كيف تخلق التكنولوجيا عالماً بلا آفاق وكيف يمكن التصدّي لذلك؟
من أجل فهم كتاب "الحلقة" وتلك الخيارات المتضائلة عبر الأجيال علينا أن نفهم ونتقبّل فكرة أننا نسيء تفسير المعلومات ونضع افتراضات غير دقيقة.
-
كتاب "الحلقة" كيف تخلق التكنولوجيا عالماً بلا خيارات
كتاب "الحلقة" كيف تخلق التكنولوجيا عالماً بلا آفاق وكيف يمكن التصدّي لذلك للباحث جاكوب وورد، حيت يكشف سردية مثيرة للاهمتام في عالم الذكاء الاصطناعي السريع التغيير، والطرق الخطرة التي يستغلّها هذا الذكاء، ومنها (العادات اللاواعية لعقولنا) والتهديد الحقيقي الذي يشكّله على البشرية، لأنه يعمل على تضخيم طبائعنا الأكثر بدائية ليثيرها فينا مجدّداً تحت ستار الترفيه والربح، هذا هو التحذير الذي كشف رحلته التي استمرت عشر سنوات في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم السلوك، وأنّ الوقوع في "الحلقة" (دورة متقلّصة من الخيارات المحدودة والمهارات) المفقودة التي ستبعدنا عن الخبرة والتواصل البشري والإبداع إذا لم نتصرّف بسرعة.
كتاب "الحلقة" كيف تخلق التكنولوجيا عالماً بلا خيارات للمؤلف جاكوب وورد ترجمة حسام عز الدين، صادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، العام 2026.
أنظمة المراقبة
يلاحظ المؤلف في كتابه "الحلقة"، أنّ أنظمة المراقبة البيومترية تتعقّب تحرّكات وعلاقات أكثر من مليار شخص، إلى الخوارزميات التي تحدّد الأفلام التي يتمّ إنتاجها، إلى سهولة الاختيار بين خيارات متعدّدة محفوفة بالمخاطر في أنظمة ساحة المعركة الآلية. يكشف الكتاب أنّ الأنماط الأكثر وضوحاً في سلوكنا والتي من المرجّح أن يمتصّها الذكاء الاصطناعي ليست تلك التي تريد لها أن تدوم مع بدء صناعة التكنولوجيا، فإنّ كتاب "الحلقة" هو دعوة للنظر إلى أنفسنا بشكل أكثر وضوحاً حتى نتمكّن من وضع أفضل ما فينا فقط في الأنظمة التي ننشئها، ويكشف المؤلّف أنّ هناك تحدّيات هائلة تتشكّل لم تكن قائمة عندما وضع هذا الكتاب، وهي دراسة أجرتها مجموعة أبحاث "إيبُك" (Epoch) أفادت أنه بحلول العام 2026، سيكون هناك برامج مثل "تشات جي بي تي" قد استنفدت تقريباً جميع البيانات الجديدة المفيدة، التي يمكنه التدرّب عليها وسيكون قد قرأ جميع الكتابات العالية الجودة على الإنترنت والتي من المرجّح أن تُضاف إليها أية بيانات جديدة كافية لتغيير القواعد التي سبق أن تعلّمتها. ويتحدّث الباحثون في الشركات الكبرى عن إنشاء "بيانات اصطناعية" أي نوع من تمثيلات بشرية حقيقية يمكنها من خلال المحاكاة تدريب الذكاء الاصطناعي بطرق جديدة، وقد يكون كتاب "الحلقة" (الجزء الأول)، لا يسمح للشركات بتجاوز قوانين الخصوصية الناشئة والتي تحظر جميع البيانات الشخصية من دون موافقة فحسب، بل إنه يُنشئ أيضاً مغلّفاً لأنماط التدريب التي قد تُسرّع من تسطيح السلوك البشري بشكل لم نشهده من قبل.
ويضيف المؤلف أنّ كتاب "الحلقة" The Loop في الواقع هو ثلاث حلقات في حلقة صغيرة متداخلة مع حلقة ثانية والحلقة الثانية متداخلة مع حلقة ثالثة، (والحلقة الخارجية) هي التي سُمّي هذا الكتاب باسمها. إنّ ما يقلق المؤلف جاكوب وورد، هو ما سوف يأتي في المستقبل الذي ستكون فيه ميولنا القديمة والحديثة قد دُرست وأُخذت منها عيّنات وأُدخلت في أنظمة التعرّف إلى الأنماط الآلية وبيّعت منّا مجدّداً في وجبات سيتضاعف ارتهاننا لاستهلاكها من من دون التبصّر قليلاً .
