قراءة في كتاب "مشوار نزار": الرجل الذي جعل المسرحَ خبزاً (*)

يلتقي الكتاب مع المسرح: كلاهما فنّ إعادة إحياء. المسرح يعيد إحياء النص على الخشبة. والكتاب يعيد إحياء الأب على الصفحة. الستارة في المسرح ترفع من جديد في الليلة التالية. والأب في الكتاب يبعث من جديد عند كل قارئ.

المسرح في بيروت ليس ترفاً ثقافياً، ولا نشاطاً موسمياً يضاف إلى قائمة الفعاليات. المسرح في بيروت جزء من هويتها، ومن دورها الإبداعي في المنطقة، ومن حيويتها التي لا تهدأ. مدينة تحاصرها الحروب فتجيب بمسرحية، وتنهار فيها الأبنية فترفع الستارة من جديد على خشبة أخرى، وتغلق الأزمات أبوابها فتفتح أبواب الصالات.

هذا ليس صموداً رومانسياً. هذا خيار حضاري: أن تكون بيروت مدينة تقاوم الموت بالمسرح، والخراب بالإبداع، والانكسار بالضحك.

في هذه المدينة، ما زالت الفرق الشابة تجرّب وتخطئ وتعيد الكرّة، وما زالت مهرجانات تقام وتقاوم، وما زال الجمهور يعود شيئاً فشيئاً، باحثاً عن معنى، عن ضحكة، عن سؤال، عن خشبة. الحركة المسرحية اللبنانية حيّة، نابضة، تحمل إرث مدينة لم تعرف يوماً كيف تموت.

ومع ذلك، نفتح اليوم كتاباً عن رجل رحل عام 1984. نقيم له ندوة. نكتب عنه كلمة أدبية. هذا الاهتمام لا يأتي من فراغ، ولا من حنين إلى زمن مضى. يأتي من سؤال حيّ: ما الذي فعله نزار ميقاتي بالضبط، ولماذا ما زلنا نتحدّث عنه بعد 40 عاماً؟

كتاب عمر ميقاتي يحمل في جوفه محاولة ابن لإنقاذ أبيه من الأرشيف. وهذه المحاولة تحديداً هي ما يمنح النصّ ثقله. الكتاب يضيف إلى معرفتنا تفاصيل جديدة، لكنه يفعل شيئاً أهم. يطرح سؤالاً ظلّ معلّقاً: كيف نكتب تاريخ المسرح في لبنان؟ ومن يصعد إلى الذاكرة ومن يسقط منها؟

**

أعظم ما فعله نزار ميقاتي يتجاوز "المسرح الوطني اليومي" بحد ذاته، والــ 11 مسرحية، وفرقة الأنوار، والمسرح الشعبي اللبناني. أعظم ما فعله أنه نقل المسرح من خانة المناسبة إلى خانة العادة.

المسرح في لبنان قبل عام 1965 كان حدثاً. يأتي الناس إليه في مهرجان، في مناسبة، في أمسية. نزار أراد شيئاً آخر: مسرحاً يفتح كلّ ليلة، كالمطعم، كالمقهى، كالصلاة. أراد أن يجعل المسرح جزءاً من إيقاع الحياة اليومية.

هذا اختيار ثقافي جذري. المسرح اليومي يخاطب الناس في همومهم اليومية، بلغتهم، بضحكاتهم، بأوجاعهم. حين اختار نزار أن يلبنن موليير وبانيول، كان يفعل شيئاً أعمق من الترجمة اللغوية: كان يقول إنّ هذه الحكايات التي ولدت في فرنسا، صارت قابلةً لأن تصير لبنانية، جزءاً من ذاكرة الناس هنا.

وهنا تكمن المفارقة: نزار ميقاتي، الرجل الذي تعلّم المسرح في روما، والذي درس الفرنسية وعمل في مدارس الـ "Frères"، والذي كان مثقفاً بالمعنى الكلاسيكي، وضع كلّ هذا في خدمة مسرح يوميّ شعبي. ثقافته تحوّلت في يده إلى مهارة. كان ينزل إلى الخشبة، ويشتغل مع الممثلين، ويرتّب الإضاءة، ويصنع الستارة بيديه.

**
علاقة نزار ميقاتي بحسن علاء الدين (شوشو) بدأت بوعد في الإذاعة: "يا حسن... منلتقي بيوم من الإيّام".

ما فعله نزار ميقاتي مع شوشو هو بلورة ممثل موهبته الفطرية الاستثنائية. شوشو كان ضاحكاً على الشاشة الصغيرة، ثم انقطع. نزار أعطاه خشبة، وأعطاه نصاً، وأعطاه هوية.

معادلة نزار المسرحية تقوم على: مؤسّس مثقف + ممثل شعبي = مسرح وطني. هذه المعادلة تعمل إذا أحبّ كل منهما الآخر. شوشو أعطى نزار الفطرة والسليقة والجسد المطواع والصوت والحضور. نزار أعطى شوشو البنية والرؤية والاستمرارية. ومن دون أحدهما، لما كان هناك مسرح وطني يومي في لبنان.

