في مختبر منيف والكوني والنعيمي: توطين "الصحراء" روائياً

من عبد الرحمن منيف وإيراهيم الكوني إلى خليل النعيمي: كيف تحوّلت الصحراء في الرواية العربية من خلفية مكانية إلى مختبر سردي للتيه والعزلة والتحوّلات الكبرى؟

لم تعد رواية الصحراء ضيفاً طارئاً على المدوّنة السردية العربية، فبعد تجارب لافتة في تأصيل "الرواية الرملية"، بات بإمكاننا التوغل في مناخاتها عن كثب: كثبان تكتنزها الألغاز، تمحو آثار بشر هائمين على وجوههم في رحلة سيزيفية، استبدلت صخرة سيزيف برمل صحراء مفتوحة على الأوهام والقسوة والعزلة. 

كان عبد الرحمن منيف من أوائل من رسّخوا الفضاء الصحراوي في روايته "النهايات" التي توغّلت في مجاهل الصحراء، قبل أن يوسّع إبراهيم الكوني هذا الأفق بكشّاف سردي آخر، عملاً وراء آخر، ومن ضفة ثالثة أتى خليل النعيمي محمّلاً بعجاج الصحراء والترحال خلف السراب. 

عواصف رملية

  • عبد الرحمن منيف
    عبد الرحمن منيف

في رواية "النهايات"، نتعرّف إلى بنية النظام البدوي والصراع مع الرمل وطرائد الصيد بمشهديات إيقاعية آسرة، وفتنة سردية، تعوّض خسائر المكان إزاء الجفاف وغضب الطبيعة، والموت، حين تثور عواصف الرمل، فتبتلع قنّاص القبيلة (الصياد عساف) وتدفنه مع كلبه تحت الرمال.

هكذا يطيح عبد الرحمن منيف فكرة الرواية المدينية، مكتفياً بفضاء مفتوح على الصمت والريبة والخوف، هو البدوي المرتحل قسراً من بلدٍ إلى آخر والذي عرف عن كثب إغواءات الرمل وأعراف الصحراء، مؤرّخاً يستبصر ما سيأتي من أهوال، بالاتكاء على خطاب لغوي مهجّن، هو مزيج من فصحى ولهجة بدوية بقصد تأصيل سرديات محليّة للمكان، تستأنس بالموروث الحكائي حيناً، وانفجارات اللحظة طوراً.

إذ لا يتردّد في استدعاء حكايات من التراث السردي القديم في سمر ليالي صحراء "النهايات"، فيما يغذّي طبقات الحوار بما يلائم البيئة البدوية. عالم مأتمي ومراثٍ مفتوحة على خرائط حائرة ستتشكل خطوطها على مهل في خماسية "مدن الملح" مغامرته السردية الكبرى، وملحمة الصحراء المقبلة على الخراب، وتأريخ لعنة النفط، وانعكاسه على أخلاقيات المدن الطارئة التي لا تتكئ على تاريخ حضري متراكم.

 ربما أسرف الراوي في تدوين التحوّلات والتغيّرات التي طرأت على هذا المكان، إذ سيبقى القارئ أسير الأجزاء الأولى لجهة الدهشة وفكاهة البداوة الغارقة في الحفاظ على أعرافها في مواجهة كولونيالية الشركات الأجنبية، والصراع القبلي على الحكم.

على الارجح، فقد تماهى المؤرخ وخبير النفط مع الروائي بوصفه صاحب مشروع متكامل، إذ ارتأى تذويب أنماط السرد بالوقائع التاريخية، في هجاء علني لهذه المدن البديلة للحواضر العربية الراسخة: "قصدت بمدن الملح، المدن التي نشأت في برهة من الزمن بشكل غير طبيعي واستثنائي. بمعنى ليست نتيجة تراكم تاريخي طويل أدى إلى قيامها ونموها واتساعها، إنما هي عبارة عن نوع من الانفجارات نتيجة الثروة الطارئة. هذه الثروة (النفط) أدت إلى قيام مدن متضخمة أصبحت مثل بالونات يمكن أن تنفجر، أن تنتهي، بمجرد أن يلمسها شيء حادّ".

