في قلب العاصفة: بيروت تطوي معرضها... ويظلّ كتابها في يمينها
10 أيام كانت كافية لتذكيرنا بأن المدينة التي كانت تُسمّى عاصمة القراءة والكلمة تستحق هذا اللقب عن جدارة. الكتاب هنا فعل مقاومة بالمعنى الحضاري العميق: مقاومة النسيان، ومقاومة الموت، ومقاومة التغييب.
-
أُغلقت أبواب المعرض، لكن بيروت تصرّ على أن يبقى كتابها في يمينها، حتى في قلب العاصفة.
أُغلقت أبواب الدورة الــ 67 من "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، بعد 10 أيام من الحركة والصخب في قاعة "سي سايد أرينا" على الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية.
وقفت في الرواق الأخير، أراقب الزحام: أجيال من الرواد والزوار، طلاب من مختلف المدارس يجولون بين الأجنحة، وأطفال يجرّون آباءهم إلى حيث القصص، وقرّاء يقفون قبالة الرفوف كأنهم يقفون أمام شرفات على العالم. كل ذلك قبل أن يخفت الضجيج، وتعود القاعات إلى سكونها.
لماذا يهمّ هذا المعرض؟
قد تبدو الصورة وردية، لكن في بلد أثقلته الأزمات، وضعضعه احتلال إسرائيلي يستهدف جنوبه ووجوده، وجرّحه انقسام سياسي حاد، يصير معرض الكتاب فسحة في قلب العاصفة، ومتنفساً يجمع اللبنانيين على شيء واحد لم تفرّقهم عليه السياسة: "الحبر والورق"! 10 أيام من الحياة الطبيعية في زمنٍ صار فيه الطبيعي ترفاً.
هذه هي العدسة التي ينبغي أن يُقرأ بها ما تبقّى: نجاح المعرض موقف. أن تقام دورة كاملة في بلد يحاصره الخوف والفقر والعدوان، وأن يخرج الناس من بيوتهم ليشتروا كتباً لا خبزاً، هو انتصار صغير لكنه حقيقي. وعلى هذا الأساس تقاس بقية الأمور: ما خدم هذا المعنى استحق الثناء، وما أضعفه استحق النقد.
ولهذا كانت استعادة وحدته هذا العام أمراً جوهرياً. فالمعرض الذي أطلقه "النادي الثقافي العربي" عام 1956 في قاعة "وست هول" بالجامعة الأميركية، فكان أول معارض الكتاب العربية وأعرقها، عرف خلال 7 عقود توقفاً واحداً بسبب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وتأجيلاً لدورة 2024 بسبب الحرب الإسرائيلية أيضاً. لكنه انقسم في السنوات الأخيرة على خلفية خلاف بين النادي و"اتحاد الناشرين اللبنانيين"، حتى نجح وزير الثقافة، غسان سلامة، في الجمع بينهما وتوحيد المعرض في دورة واحدة. عاد المعرض إلى وحدته، وعادت معها صفته الأولى: عميد معارض الكتب العربية.
فسحة ضرورية
بالمعيار نفسه ينبغي أن يُقاس الترتيب المكاني. تميّز هذا العام برحابة قاعاته، ولا سيما الفسحة التي توسطت المعرض فصارت رئة يلجأ إليها الزائرون هرباً من زحام الرفوف. جاءت الفسحة في وسطه علامة على ترتيب أراد للمعرض أن يكون مساحة للتنقل والتأمل، لا أن يبقى سوقاً للكتاب فقط.
لكن إرباك الزائر في طريقه إلى الفسحة ينتقص منها. أربكت الخريطة الإرشادية الحركة: أرقام تتنافر مع أجنحتها، وأسماء تتباعد عن مواقعها. وضاقت الكافتيريا بالزوار، فصارت مساحة انتظار طويلة ووقوفاً على الأقدام أكثر من كونها مكاناً للاسترخاء. ملاحظات صغيرة أمام المشهد الكبير، لكنها تلامس جوهر ما أراد المعرض أن يكونه.