هذه الشراكة، التي استمرّت حتى رحيل شوشو، هي النموذج الذي ما زال يلهم. المسرح اللبناني بعدهما تنقّل بين الموسم والمهرجان، بين النخبة والشعب، باحثاً عن صيغة تجمع بين الاستمرارية والجماهيرية. سؤال نزار ظل مفتوحاً: كيف يصبح المسرح عادة يومية؟

**
المشهد الذي يرويه عمر عن دار الأوبرا في مصر ، حين وقف جمال عبد الناصر لنزار ميقاتي ، مشهد دال على مكانة المسرح في تلك الحقبة. كان المسرح قوة، وكان من يصنع المسرح يحظى باحترام السلطة، اعترافاً بمكانته الثقافية. حينها كانت السلطة تسعى خلف المثقف لا العكس.

هذا المشهد يحمل في طياته سؤالاً حاضراً. المسرح الذي احترمه عبد الناصر كان مسرحاً يصنع رأياً عاماً، ويشكّل وجداناً جماعياً، ويستقطب الجمهور بالآلاف كل ليلة. السؤال اليوم: هل يستطيع المسرح العربي أن يستعيد هذه المكانة؟ أم أن الزمن تغيّر، والوسائل تغيّرت، والمكانة تغيّرت معها؟

**
كتاب "مشوار نزار" كتب من الداخل. مؤرخ درس المسرح اللبناني كان يمكن أن يكتبه. صحافي جمع الوثائق كان يمكن أن يكتبه. لكنّ ابناً عاش داخل الحكاية، ثم اختار أن يبتعد قليلاً ليراها، هو الذي كتبه.

10 أعوام من البحث مدة طويلة. في هذه السنوات، كان عمر يعمل ممثلاً وإذاعياً، ويدرّب أجيالاً على اللغة العربية، ويحمل اسم أبيه في كل مكان يذهب إليه. وكان يفتح الدفتر في الليل، ويفتح الصندوق الخشبي القديم، ويستدعي أباه.

هذا الاستدعاء مقاومة. مقاومة النسيان، ومقاومة التاريخ الذي يُكتب على عجل، ومقاومة الثقافة التي تقرّر من يستحق أن يُتذكّر ومن لا. الكتابة عن نزار ميقاتي اليوم فعل ثقافي: تذكير بأنّ المسرح اللبناني ولد من جهد أب وأمّ ومؤسّس.

السؤال الذي يطرحه الكتاب ويتركه معلّقاً: لماذا يحتاج نزار ميقاتي إلى ابن ليكتب عنه، لكي نعرف قيمته؟ أين كانت المؤسسات؟ أين كان الأرشيف الوطني للمسرح؟ أين كانت الجامعة؟ سيرة رجل بهذا الحجم تركت لتكتب من داخل العائلة.

**
المشهد المحوري في الكتاب هو مشهد القبر. عمر يقف عند قبر أبيه، في يوم دفن أمه. ينظر إلى الداخل. القبر فارغ. أو هكذا يبدو. ثم يد تربّت على كتفه، وصوت يقول: "أتبحث عنّي؟ أنا موجود. أنا بقربك".

هذا المشهد مفتاح الكتاب كلّه. الكتابة عن الأب مواجهة القبر الفارغ. الأب مات. الجسد رحل. ما بقي هو الذاكرة، والصور الباهتة، والذكريات التي رواها آخرون. والكتاب محاولة ملء هذا الفراغ.

القبر يبقى فارغاً (أو هكذا يتراءى لنا). الكتاب يعيد الأب إلى الحياة عبر طريق آخر: الحضور داخل النص. الأب يصبح كائناً نصياً. يعيش في السطور، في الحكايات، في التفاصيل. هذا هو الشكل الوحيد للخلود الذي يمكن أن يمنحه الابن لأبيه.

وهنا يلتقي الكتاب مع المسرح: كلاهما فنّ إعادة إحياء. المسرح يعيد إحياء النص على الخشبة. والكتاب يعيد إحياء الأب على الصفحة. الستارة في المسرح ترفع من جديد في الليلة التالية. والأب في الكتاب يبعث من جديد عند كل قارئ.

**

الكتاب ينتهي بجملة: "فلنكمل المشوار". من يكمل المشوار؟ عمر أكمله بكتابة الكتاب. السؤال يبقى: هل تكفي الكتابة؟

المشوار الذي بدأه نزار ميقاتي مشوار فكرة: أن يكون في لبنان مسرح يومي، وطني، شعبي، يخاطب الناس بلغتهم، ويصنع ممثلين من لا شيء، ويبني جسراً بين الثقافة والحياة. هذه الفكرة تحتاج من يحملها. والحركة المسرحية الشابة في بيروت اليوم تحمل بعضاً من هذا السؤال، وإن بصيغ جديدة، وبوسائل جديدة، وبجمهور جديد.

الكتاب دعوة ضمنية: أن نكمل ما بدأه نزار. بالعمل، لا بالحنين. بصناعة الحاضر، لا بالكلام عن الماضي. نزار ميقاتي أحبّ المسرح لأنه ضروري. كالخبز. كالماء. كالهواء.

وهذه الضرورة ما زالت قائمة، في مدينة ما زالت تقاوم الموت بخشبة، وتقاوم الخراب بضحكة، وتقاوم النسيان بكتاب.

--

(*) "مشوار نزار" كتاب الممثل والمخرج عمر ميقاتي عن سيرة والده الرائد المسرحي نزار ميقاتي.

اخترنا لك