لماذا يقاتل لبنان الاحتلال الإسرائيلي؟

لماذا يقاتل لبنان الاحتلال الإسرائيلي منذ نشوء الكيان؟ وما هي مخاطر "دولة اليهود" العنصرية على لبنان "الرسالة"؟

تروم هذه المادة التركيز على البعد اللبناني في الفعل المقاوم واندراجه الجيو - سياسي، في سياق العدوان الأميركي الإسرائيلي المتجدّد على إيران

لا يبدو العدوان الواسع الجاري اليوم والمستأنف على لبنان (2026) خارجاً عن السياق العام الخاص بالاشتباك الجيوسياسي لبلاد الأرز مع خطط "الدولة العبرية" وجيشها للنيل من سيادة لبنان، على امتداد زمني بدأ فعلياً منذ العام 1948. أي منذ التهجير الممنهج للشعب الفلسطيني، ولجوء عدد كبير منهم الى لبنان بصفة مؤقتة. 

وسبق ذلك معركة ترسيم الحدود اللبنانية مع "إسرائيل" ذات المنشأ البريطاني - الفرنسي، وقد اتخذت لها خطاً يمتد من بحيرة الحولة إلى الساحل. 

وبعد الدخول العسكري الفرنسي، بحسب اتفاقات عام 1916، كان من الضروري تحديد مجالات السيطرة بين الجانبين، وخصوصاً أنّ النزاع كان على أشدّه حول مستقبل المنطقة الواقعة إلى الجنوب من نهر الليطاني، واقترح البريطانيون لمنطقة انتدابهم حداً يمتد من صيدا في اتجاه الشرق، بحيث تضم الليطاني في الغرب، وخطاً يمتد ويطول إلى الموصل وكركوك في الشرق. 

كما اقترحوا مدّ خط أنابيب إلى المتوسط من حقول النفط العراقية عبر وادي اليرموك  والخط الذي اعتمد في شهر كانون الأول/ديسمبر 1920، أي خط الناقورة – جبل حرمون، هو نتيجة تسوية. فهو يمر مبتعداً بضعة كيلومترات إلى الشمال من ذلك الذي تقرّر بحسب صيغة سايكس – بيكو. 

ويدل رسم الحدود على تأثير عامل ثالث هو النفوذ الصهيوني الذي جعل في مقدّم اهتماماته الحصول على منفذ إلى مصادر نهر الأردن والحاصباني، ومن هنا منشأ أهمية منطقة المطلة.

ونتيجة اتفاقية حدودية في عام 1923 بين فرنسا وبريطانيا، خسر لبنان القرى السبع ذات الأغلبية الشيعية (إبل القمح، وهونين، والنبي يوشع، وقدس، والمالكية، وصلحا، وتربيخا)، التي قسّمت بين مناطق الانتداب الفرنسي والبريطاني. 

لا يبدو العدوان المتجدّد على لبنان خارجاً عن سياق صراع طويل مع "إسرائيل"، بدأ منذ عام 1948، وارتبط بمحاولات مستمرة للنيل من سيادة البلاد.

وفي عام 1948، تمّ إخلاء سكان هذه القرى وهُجرت، وتمّ ضمّها بالكامل إلى ما أصبح لاحقاً "إسرائيل".

وفي ما بعد أتى ما يسمّى الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة في 7 حزيران/يونيو 2000، في صلة بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، إلا أنّ "دولة" الاحتلال سجّلت تحفّظها عليه بأنّ الحدود يمثّلها الخط التقني، وهو الذي يترك عدة جيوب تدّعي "إسرائيل" ملكيتها شمال الشريط الحدودي، ويتراوح عمق كلّ جيب من 10 إلى 100 متر (راجع: د. أمين محمد حطيط، صراع على أرض لبنان: بين الحدود الدولية والخط الأزرق، وقائع وأسرار، 2004). 

ويحاول كيان الاحتلال الإسرائيلي أن يجعل من مسألة ترسيم الحدود بعد احتلاله الجديد للأراضي الجنوبية في العام 2025 في إثر عدوان أيلول/سبتمبر 2024 (لتضاف إلى احتلاله سابقاً للنقاط الحدودية الـ13 وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا وخراج بلدة الماري) ورقة تفاوضية لجرّ الدولة اللبنانية إلى التطبيع.

وكان سبق كلّ هذا وعي النخب اللبنانية ولا سيما مُنظّري الكيان اللبناني الى أخطار الاستيطان الصهيوني في فلسطين وقيام "دولة يهودية" (ولا سيما ميشال شيحا)، تناقض تماماً "النموذج اللبناني" الناهض على ركيزتين رئيسيتين، الأولى الدور الاقتصادي النشط (مصرف وخدمات) في المنطقة العربية المواكب لاقتصاداتها، والثانية، فكرة "العيش المشترك" بحسب الأدبيات الشائعة حسنة النية، وأفضل عبارة "العيش المشترك". 

