمة التي بذلها الغوري لصد تدفق البرتغاليين، ومحاولات تدارك الأمر بالتشديد على منع بيع الأخشاب وتخصيص مجمله لتجهيز الأساطيل البحرية، بعد تلاشي أغلبها أمام الأسطول البرتغالي في البحر الهندي، إلى جانب إصدار عدة مراسيم تستهدف الحد من تسرّب العملات الذهبية والفضية بعد العجز المرير في تجهيز الجيوش وسدّ حاجة الفرق العسكرية، ومحاولة تحفيز التجار البنادقة والضغط عليهم لشراء كميات مضاعفة من التوابل، إضافة إلى مطالبتهم بحمل المزيد من شحنات الحديد والأخشاب، بعدما استولى القراصنة على أغلبها وهي في طريقها إلى بلاده.
إلا أنّ العجز ظل حليف المماليك بعدما كانت عوامل الانهيار قد اتحدت جميعها تنخر في جسد دولتهم. وبذلك لم يكن التوسّع البرتغالي السبب المباشر الوحيد في سقوط المماليك، لكنه كان عاملاً حاسماً في إضعاف مواردهم التجارية والبحرية والعسكرية، وجعل دولتهم أقل قدرة على مواجهة الخطر العثماني الذي أنهى سلطانهم السياسي بعد معركة مرج دابق سنة 1516 وسقوط القاهرة سنة 1517.
المصادر والمراجع
(1) ستيفن رانسمان: تاريخ الحملات الصليبية، ترجمة نور الدين خليل، الإسكندرية، 1994-1998، ج3، ص492.
(2) فاروق عثمان أباظة: أثر تحول التجارة العالمية إلى رأس الرجاء الصالح على مصر وعالم البحر المتوسط أثناء القرن الــ 16، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، د.ت، ص5-8.
(3) نعيم زكي: طرق التجارة الدولية ومحطاتها بين الشرق والغرب "أواخر العصور الوسطى"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص371-372.
(4) المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تحقيق محمد زينهم، القاهرة، 1997، ج2، ص165.
(5) عزيز سوريال: الحروب الصليبية وتأثيرها على العلاقات بين الشرق والغرب، ترجمة فيليب صابر، دار الثقافة، القاهرة، 1990، ص86.
(6) سعيد عاشور: المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك، دار النهضة العربية، القاهرة، 1992، ص212.
(7) ابن بطوطة: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تحقيق محمد عبد المنعم العريان، دار إحياء العلوم، بيروت، 1987، ج2، ص635.
(8) نعيم زكي: مصدر سابق، ص204-205.
(9) هايد: تاريخ تجارة الشرق الأدنى في العصور الوسطى، ترجمة أحمد محمد رضا، الهيئة المصرية العامة الكتاب، القاهرة، 1985، ج3، ص319، 331
(10) يقصد بالبحر المتيامن هنا البحر الأحمر، انظر، السيرافي: رحلته، تحقيق عبدالله الحبشي، المجمع الثقافي، أبو ظبي، 1999، ص89.
(11) هايد: مصدر سابق، ص322-324.
(12) أحمد الشامي: تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، القاهرة، 1985، ص192-207.
(13) ابن جبير: اعتبار الناسك، دار ومكتبة الهلال، بيروت، د.ت، ص234-235.
(14) سعيد عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام، النهضة العربية، القاهرة، 1976، ص307.
(15) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، المسمى: "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، تحقيق خليل شحاتة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1981،، ج1، ص316- 317.
(16) أحمد دراج: المماليك والإفرنج في القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1961، ص133.
(17) نعيم زكي، مصدر سابق، ص71، 84، 410.
(18) نعيم زكي، المصدر نفسه، ص70-820.
(19) المليباري: تحفة المجاهدين في أحوال البرتغاليين، تحقيق محمد سعيد الطريحي، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1985، ص247-254.
(20) نعيم زكي، مصدر سابق، ص76-77.
(21) هايد، مصدر سابق، ص367-368.
(22) أحمد دراج، مصدر سابق، ص136.
(23) نعيم زكي، مصدر سابق، ص74-76.
(24) هايد، مصدر سابق، ص369.
(25) ابن إياس: بدائع الزهور في وقائع الدهور، تحقيق محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984، ج4، ص91.
(26) ابن إياس، المصدر نفسه، ص205.
(27) هايد، مصدر سابق، ص368-370.
(28) نعيم زكي، مصدر سابق، ص81-86.
(29) أحمد دراج: المماليك والإفرنج، ص141-144؛ نعيم زكي: طرق التجارة، ص95.
(30) ابن إياس، مصدر سابق، ص 192.
(31) أحمد دراج، مصدر سابق، ص150.
(32) ابن إياس، مصدر سابق، ص255.
(33) يوسف علي الثقفي: موقف المماليك ودول الخليج العربي من النفوذ البرتغالي في القرن الــ 16 الميلادي، مجلة الوثيقة، البحرين، 1989، العدد 15، ص181- 186.
(34) ابن إياس، مصدر سابق، ص185.
(35) أحمد دراج، مصدر سابق، ص131، 134.
(36) شارل ديل: البندقية جمهورية ارستقراطية، تعريب أحمد عزت عبد الكريم، توفيق إسكندر، دار المعارف، مصر، 1948، ص146.
(37) نعيم زكي، طرق التجارة، ص83-84؛ وشارل ديل، البندقية، ص149.
(38) ابن إياس، مصدر سابق، ج4، ص307.
(39) أحمد دراج،مصدر سابق، ص 155-156.
(40) نعيم زكي: طرق التجارة، ص71-72، 411-412؛ وشارل ديل: البندقية، ص152.
(41) ابن إياس، مصدر سابق، ص36.
