لماذا نكتب الآن؟
في زمن الحرب والعدوان، تتحول كل كلمة إلى قرار. قرار بأننا لن نسمح للرصاص بأن يكتب النص الأخير. قرار بأن التفاصيل الصغيرة - تلك التي تحاول الحرب طمسها - هي في الحقيقة المتن الذي نكتب عليه روايتنا.
-
الشهيدة الزميلة فاطمة فتوني
لماذا نكتب الآن؟
نكتب لأن الصمت موت يسبق الموت. في لحظة تتداعى فيها البيوت على رؤوس ساكنيها، وتتحول الذاكرة إلى نازحة تبحث عن عنوان لا يطاله القصف، تبدو الكتابة فعلاً غير منطقي. كمن يرسم لوحة والنار تأكل الأخضر واليابس، أو كمن يعزف ناياً والسقف ينهار. لكن التاريخ الأدبي يخبرنا أن هذا "اللامنطق" هو بالضبط ما يميز الإنسان عن آلة التدمير: القدرة على خلق المعنى حيث يحاول العنف إلغاءه.
يقول ألبير كامو في "الطاعون": "هناك في الإنسان أشياء تستحق الإعجاب أكثر مما يستحق الازدراء". وفي زمن الطاعون- أي طاعون - تكون الكتابة هي ذلك الشيء الذي يستحق الإعجاب. ليست لأنها ستنقذ أحداً بشكل مباشر، بل لأنها تؤكد أن الإنسان لا يزال قادراً على إنتاج جمال وحقيقة وسط خراب لا يتوقف.
نكتب لأننا نرفض أن يكون المشهد الأخير من تأليف رصاص الاحتلال وقنابله.
عندما يُجبَر الناس على مغادرة بيوتهم حاملين ما تيسر من أغراض- ألبوم صور، كتاب، غطاء طفولة - فإنهم يحملون معهم ما هو أثقل من الممتلكات: يحملون روايتهم الخاصة عن المكان. الفن والأدب ليسا ترفاً حضارياً يُمارس في أوقات السلم، هما شكل من أشكال المقاومة التي تقول: "لم أمُت بعد، لم أُنسَ بعد، لم أتحول بعد إلى رقم في إحصائية".
في زمن الحرب والعدوان، تتحول القصيدة إلى وثيقة. تتحول الأغنية إلى هوية. تتحول اللوحة إلى شاهد على ما لا تلتقطه العدسات. هذا ما فعله محمود درويش حين كتب "ذاكرة للنسيان" مستعيداً تجربته تحت القصف الإسرائيلي أثناء حصار بيروت، قائلاً: "أكتب لأرى، لا لأثبت شيئاً. أكتب كي لا أتحول إلى حجر". في زمن التحول إلى حجر - أي إلى جماد لا يشعر ولا يتذكر - تبقى الكتابة هي النبض الذي يؤكد أن الإنسان لا يزال حياً.
نكتب لأن الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تحاول قتل القدرة على التخيل. عندما يقصف الاحتلال المدن ويُهجِّر العائلات، فإن المشروع الخفي هو تدمير قدرة الناس على تصور مستقبل مختلف. الفن والأدب هما العضوان اللذان يعيدان تخيل العالم بعد أن تحاول آلة الحرب جعله مستحيلاً.
يقول الكاتب التشيكي ميلان كونديرا: "إن مقاومة السلطة تتم عبر مقاومة كلماتها". وحين تصبح لغة الحرب هي اللغة الوحيدة المسموعة - لغة الأوامر والأرقام والبيانات - تأتي اللغة الأدبية لتفكك سلطة القتل والتدمير، ولتخلق فضاءً من التعقيد الإنساني لا تستوعبه البيانات الحربية.
نكتب الآن لأن الغائبين يحتاجون إلى من يذكر أسماءهم.
لأن كل شهيد ارتقى دفاعاً عن تراب وطنه ليس مجرد رقم، بل كان ذاتاً تحلم، وتغني، وتكتب، وترسم. الفن هو أطول الطرق لإعادة الاعتبار للتفاصيل التي تحاول آلة الحرب طمسها: شكل النافذة التي كان يطل منها، رائحة الأرض بعد المطر، أغنية الأم قبل النوم. التفاصيل هي ما تقاتل من أجله الأمهات قبل أن تقاتل من أجل الأرض، التفاصيل هي ما يمنع تحول الإنسان إلى رقم في نشرة إخبارية.