فبإزاء "دولة اليهود" العنصرية، كان لبنان يرسم لنفسه "دور الرسالة" والذي أكدت عليه بيانات الفاتيكان مراراً منذ العام 1964، وصولاً الى زيارة البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1997، وزيارة البابا لاوون الرابع عشر في العام 2025. 

ومن الطبيعي أن يتصادم المشروعان. واحد يروّج لـ"العيش معاً" مع مشقّاته، وآخر للإقصاء والإلغاء، كان من نتائجه الكارثية إبادة غزة حجراً وبشراً وقتل الأطفال، وزيادة الاستيطان في الضفة الغربية، حتى لا تقوم قائمة لفكرة الدولة الفلسطينية حتى وفاقاً للشروط الإسرائيلية الظالمة للشعب الفلسطيني. 

وفي كلّ المراحل كان لبنان، وخصوصاً جنوبه، ضحية المشروع الصهيوني المعتمد على نظرية القوة الغاشمة سبيلاً لفرض نفسه في الإقليم. 

ومن ثمّ توالت الاعتداءات والمجازر بحقّ اللبنانيين الجنوبيين وكانت الذروة الاجتياح في العام 1982 وصولاً الى بيروت، فكان من الطبيعي أن تنطلق "جبهة المقاومة الوطنية" في العام نفسه، وتطلق شعار "الوطن باقٍ، والاحتلال إلى زوال". 

من هذه المآسي المتكررة، برزت المقاومة كخيار وطني وشعبي، تُوّج بتحرير الجنوب عام 2000، في مواجهة مشروع قائم على فرض القوة والهيمنة. 

ومن هذه المآسي المتكررة، كانت "المقاومة" خياراً وطنياً، شعبياً في الدرجة الأولى. وفي السياق أتى تأسيس حزب الله بمثابة مقاومة مسلحة لامتلاك قوة أفضت الى تحرير الجنوب في العام 2000. 

ولم تكن "تل أبيب" تحتاج ذرائع لتشنّ عدوان "عناقيد الغضب" في العام 2006، وتعتدي على لبنان في العام 2024، بذريعة "حرب الإسناد لغزة"، التي كانت خياراً صعباً لكنه في محكمة التاريخ كان قراراً أخلاقياً أخذه الشهيد، قائد المقاومة، السيد حسن نصر الله، لعله يخفّف بعضاً من عار أمة الملايين التي تقاعست عن نصرة أهلنا في غزة.

ما نريد قوله إنّ لبنان منخرط في صراع فرضه وجود دولة عدوة على حدوده، وبالتالي فخيار المقاومة شأن لبناني لا يحتاج إجماعاً (وتجارب التحرير في العالم خير دليل)، فثمّة أراضٍ لا تزال محتلة. 

وفي الحرب التي انتهت إلى وقف لإطلاق النار، ودخل حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2024، والتزمت المقاومة به، وصبرت على خرقه المتكرّر من طرف "إسرائيل"، من خلال عمليات الاغتيال والقتل والنسف واحتلال مناطق وإقامة نقاط في الجنوب، في غياب تام للدول الضامنة (الولايات المتحدة وفرنسا) ولدور فاعل للسلطات اللبنانية يسهم في وقف العدوان والمجازر على امتداد 15 شهراً.  

هكذا أتى العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير من العام 2026، من دون مبررات مقنعة وفي ظل التفاوض، ليمنح المقاومة فرصة لتشتبك مجدداً مع العدو ولتعيد رسم قواعد الردع السابقة.

يبقى لبنان منخرطاً في صراع فرضه وجود عدو على حدوده، حيث يتحول الدفاع عن السيادة إلى ضرورة، في ظل استمرار الاحتلال والاعتداءات اليومية. 

والحال، فالبعد اللبناني حاضر بقوة في هذا الصراع المفتوح مع "إسرائيل"، والذي يحاول أن يستنسخ تجربة الإبادة في غزة على مناطق واسعة من الأرض اللبنانية، تدميراً وقتلاً وتهجيراً. 

وبالتالي، فإنّ شعارات مثل "قوة لبنان في ضعفه" أو "الحياد" المطروحة من لبناني، والتي فنّدها قانونياً الباحث خليل حسين وبيّن تحدّياتها ومعوّقاتها النائب السابق عصام نعمان (حياد لبنان، التحدّيات والفرص، مركز تموز، إشراف د. أدونيس العكره، 2021)، أو "منح فرصة للدبلوماسية" لتأخذ مسارها، ليست إلا تسليماً بالشروط الإسرائيلية.

وما انخراط صواريخ المقاومة ومُسيّراتها في لحظة الاشتباك مع أطراف العدوان إلا دفاعاً عن سيادة منقوصة ومخترقة، فلا سيادة مع الاحتلال والعدوان اليومي.  

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك