"صبغة الله": حين يكتب الغيب سيرة حياة الشهداء
يمكن تصنيف هذا النوع الأدبي بالواقعية الروحانية التي تعزز فكرة أن الشهادة هي اصطفاء ناتج عن مسيرة جهادية أخلاقية طويلة، وتوفيق رباني في عالم السير والسلوك إلى الله المحفوف بالمخاطر والحجب الظلمانية والنورانية على حد سواء.
-
كتاب" صبغة الله" : حين يكتب الغيب سيرة حياة الشهداء
يروي كتاب "صبغة الله" الصادر عن "دار المعارف" في بيروت قصة الشهيد "عبد المهدي مغفوري" برواية زوجته "زهراء سلطان زادة". الكتاب الذي ألفته "زهراء علمدار" مستندة الى حوار وتحقيق فهيمة طاهري، ونقلته إلى العربية "ايمان كوراني، وأحمد عودة"، ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية، وإنما محاولة لتوثيق "الأثر" الروحي والإنساني الذي يتركه الشهيد في محيطه الضيق (الأسرة) قبل محيطه العام جيله والأجيال الآتية، فهو يعتبر نموذجاً فريداً من "أدب المقاومة والشهادة".
تلعب الكاتبة في هذا النوع الكتابي دور الشاهد الشريك ولا تكتفي بدور المؤرخ المحايد، من خلال تقديم تفاصيل حميمية لا يراها الجمهور، كتعامله الرؤوف مع والديه والحاني مع زوجته وأطفاله، بلغة وجدانية مشبعة بالعاطفة الصادقة، وهو ما منح النص التوثيقي زخم شعوري، وعاطفة مشبوبة تشعر القارئ بالدفء والأنس والأمان والسعادة الأسرية المتأتية من البيئة المتدينة، التي تنشد الإتصال بالله من خلال التطهر وتزكية النفس والجلسات القرآنية والمراثي الحسينية، تحتل هذه الثقافة حيزا شاسعا من فصول الكتاب، وتتوقف مليًا على عبادات الشهيد وكراماته، ولحظات تعلقه بالله تعبّده، خشوعه وتهجده في ليالي الشتاء الطويلة، في محاولة من الكاتبة للربط بين السلوك الأخلاقي الأرضي، والتسديد السماوي من خلال الكرامات واكبته في حياته، وتلت شهادته وأمطرت على بيته في غيابه وتلمس بركة وجوده المعنوي كمصادفة حضور الشهيد قاسم سليماني زفاف ابنته وعقد قرانها ببركة حضور الشهيد المرشد السيد علي الخامنئي وعلى يده، الأمر الذي يمكننا من تصنيف هذا النوع الأدبي "بالواقعية الروحانية" مقابل "الواقعية السحرية" بمعناها الأدبي الغربي التي تفترض تداخل الفانتازيا بالواقع بلا تفسير منطقي، في حين تذهب الفلسفة الإسلامية الى وجود عالم المثل عند السهروردي وابن عربي، هذا العالم الذي يرتكز على وجود عالم وسيط بين عالم المادة المحسوس وعالم العقل المجرد، يسمى عالم المثل حيث تأخذ المعاني والأرواح صوراً وأشكالاً على شكل أجسام لطيفة ورؤى صادقة هي سفر الروح إلى هذا العالم واطلاعها على صور من اللوح المحفوظ، لتشكل اختراقًا لواقع أعمق وأصدق من هذا الواقع المادي.
ولا يخفى الدور الذي توخته الكاتبة في سرديتها لسيرة لسيرة الشهيد مغفوري كمنهج تربوي تطبيقي عملي من خلال إبراز مزاياه الأخلاقية كالصبر والثبات والتواضع والإيثار، فالكتاب لا يتحدث عن نظريات بل عن مواقف ملموسة مستمدة من حياة الشهيد والبيئة التي نشأ وترعرع فيها والصعوبات التي واجهها والظروف السياسية والإجتماعية والثقافية التي شكلت وعيه.
كما يبرز الكتاب دور المرأة في نضالات زوجها فمن خلال ذكريات الزوجة مع زوجها الشهيد ، ندرك حجم التضحية التي تقدمها عوائل الشهداء، فالبطولة هنا ليست للشهيد وحده، بل للزوجة التي صبغت حياتها بصبره وثباته والأطفال الذين أكملها مشوارهم الحياتية من دونه.
وعلى الرغم من الأبعاد الأخلاقية السامية في شخصية الشهيد مغفوري التي تبدت في سيرته ومواقفه وعلاقاته وأقواله: "لقد كان النبي آدم خليفة الله، لأنه حصل على جميع الأسماء، لذلك يجب على خليفة الله أن يتصف بكمالات الحق تعالى وصفاته، ويعلم أن غضب خليفة الله ورضاه، وذهابه وإيابه، وقعوده وقيامه، كل ذلك يجب أن يكون في رضا الله وحده فقط"
على الرغم من المستوى العرفاني العالي الذي ينطوي هذا الكلام الصادر عن الشهيد مغفوري،فإن الكاتبة لم تقع في فخ الهالة التقديسية التي يقع هذا النوع الكتابي، فلم تغفل عن الجوانب البشرية العادية أو الأخطاء الصغيرة التي تظهر قلقه الإنساني، ما يكسر الصورة "النمطية" الجامدة للشهيد ويحوله إلى كائن حي من لحم ودم، مما جعل القارئ أكثر قرباً من الشخصية ومما جعل العمل أقرب الى الواقعية منه إلى المثالية. "قلت له عدة مرات: لا تنس أن تشتري مكنسة في طريق عودته إلى البيت، غير أنه كان دائم النسيان. بقيت لأكثر من شهر أكنس الأرض بقطع القماش القديمة، لكنه إما أن يعود إلى البيت متأخرًا ، فتكون الدكاكين مقفلة وإما أن ينسى".
يبقى أن كتاب "صبغة الله " هو وثيقة حب ووفاء تحمل رسائل أخلاقية، تربوية قبل أن يكون كتاب سيرة ذاتية . تكمن قوته في قدرة الكاتبة على نقل مشاعر الزوجة عل الورق وتأثير "الصبغة" الروحية التي تركها الشهيد في روحها ، وهو يضيف للمكتبة العربية صوتاً نسائياً مهماً في المجال المشترك بين أدب المقاومة وأدب السير الذاتية.
إنها سيرة ذاتية مفعمة بأحداث ووقائع منذ ما قبل انتصار الثورة الاسلامية في إيران، وأثناء الحرب المفروضة وهي تؤكد أن خلف كل شهيد قصص وحكايات لم تُحك بعد، حكايات تبدأ من لحظة الولادة ولا تنتهي في لحظة الإستشهاد، وكل هذه القصص والحكايات تعزز فكرة أن الشهادة هي اصطفاء ناتج عن مسيرة جهادية أخلاقية طويلة، وتوفيق رباني في عالم السير والسلوك إلى الله المحفوف بالمخاطر والحجب الظلمانية والنورانية على حد سواء.