لدى بعض الفلاسفة الوجه هو أولى الدلالات الأخلاقية: وجه الآخر الذي يأمرني بألا أقتله. في زمن الحرب، تختفي الوجوه خلف التصنيفات: مهجّر، شهيد، ضحية. الكتابة هي محاولة لاستعادة الوجوه، لقول: هذا لم يكن مجرد "رقم" في خبر عاجل، بل كان إنساناً يحب القهوة صباحاً، ويخبئ سراً عن والدته، ويكتب خاطرة لحبيبته، ويحلم ببيت لا يُسقف بالقذائف!
نكتب لأن النسيان هو أحد أهداف الحرب والعدوان الإسرائيلي. لا تُقصف البيوت فقط لقتل ساكنيها، بل لمحو ذاكرة العمران الذي كان، وأن الحياة كانت طبيعية يوماً ما. عندما نكتب عن الحجر الذي كان نافذة، عن الشارع الذي كان ممراً للعب الأطفال، فإننا نقاوم المحو. يقول المفكر بول ريكور في "الذاكرة والتاريخ والنسيان": إن واجب الذاكرة هو واجب العدالة. إننا مدينون للذين سقطوا بألا نصمت، بألا ندع رواية المحتل هي الوحيدة التي تصل إلى الأجيال القادمة".
لعل أعمق ما في الكتابة في لحظات كهذه هو أنها تصبح فعلاً وجودياً خالصاً. أن تكتب من دون أن تدري إن كان أحد سيقرأ، أن ترسم من دون أن تدري إن كانت اللوحة ستصمد تحت القصف، أن تؤلف أغنية لمن قد لا يعود. إنها كتابة الرجاء المتشدد، الذي لا ينتظر نتيجة فورية، لكنه يصر على أن للحياة معنى خارج منطق الربح والخسارة العسكريين.
إن ما نقوم به الآن - كتابة قصيدة، رسم لوحة، عزف تشيللو فوق الركام - ليس هروباً من الواقع، بل هو مقاومة للواقع بمعنى عميق. هو إصرار على أن الحياة تستحق أن تُحكى، وأن التفاصيل - رائحة الياسمين، أغنية الأم، غطاء الطفولة - لا تقل أهمية عن الخرائط العسكرية. التفاصيل هي ما يجعل منا بشراً، وهي أول ما تستهدفها الحرب، لأنها تجعل من المستحيل تحويل الإنسان إلى عدو مجرد.
في زمن الحرب والعدوان، تتحول كل كلمة إلى قرار. قرار بأننا لن نسمح للرصاص بأن يكتب النص الأخير. قرار بأن التفاصيل الصغيرة - تلك التي تحاول الحرب طمسها - هي في الحقيقة المتن الذي نكتب عليه روايتنا. قرار بأننا، حتى تحت القصف، قادرون على خلق جمال لا يمكن لأي سلاح أن يمحوه، لأنه جمال ينبض في الذاكرة قبل أن ينبض في الحجر.
نكتب لأننا أحياء. ولأن الموتى، لو كان بإمكانهم أن يطلبوا شيئاً، لطلبوا ألا ننساهم، ولأن الذين سيأتون بعدنا يستحقون أن يعرفوا أن هناك من كتب في عز الحرب والعدوان ليس لأنه كان يملك الرفاهية، بل لأنه كان يعلم أن الصمت هو الهزيمة الحقيقية.
***
هناك، حيث تستريح الشمس على الجباه، ويطلع الصباح من مناديل الأمهات، ارتقى علي وفاطمة (وشقيقها محمد). لم تكن الكاميرا في يديهما أداة، بل نافذة على الحقيقة، وكتابة بالصوت والصورة. في لحظة الصفر، على تراب الجنوب الذي عشقاه، التقت الخبرة بالشجاعة الفطرية، والجذور الراسخة بالزهرة الفواحة. رحلا معاً، لكنهما تركا ما لا يفنى: كلمة تبقى صادحة، وصورة تبقى ناطقة.
سلاماً لكما في عليائكما.