كيف أسقط "محمد ديب" الاحتلال في رواية "الحريق"
عمل الكاتب محمد ديب طوال الرواية على توجيهنا نحو جوهر الاستيقاظ من هيمنة الاستعمار فمن فيصوّر لنا الكثير من المواقف التي تمّ فيها نفي الفلاحين من كينونتهم وتحويلهم إلى أشباح "حتى حينما مزقت آلة الحصد جسد أحد الفلاحين.
-
انهيار هيمنة الخرس في رواية "الحريق"
يتحدث هيغل عن استلاب الوعي الذي يتحقق في لحظة انغماسه في الطبيعة، إذ بذلك يفقد الوعي حريته، فهل عالج محمد ديب وعي الفلاحين الذين فقدوا حريتهم وهم منغمسون في الطبيعة، طبيعة القسوة في روايته "الحريق"، أم أولئك الذين استرجعوا وعيهم للحرية حينما رفعوا رؤوسهم باتجاه القساة أنفسهم؟
يعاني الإنسان بالقدر الذي يفقد فيه - جراء الخوف والترهيب - كامل ثقته "بالقدرة"، تلك الرغبة التي يتمّ السطو عليها بالأدوات الناعمة أو بالأدوات الخشنة، ويعاني أيضاً معاناة مضاعفة وقت يريد استرداد تلك الذات القادرة على التخلص من هيمنة الخرس التي أنتجتها أدوات الاستعمار العنيفة لإعادة صياغة مفهوم الفرد والأرض والحرية. هكذا يتشكل الإنسان تحت إرادة القوة بأن يصبح المعنى المعاكس لقوة الإرادة وما بين هاتين الفلسفتين، تطفو إلى سطح الأدب رواية "الحريق" لمحمد ديب التي تدور أحداثها هذه المرة في ريف تلمسان، قرية بوبلان، متبنّية فكرة استرداد الإطار الاجتماعي للإنسان الفاقد لحرية قصّ روايته، أي استرداد الذات كنوع من استرداد الأرض في مقاربة فكرية رائعة ننتهي معها إلى معرفة أن لا "مادي" يسترد إذا لم يسترد "المعنوي"، الخلاص في الرواية يبدأ في اللحظة التي يكتشف فيها أبطالها أنهم يستطيعون التفكير بصوت عال. إنها خريطة الوجود لصناعة الحرية وتكريس مقدرة الضعفاء المغلوبين عسكرياً على تفجير حروبهم الخاصة القادرة على إذلال قوة العدو "فبمساعدة الشوكة المغروسة في أقدامنا قفزنا عالياً، أعلى من كل شخص بقدم سليمة، كما يقول سورين كوركيغارد. لهذا، اعتبرت رواية "الحريق " واحدة من الروايات المهمة التي تنبأت بانفجار ثورة التحرير الجزائرية، بل رواية أظهرت واقعية بناء فكرة المقاومة الفكرية والتخلص من النهب العنيف للذات قبل البلاد، فإذا أفرغ المستعمِر المستعمَر من ذاته تنتهي فكرة المقاومة من جذورها، لا يهم بعدها إن أفرغت البيوت والأراضي من أصحابها، إذاً الخطورة تكمن في توليد المفاهيم بالقوة داخل ذوات تخسر لتوّها جوهرها.
فهل تنبأ محمد ديب بالحرب حقاً أم أن الجميع كان يعلمُ أنّ حرباً لا بد منها صارت على الأبواب؟
"المسؤول عن الإضراب هو البؤس الذي نحن فيه" يقول فلاحو بني بوبلان الذين سيكونون أبطال هذا الفصل، بعد أن تقودنا أفكار الكاتب وخطى عمر إلى تلك القرية البعيدة عن المدينة، حيث تشكلت في الأرياف مزارع المحتلين الخصبة بالسطو على أراضي السكان ومن ثمّ السطو على مقدرتهم على أن يكونوا فلاحين بالمعنى العاطفي الذي لطالما ربطهم بأرضهم،"الثروة الحقيقية تتجمع بأيدي المستوطنين "لقد قطع الفلاح هنالك وأسرته مقدرتهم على أن يكونوا كاملي الانتماء، وتم تغريبهم عن معانيهم بإنزال المعاناة عليهم فخطفت منهم ألسنتهم من جراء العنف واستظهار القسوة إلى أن تحوّلوا إلى تابعين خاضعين لأوامر صاحب القوة. ويظهر لنا محمد ديب في روايته "عنف الطرد من المعنى" الذي تشكّله الأيديولوجيا الاستعمارية وكيف يتم إفراغ الناس من الأهمية إلى أن يصدقوا "عدم أهليتهم"، ويصدقوا أنهم لا يستطيعون إدارة شؤونهم ومن ثمّ إدارة شؤون أرضهم.
إقرأ أيضاً: هندسة الجوع في رواية "الدار الكبيرة" لمحمد ديب
هذا العنف الذي يحطّ من العدل ويجرّد أصحاب الحق من حقهم يساعد على صناعة البؤس الاجتماعي والفلسفي والأخلاقي، أن يطرد فلاح من أرضه هو نوع من الطرد من ذاته، الهيمنة الاستعمارية لم تكن فقط على الممتلكات بل طالت العباد، الأمر الذي أنتج أشخاصاً يؤمنون بالسردية الاستعمارية ويتبنّون فكرتها، حتى باتوا أشخاصاً محتلين لم يعودوا ينتمون إلى "الحرية" ولا "الحق" بل تحوّلوا إلى أدوات استعمار ناعمة تبثّ في الأرواح بؤس انتمائهم إلى واقعية "الغريب". لقد شهدنا على هذا الأمر في أحداث غزة وكيف تبنى الكثيرون الرواية الاستعمارية، فأن تكون غريباً بالمعنى المزيف أشدّ قسوة من أن تكون غريباً بالمعنى الحقيقي، أنت الذي طالما عاد أجدادك بأقدامهم المتربة بأرضهم، والتي توغلت حبيباتها داخل شقوقها إلى أن تزاوجت بجلدهم فأصبحوا يحملونها مثلما تحملهم، "وأصبح شعب هذه الأرض، المطرود، غريباً في أرضه "ص 5، يصدرون اليوم في حقك حكماً بالنفيّ داخلها لا خارجها، عملية التجريد من الممتلكات والتجريد من الاحترام، والتجريد من الذات والتجريد من الحرية خلقت وعياً صامتاً بداية من جراء المراقبة والمقارنة، تلاه الإضراب كضرورة حتمية أنتجتها مؤسسات الهيمنة بنفسها لتكون حركة ضدها "كل ذلك كان بسبب الإضراب الذي قام به العمال الزراعيون في شهر شباط الماضي، وكان المزارعون في بني بوبلان الأعلى يشاهدون الأحداث في السهل كأنها تتصل بهم ولا تعنيهم، إنهم هادئون وصامتون يقولون شيئاً، ألوف الهكتارات من الأرض كانت تصير ملكاً لمستوطن واحد من الفرنسيين، هؤلاء المستوطنون جميعاً سواء: لقد وصلوا إلى هذه البلاد بأحذية مثقبة نعالها، إن الناس هناك لا يزالون يذكرون الحالة التّي كانوا عليها حين توافدوا إلى هذه البلاد، وهاهم الآن يملكون مساحات من الأرض لا تعد ولا تحصى".
إقرأ أيضاً: كيف أسقطت رائعة "الانطباع الأخير" الاستعمار الفرنسي للجزائر؟
لقد بدأ الفلاح يستعيد خريطته الذاتية من الدّاخل فور تخلصه من هيمنة الخرس، إنه يستطيع إبصار ما حلّ بأرضه وبلاده ما حلّ به. عمل الكاتب محمد ديب طوال الرواية على توجيهنا نحو جوهر الاستيقاظ من هيمنة الاستعمار فمن ناحية يصوّر لنا الكثير من المواقف التي تمّ فيها نفي الفلاحين من كينونتهم وتحويلهم إلى أشباح "حتى حينما مزقت آلة الحصد جسد أحد الفلاحين لم يهتم ميسيو أوغسك ومسيو ماركوس لأمره، بل أجبر الفلاحين على العودة إلى العمل كأن شيئاً لم يحدث "هاتوا غطاء من البيت، وألقوه عليه، إلى أن يصل رجال الدرك، ولن يتأخروا عن الوصول، أما هؤلاء فيجب أن يعودوا جميعاً إلى أعمالهم، استبقِ واحداً أو اثنين منهم للإجراءات ولا تدعهم يتكلمون كثيراً سأتولى شرح الأمر لرجال الدرك بنفسي، فيفهمون أن الحادث يرجع إلى طيش الفلاح" ص 179. ومن ناحية أخرى، يلفت انتباهنا إلى المقاومة المعرفية التي تبدأ بالإشارة إلى الأسباب الحقيقة بدل الطواف حولها "لماذا لا تتحدثون عن المستوطنين؟ فأنتم لا تنطقون ولو بكلمة واحدة بخصوص الناس الموجودين هنا لتعاستنا... مصدر الشر كله منهم"9ص
فهل تتحقق الحرية بالتخلص من الاستلاب وهيمنة الخرس فحسب؟
يرى محمد ديب الشيء ذاته الذي يراه فرانس فانون، فكلاهما يضعان عنفاً أكبر كحلّ للعنف، إذ لا يمكنك التخلص من العنف إلا بعنف أشد منه، لا يمكنك أن تستعيد بيتك المغلق من الداخل بينما أنت في الخارج إلا بفتح بابه، بابه الذي تمّ السطو على أقفاله، وعليك الآن أن تستخدم العنف بدل المفتاح، عليك أن تكون أشد عنفاً من عنف مقدرة الباب على التحمّل، أن تكسرها يعني أنك أقوى صلابة من صلابتها، وهكذا يتشكل وعي المطرودين، بأن يقفوا خلف أبوابهم طويلاً إلى أن يؤمنوا بعضلاتهم التي تغطيها المخاوف ويحتلها المهيمنون، ففلاحو بني بوبلان استعادوا أنفسهم من فخاخ الاستعمار في الوقت الذي شعروا بمقدرتهم على الحديث بعدما كانوا يسدّون أفواههم بأياديهم حتى لا تخرج الأصوات الغاضبة، لقد اكتشفوا من جراء البؤس الشديد أنّ لهم ألسنة ليست خرساء، يمكنها أن تتجاوز سياج الجمل المفخخة حولها وتعبر تلك المحتشدات اللغوية، لم تعد ألسنتهم يحدّها الخرس ولا أقدامهم لها عادة التراجع نحو الخلف، إنّ البروليتاريا تسري في عروقهم وهذه خطوة الحرية الأولى التي تثير رعب أيّ استعمار، الأفكار أخطر من البندقية، ومحاصرة التفكير أهمّ من محاصرة القرى والمداشر " خذ واحداً منهم أو اثنين، لشكليات التحقيق، لا تتركهم يتكلمون كثيراً"ص6،" فأمر "الكلام" هذا كان يكلفهم حدّ السجن يقول الهادي مهدئاً الفلاحين "هذان الرجلان منا انتهيا إلى السجن لماذا؟ لأنهما وضعا في ذهنيهما آراء وأفكاراً" ص 140، لقد اغتنت الرواية بالحوارات الواعية خصوصاً بعد مجيء حميد سراج الذي وضع لتلك الأفكار قالباً نظامياً وطريقاً تقود إلى إعلان فكرة التحرر عبر التفكير قبل العمل المسلح، فالعمل المسلح للأفكار كان أوّل ما وجب شنّه لتخليص الفلاحين من الأفكار المسلحة الاستعمارية، وفكّ العزلة عن ألسنتهم وخوفهم للخروج جهراً رافضين كل أشكال التعايش مع من جاؤوا ليحتلوا وجودهم معلنين عن انهيار هيمنة الخرس للأبد.