يطيح عبد الرحمن منيف فكرة الرواية المدينية، مكتفياً بفضاء مفتوح على الصمت والريبة والخوف، هو البدوي المرتحل قسراً من بلدٍ إلى آخر والذي عرف عن كثب إغواءات الرمل وأعراف الصحراء، مؤرّخاً يستبصر ما سيأتي من أهوال، بالاتكاء على خطاب لغوي مهجّن، هو مزيج من فصحى ولهجة بدوية بقصد تأصيل سرديات محليّة للمكان.

لن ننسى شخصية "متعب الهذال" البدوي الذي رفض سلوكيات الغزاة الجدد، فاختفى في الصحراء احتجاجاً على هذه القيم الوافدة التي زعزعت طمأنينة المكان. كان على متعب الهذال أن يتوارى إذاً، كي لا يلوّث روحه بما لا يشبهها، لكنه سيظهر كطيف أو كشبح يراقب ما حدث ويحدث في "وادي العيون" من ارتكابات معادية، في نسخة تراجيدية/ شكسبيرية موازية من طيف والد هاملت.

تبع متعب الهذال حدسه أولاً، ريبته البدوية، خشيته من الغرباء، إذ رأى باكراً أن النفط لعنة ومصيبة وفخّ، ما جعله يدعو ولده إلى زراعة نخلة وعرقٍ أخضر كي لا يباغت الجفاف أرض النفط، لكن "حرّان" المدينة التي أسّستها الشركة الأميركية ستزحف على ما حولها وتطيح بما قبلها.

الآن، بنظرة استرجاعية، سنكتشف، أن تأريخ "مدن الملح" كان صائباً وضرورياً لهذه الجدارية السردية المبهرة، فالصراعات التي وردت في المتن الروائي كحالات تخييلية، صارت وقائع ملموسة، خرجت من ردهات القصور المغلقة على أسوارها إلى العلن.

لم تعد رواية الصحراء ضيفاً طارئاً على المدوّنة السردية العربية، فبعد تجارب لافتة في تأصيل "الرواية الرملية"، بات بإمكاننا التوغل في مناخاتها عن كثب: كثبان تكتنزها الألغاز، تمحو آثار بشر هائمين على وجوههم في رحلة سيزيفية، استبدلت صخرة سيزيف برمل صحراء مفتوحة على الأوهام والقسوة والعزلة.

تكمن هنا إذاً، أهمية الجغرافيا المتخيّلة واستيعاب أرواح شخصياتها ومصائرها، من دون رهانات إيديولوجية جاهزة تهيمن على سلوكياتها. فههنا يعمل الروائي وحسب، بعيداً من سيرة المؤلف وتحوّلاته الإيديولوجية بين أحزاب اليسار، إذ ينظّف حقوله السردية من رهاناته الفكرية لمصلحة العمارة الروائية في المقام الأول، من دون أن يتخلى عن تحريض شخوصه على مواقف وتطلعات مختلفة، في ما يسميه فيصل درّاج "علم جمال المضطهدين".

هذا المسح الطوبوغرافي لتضاريس شبه الجزيرة العربية تقابله وتشتبك معه قراءة سوسيولوجية للمجتمع القبلي المتحوّل الذي فقد أصالته البدوية من جهة، ولم يؤثث مدنية وحداثة من جهة ثانية، فالملح لا ينخر المدن وحدها، وإنما يتسرّب إلى أرواح بشرها.

"عوليس": بدوي في متاهة الصحراء

  • إبراهيم الكوني
    إبراهيم الكوني

في مرآة أخرى، ينبغي أن نقتفي أثر إبراهيم الكوني وهو يتوارى في صحراء شاسعة، نصّاً وراء آخر. "عوليس" بدوي يكتب ترحاله برمل الأسطورة. "مهاجر ليل يعبر الظلمات" بذخيرة وجودية بلا ضفاف. روائي نسف بمهارة الأفكار الراسخة لمدنيّة الرواية، نحو أنطولوجيا الصحراء، من "التبر"، و"نزيف الحجر"، و"واو الصغرى" إلى عشرات الروايات الأخرى، في سرد موشوري لأحوال الضوء والعتمة والأسرار، وخطوط الرمل، هائماً في متاهة الصحراء الكبرى وميثيولوجيا قبائل الطوارق والأقدار التي تتحكم بمصائر البشر هناك.