عالم مثير للإعجاب
يوضح المؤلّف أنه إذا كنت قد بدأت هذا الكتاب بتناول عالمٍ مثير جداً للإعجاب وإن كان مشكوكاً فيه أخلاقياً فذلك لأنني أرى أنّ العلاقة الغريبة تشكّل لحظة تكوينية، هي خطوة أولى غير مؤكّدة نحو ما قد يصبح اليوم ونتيجة لآلاف التجارب إدراكاً واسع النطاق تكون الحقيقة هي أبسط قصّة لأدمغتنا بتجميعها من فيض جارف من المعلومات الحسية الخام، ومنذ خمسينيات القرن الماضي عندما بدأ العلماء إعادة النظر في أفكار غريبة كان الباحثون يحاولون أن يحدّدوا كم نحن نختبر الواقع (الحقيقة)، وقد اكتشفوا أنّ الظواهر اللانهائية عبر حواسنا يجري تفكيكها وترتيبها وإعادة كتابتها، إذ إنّ دماغنا يستطيع أن يستوعب كلّ مشهد بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. ليست التكنولوجيا هي التي أقنعت المؤلف في هذا الكتاب فالفتح العلمي هو الذي كشف عن عاداتنا التلقائية وميولنا اللاواعية، وستشكّل التكنولوجيا من خلالها حياتنا والتهديد أكثر حدّة كلما زادت معرفتنا بالنفور الذي يعترينا من رؤية هذه الميول في أنفسنا والقوى التجارية والثقافية التي تعمل لإقناعنا بأننا نتخذ خيارات مستقلة فيما العكس هو الصحيح، لذا فإنّ الفصول القليلة الآتية من هذا الكتاب سوف تعرض سلسلة من الميول اللاواعية التي تعمل بفاعلية خارج وعينا، ومن أجل فهم كتاب "الحلقة" وتلك الخيارات المتضائلة عبر الأجيال علينا أن نفهم ونتقبّل فكرة أننا نسيء تفسير المعلومات ونضع افتراضات غير دقيقة.
صنع القرار البشري
وكشف المؤلف أنّ عمله على النظام "الأول" والنظام "الثاني" مستمدّ من فرضيتين رئيسيتين حول صنع القرار البشري؛ "الأولى هي أنّ معظم السلوكيات بديهية ماهرة وغير معقّدة وناجحة"، وفي النهاية كان من شأن القرارات التلقائية أن كانت على قيد الحياة طوال هذا الوقت، لكنّ الفرضية الثانية "هي المكان الذي تقع فيه المشكلات". ومن المرجّح أن يرتكز السلوك على الانطباعات والأهداف البديهية حتى عندما لا تسيطر هذه الانطباعات والأهداف عليها تماماً، (أنا وأنت) نتأثّر دائماً بشكل أو بآخر بهذه الأنظمة اللاواعية حتى عندما نمارس بعض العقلانية، وإحدى نقاط التفاؤل للردّ على تكنولوجيا تشكيل السلوك هي أنه إذا كانت شركات مثل هذه تستعمل البيانات لتستغلّنا فإنّها كثيراً مما تحتاج إلى معرفة ميولنا وكيف تظهر داخل خوارزميات الشركة وتكتيكاتها.
يشخص المؤلف جاكوب وورد، أنّ عنوان "الحلقة" وهو الذي فرض اسم الكتاب والمتعلّق بالتقارب بين تقنيّة التعرّف إلى الأنماط وبين السلوك البشري اللاواعي، والذي لا يزال مفكّكاً إلى أجزاء متباينة ولم يتخذ شكلاً مكتملاً بعد ولكن تجمّع الأجزاء المكوّنة له في جميع أنحاء العالم وهو موجود في جميع أنواع الصناعات ويلتصق بكلّ جزء من حياتك، فالخوارزمية التي يمكنها انتقاء أنماط من ذوقك يمكنها أيضاً أن تختار بمصداقيّة معقولة أنماطاً أخرى قبل أن تخضع التأثيرات السلوكية لإجراءات قانونية أو قيود تنظيمية، والناس يعتقدون أنّ الذكاء الاصطناعي سيحرّرنا وأننا سنسير عبر العالم غير مثقلين بالعمل الضاغط أو مشاعر عدم اليقين، لكنّ المؤلف يشعر بالقلق إذ حالما نعلق في دائرة من البيانات السلوكية (المنمذجة) ومن التوصيات سنعلق في دوّامة انهيار بسبب الخيارات المتناقضة بدلاً من ذلك الحرية الموعودة دوّامة لن نعرف ونحن في قاعها ما نحبّ أو كيف نتخذ الخيارات أو كيف نتحدّث بعضنا مع بعض.
حلول نظرية ممكنة
قدّم كتاب "الحلقة" بعض الحلول النظرية لجميع المشكلات غير المرئية تأسست على مدار سنوات وصُمّمت بشكل مثالي لتلائم استدلالاتنا وتحيّزاتنا البشرية المحدّدة، وأكثر ما تلائم الحوافز التجارية للرأسمالية أنها صورة قائمة لكنني أريد أن أنهي الكتاب ببعض الحلول الممكنة، هنا سنلقي نظرة على بعض المشاريع التي تلجم التكنولوجيا وديناميّات الأعمال التي تجعل "الحلقة" ممكنة ويمكننا أن نتصوّر أنها ستكون بداية "حلقة" قد نستفيد منها بالفعل لكن مع بعض العمل كنظرة فاحصة على كيفيّة قيام الدماغ بما يفعله والأمور التي لا يفعلها بشكل جيد، إضافة إلى فحص مماثل للذكاء الاصطناعي يمكننا بناء بعض القواعد في هذا الشأن وكسر النمط الدائري الموجّه من أجل الربح فقط. يبدو الأمر مستحيلاً لكن هناك بصيص أمل بدأ فعلاً يتراءى في هذا المشهد، ويجعلنا نعتقد أنّ الذكاء الاصطناعي يستحقّ الاعتماد عليه بسبب الوقت والجهد اللذين يوفّرهما، وسوف تُطرح قضية استخدامه بشكلٍ مستمر استناداً إلى الأرقام والبيانات التي تفوز بالحجّة لوصف العملية التداولية داخل الشركات، لأنه يجب علينا كمجتمع إعطاء الأولوية لأمورٍ معيّنة بعيداً عن النفعيّة وأنه لا يمكننا ائتمان الذكاء الاصطناعي كي يستوعب قيمنا بأيّة طريقة موثوقة.