حين يُغلق جناح... يُحمى حقّ
ومن هنا ينتقل الحديث إلى أبرز ما شهدته هذه الدورة، وأكثره دلالة على أن المعرض بدأ يأخذ معناه على محمل الجدّ: إغلاق جناح دار نشر بسبب عرض مطبوعات غير محفوظة الحقوق، في تكرار لإجراء مماثل شهدته دورة سابقة مع جناح دار أخرى، بحسب ما توثّقه المصادر المتاحة. تكرار الإجراء في دورتين مختلفتين يحمل دلالة تتجاوز الحادثة الواحدة: المعرض صار يطبّق معياراً صارماً في حقوق النشر، ولو كلّفه ذلك إغلاق جناح.
وهذه خطوة تستحق التعميم. فمعظم المعارض العربية ما زالت تتساهل مع دور تنشر بلا حقوق، تُقحم في السوق كتباً مسروقة تضعف الناشر الشريف وتخيّب الكاتب وتخدع القارئ الذي لا يعرف أنه يشتري سرقة. ولو تحوّل الإجراء البيروتي إلى قاعدة، لفتح الباب أمام تشدّد مماثل في منح حق المشاركة لأي دار لا تلتزم بحقوق النشر. الكتابة ليست سلعة تُقرصَن، والمعرض الذي يُغلق جناحاً مخالفاً إنما يحمي المهنة كلها.
وهذا الخيط نفسه يصل بنا إلى الآفة الأعمق. فإلى جانب السرقة الصريحة، ثمة استسهال في الكتابة والنشر: كتّاب ينشرون على عجل، وناشرون يفتحون أبوابهم لكل من دفع مقابلاً مادياً، بمعزل عن جودة المطبوع ومستواه. تخرج إلى الوجود كتب لم يعبأ أصحابها بمراجعتها ولا بتحكيمها، فتُثقل رفوف المعرض وتُشوّش ذائقة القارئ، وتُسوّي في المنظر بين من يستحق النشر ومن لا يستحقه. والكثرة هنا دليل حركة، لا دليل بَركة. فالمعيار واحد في الحالتين: جودة الكلمة وحقّ صاحبها. ومن يُفرّط بأحدهما يُفرّط بالآخر.
الكتاب الورقي يصمد
بين هذا وذاك، كان المشهد الأجمل صمود الكتاب الورقي. في زمن يستنزف فيه الكتاب الإلكتروني بعض أوراقه، وتسرق وسائل التواصل أوقاتنا جميعاً، بقي القرّاء يحملون كتبهم، يقلّبون صفحاتها، ويقفون في حفلات التوقيع ليحصلوا على توقيع كاتب ربما لن يلتقوه ثانية. الاحتفاء بالكتاب الورقي موقف في وجه السرعة والسطحية، واختيار واعٍ في زمن يدفع إلى غير ذلك.
عندما أُوصدت الأبواب بعد 10 أيام، وطُوي ركن من تلك الفسحة التي كانت وسطاً، يبقى السؤال: هل كان المعرض استثناء في زمن استثنائي، أم تأكيداً على أن بيروت ما تزال عاصمة للكتاب؟
الجواب برأيي هو الثاني. أيام كانت كافية لتذكيرنا بأن المدينة التي كانت تُسمّى عاصمة القراءة والكلمة تستحق هذا اللقب عن جدارة. الكتاب هنا فعل مقاومة بالمعنى الحضاري العميق: مقاومة النسيان، ومقاومة الموت، ومقاومة التغييب.
ولهذا كان نجاح المعرض مهماً، ولهذا كان إغلاق جناح مخالفٍ أهمّ: لأن معرضاً يحمي كتابه يحمي معناه.
بقيت شوائب: خريطة مربكة، وكافتيريا ضيقة، وكثرة تستدعي مراجعة، وناشرون يفتحون أبوابهم لمن يدفع. وهي في معظمها مواضع إصلاح مأمولة في الدورة المقبلة. وفي الميزان العام، كانت أياماً مبهجة لكل محبي الكتابة والقراءة، وعلامة على أن بيروت ما تزال عاصمة للكتاب.
ولا أخفي أن فرحي بنجاح معرض بيروت يضاعفه أمر شخصي: نفاد نسخ كتابي الشعري الجديد "تقول: سأبقى"، ونجاح حفلات توقيع زملاء آخرين في زمن يصارع فيه الشعر والنثر ويقاومان اجتياح الذكاء الاصطناعي لكل المجالات وأدوات التعبير الإبداعي.
أُغلقت أبواب المعرض، لكن بيروت تصرّ على أن يبقى كتابها في يمينها، حتى في قلب العاصفة.