أطلس متفرّد في تشريح البيئة وكائناتها وألغازها بوصفها فردوساً مفقوداً ومقدّساً. هكذا تتناوب الحميمية والقسوة في تفسير هذا الكون اللانهائي المفتوح على الحكمة والتأمل والنبرة الصوفية.

لم يغادر إبراهيم الكوني بيئته الأولى، لكنه في كتابه "تجديف في حقّ الجذور" يقف عند تخوم الصحراء في محاولة لمراقبة تجربته من داخلها وفحص خصائص مغامرته السردية. أن تكتب عن الصحراء، وأنت تقيم في جبال الألب السويسرية!

"عوليس" بدوي يكتب ترحاله برمل الأسطورة. "مهاجر ليل يعبر الظلمات" بذخيرة وجودية بلا ضفاف.

كأن المخزون البصري للمكان الأول لا يغادر صاحبه مهما ابتعدت المسافة. هنا يصقل العبارة بشذرات مكثّفة وتأملات فلسفية وشهادات أدبية، وحوارات معه، تعمل جميعاً على إعادة تعريف الزمن المنهوب، وأسباب هبوب الرائحة الأولى: "هوسنا بكل ما هو قديم دليل على أن الزمن أيضاً يهرم: فما يستهوينا في آثار العمران، أو موسيقى الأزمنة البالية، أو أساطير الأولين هو بصمة القدامة عندما كان الزمان، بالمقارنة مع زماننا، ما زال بِكراً، يسري في وجدان الكينونة سرّاً غامضاً، موسوساً بروح وحي طفولي، ليبثّ في وجودنا العصي هذه الشحنة الشجنية المحمومة، شهادةً على حضور مبدأ غيبيّ نسميه فردوساً، قدره أن يبقى في واقعنا غنيمةً حدسية مغتربة، نروّضها في أحلامنا، ولكن هيهات أن نفلح في استعادتها كذخيرة عفوية وفتية، مشفوعة بفتنة المحال، إلا في حضرة الموت" يقول. من جهةٍ أخرى، يوضّح بأن "كل الأفكار الكبرى نتجت عن التأمل، والتأمل لا يحدث إلا بعزلة".  

خشونة المكان وسطوة الحنين

  • خليل النعيمي
    خليل النعيمي

وفي مرآةٍ ثالثة، سنتساءل: هل غادر خليل النعيمي البادية السورية حقاً؟ هجرته المبكّرة إلى باريس لم تحجب عنه مرابع طفولته الأولى التي ما انفك يعود إليها مدجّجاً بذاكرة متيقّظة تحتشد بمعجم فريد من المفردات البدوية التي يصهرها بمهارة في مختبر الفصحى، وإذا بها تقتحم نصّه الروائي لتتخذ مكانها اللائق في تحويل الشفوي المحلّي إلى خطاب سردي حميمي، يطيح شبكة العلاقات اللغوية المألوفة ببلاغة مضادة تتواءم مع خشونة المكان الأول وسطوة الحنين في استعادة ما هو مفتقد وجحيمي ومنهوب في آنٍ.

أسطرة ما هو سيروي وهامشي، ليست همّاً أساسياً لدى صاحب "القطيعة" بقدر عنايته بإعادة ترميم أمكنة لطالما بقيت مجهولة روائياً، رغم سحرها التخييلي وقدرتها الخارقة على استقطاب مشهديات مدهشة، وتالياً، هتك محرماتها وأسرارها على الملأ.

هذه الطمأنينة في نبش المخبوء البدوي بوصفه نصّاً مهملاً، واحدة من رهانات خليل النعيمي الاستثنائية الذي بقي مواظباً على تدوينها بدأب، وإن أتت على تخوم السيرة الذاتية، أو ما يشبه الرثاء البدوي لديار انطفأت مواقدها أو كادت، بفعل زوابع العجاج وعسف السلطات المتعاقبة.

في روايته "قصّاص الأثر" يعزّز خليل النعيمي معجمه الصحراوي بدفقة إضافية، ولكن نحو الداخل، أو فحص عزلة الفرد في خلاء النفس والطبيعة، ومحاكمة الذات بضراوة، مسترجعاً سيرة شخص قرر الرحيل فجأة، بعد أن هجرته امرأته في الفراش بقولها: "ابعد عني".

هذه العبارة السحرية، رغم قسوتها، ستفتح أمامه عتبة جديدة لحياته، حين تضعه حيال أسئلة فلسفية عميقة، لم يدركها قبلاً، ففي عمق الصحراء، سيحاكم حياته بجلاء، وستهبّ الأسئلة المؤجلة دفعة واحدة مثل زوبعة رمال، قبل أن تتكشّف عن وضوح الرؤية، لما آلت إليه حياته، بمشاركة ثعلب ظهر له في طريقه إلى النهر.

تناوب الضوء والعتمة في الصحراء يضيء دربه المتعرّج بإجابات حاسمة لطالما كانت مبهمة، مقرراً عبور النهر إلى الضفة الأخرى، على خلفية رحلات خاطفة، كان قد رافق خلالها والده، في طفولته البعيدة. رحلة من مكابدات النفس، و"كشف الظنون" في الخلاء، على أمل التطهّر من "أثقال الحياة اللامرئية"، والأرق والخوف، وبعزيمة صلبة على المشي كي لا يموت.

هل غادر خليل النعيمي البادية السورية حقاً؟ هجرته المبكّرة إلى باريس لم تحجب عنه مرابع طفولته الأولى التي ما انفك يعود إليها مدجّجاً بذاكرة متيقّظة تحتشد بمعجم فريد من المفردات البدوية التي يصهرها بمهارة في مختبر الفصحى.

إنه مثل متصوّفٍ زاهد يتدرّب على الدوران والشطح بموازاة حداء ذاتي متوتّر تتناهبه الريح الصحراوية، ووهم النجاة من الهلاك، وحيرته في الاشتباك مع التراب والنار والماء "من أجل إزالة سوء التفاهم مع نفسه، ومع تاريخه".

بين تيه البدوي وحكمة الفيلسوف يشرّح صاحب "الخُلعاء" عزلة الكائن ومحاولته التخفّف مما أثقل جسده وروحه، مراكماً أسئلة وجودية في المقام الأول، لاستجلاء الصراع بين برزخي الشهوانية والإنشاد الصوفي، وممجّداً الذات في تحرّرها مما علق بها من "نفايات الخضوع"، وتدريبها بقسوة على "الحركة والصوت" بدلاً من "السكون والصمت"، وتالياً، التدرّب على كراهية الماضي المثقل بركامٍ خانق، والوقوف على عتبة "مغامرة الكلمات".

عند هذا المنعطف من محاكمة الذات، تحتدم طبقة أخرى، أكثر عمقاً، في المواجهة بإزالة القشرة الصلبة لتاريخه الشخصي الذي كان هباءً، وما عليه إلا أن يمضغه ويلغيه، ليستبدله بمصيرٍ آخر، فها هو فجر الليلة التالية في الصحراء الشاسعة يبزغ، وما عليه إلا أن يكمل طريقه من دون أن يودّع أحداً، مستأنساً بظلّه، يجوس الوهاد المقفرة نحو النقيض، مبتهجاً بالفضاء السرمدي المحيط به.

يتخفّف أخيراً من ثقل آثامه القديمة بسطوة الكلام، رغم الاسترجاعات الخاطفة لبعض تفاصيلها الآفلة، والمشبعة بالأسى والفقدان وخشونة العيش. يقول بما يشبه الحكمة البدوية: "المآسي هي التي تلوّث الجسد والروح، وليس غبار الصحراء النقي".

اخترنا لك