في فلسفة النقد: مسار التساؤل عن العقل؟
إن فهم الواقع الاجتماعي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على النقد. والنقد مرتبط بمساحة الحرية التي يمتلكها الفرد، فالعلاقة طردية: كلما اتسعت مساحة الحرية، اتسعت مساحة النقد في الفلسفة.
-
صورة فوتوغرافية التُقطت عام 1964 يظهر في مقدمتها هوركهايمر (يسار) وأدورنو (يمين)
في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالشائعة، يصبح الوعي النقدي ضرورة حضارية؛ لأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على التمييز بين الشكّ المشروع والوهم المنظّم تصبح فريسة سهلة لأشكال جديدة من الاستبداد، تقوم على تزييف الوعي الجمعي. والوعي النقدي ظاهرة من الظواهر التي تزامنت مع ما بعد الحداثة في الأدب والنقد، وهو يستعين بجميع المناهج ليتمكّن من كشف الأنساق الثقافية المضمرة الموجودة في الخطابات الثقافية وتعريتها.
والناقد يدرك أن العفن لا يصيب الجدران وحدها، بل قد يتسلّل إلى العقول حين تُغلق نوافذها. وهو حالة من الجمود والتعصّب والانغلاق، يفقد فيها الإنسان قدرته على النقد والتجديد واستدعاء حصيلته المعرفية السابقة، ويستبدل الحوار بالإقصاء، والتفكير بالتقليد الأعمى، أو يضطر إلى تعليق أفكاره على شمّاعة الآخرين، فيجترّ ما يقدّمونه بطريقة التدوير المقيت. وعلى الرغم من أنه مرض غير مرئي، فإنه أشد فتكاً من كثير من الأزمات؛ لأنه يصيب الوعي قبل أن يصيب الواقع.
إن تبنّي النقد الثقافي ظهر نتيجة لتوسّع الثقافة في النصف الثاني من القرن الــ 20؛ فالثقافة تمكّن المرء من الإبداع والابتكار والخلق. لذلك، يكشف النقد الثقافي العيوب النسقية الموجودة في الثقافة، وهو لا يفرّق بين فنّ النخبة المختارة والفن الجماهيري، ولا بين الآداب الرفيعة والآداب الشعبية.
ويُعَدّ النقد الثقافي من أهم الظواهر الأدبية التي رافقت ما بعد الحداثة في مجال الأدب والنقد. وقد جاء بمثابة ردّ فعل على البنيوية اللسانية، والسيميائيات، والنظرية الجمالية، التي تعتني بالأدب باعتباره ظاهرة لسانية شكلية من جهة، أو ظاهرة فنية وجمالية وبويطيقية، أي شعرية، من جهة أخرى.
وقد تأثر المنهج الثقافي بمنهجية جاك دريدا (1930 - 2004) التفكيكية القائمة على التقويض، والتشتيت، والتشريح، لا من أجل إبراز التضاد والمتناقض وتبيان المختلف فحسب، بل من أجل استخراج الأنساق الثقافية عبر النصوص والخطابات، سواء أكانت تلك الأنساق الثقافية مهيمنة أم مهمّشة.
ويُعَدّ المفكر أنطون سعاده (1904 - 1949) أول باحث مشرقي تبنّى النقد الثقافي والفكري والفلسفي في كتابه "الصراع الفكري في الأدب السوري". كان سعاده جريئاً في تحطيم ما يعتري الثقافة والفكر في العالم العربي من أنساق مضمرة، وفي هتك أسرارها بما لم يلتفت إليه أحد من قبل. وهو أول باحث مشرقي تُسجَّل له الريادة، فمشروعه الفكري والفلسفي مشروع حيوي مهّد الطريق أمام الأدباء المشرقيين لتعرية الأنساق الهدّامة الموجودة في الثقافة، واستكشف الأنساق الثقافية المضمرة وغير الواعية لدى بعض الأدباء في لبنان وسوريا ومصر.
كانت النظرية النقدية عند سعاده تنظر إلى النقد الأدبي على أن من بين وظائفه الرئيسة التصدي لمختلف الأشكال اللامعقولة التي حاولت المصالح السائدة أن تلبسها لبوس العقل، وأن تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها هي التي تجسّد العقل. في حين أن هذه الأشكال من العقلانية المزيفة ليست سوى أدوات لاستخدام العقل في تدعيم النظم الاجتماعية القائمة، وهو ما سمّاه عالم الاجتماع الألماني ماكس هوركهايمر "العقل الأداتي".
وكان السؤال النقدي قد أخذ حيويته الثقافية، سواء على مستوى صياغة الوعي النقدي ليبدو وعياً فلسفياً، أو على مستوى صياغة الوعي الفلسفي ليكون قوة الكشف والعنصر الأبرز في تشغيل مساحة الدرس الفلسفي. وبهذا، فإن تعزيز المشغل النقدي بالفاعلية الفلسفية بات قريناً بجدوى منح النقد طاقته المعرفية، وفاعليته في التعبير عن حيوية "الذات المفكرة" كما عند ديكارت، وعن معرفية العقل وحدوده كما عند كانط، وعن جدلية هيغل ونظرته المتعالية للأفكار وضرورة علاقتها بالفلسفة، سواء على مستوى صياغتها أو على مستوى نقد أنظمتها.
ولكن قطيعة الفلسفة عند نيتشه بدت أكثر حيوية في تحوّلها إلى قطيعة نقدية، وإلى لحظة مفارقة أعطت للنقد زخماً كبيراً وخيارات متعددة، من منطلق أن النقد يحتاج إلى الفلسفة لدعم فاعليته في الرؤية والتحليل.
ومقاربة أسئلة الفلسفة لا تتمّ إلا عبر إعادة توصيف السؤال النقدي، من خلال توسيع مجال الدراسات الثقافية، بوصفها دراسات نقدية تقوم على إعادة تقييم مفاهيمي للمعرفة والتقدم والحداثة، فضلاً عن إعادة تهيئة "البيئة الثقافية" للقبول بتداولية فاعلة لما يتعلق بـ"المستقبليات"، وصولاً إلى القبول بمعطيات عالم الخوارزميات وتطبيقات الثورة المعلوماتية، والتعاطي بنقدية حذرة مع سرديات "الذكاء الاصطناعي" وما يقترحه من أطروحات تخصّ وظائف الفلسفة والنقد والتاريخ والمعرفة والمركز والسلطة.
فحين نسأل، فهذا يعني أن العقل النقدي مسار متكامل يبدأ بالتساؤل. بل إن العقل النقدي يدفعنا إلى ترسيخ ثقافة السؤال، حيث تتفتح الأذهان بطبيعة الأسئلة وتكرارها. لذلك، عُدّ السؤال من ركائز الفلسفة، ويجب ألا يُنظر إليه بوصفه تمرداً، بل بوصفه بداية للوعي، إلى جانب التشجيع على النقاش وتعليم مهارات التفكير النقدي؛ فذلك يساعد على كسر الجمود، لأن الجمود من مولّدات العفن الفكري ومن مسبّباته التي من واجب الإنسان التخلص منها. فالوعي هو المسرح الداخلي، أو نظام المراقبة التنفيذية عبر العقل.
وتطرح هذه العلاقة الجدلية بين النقد والفلسفة سؤالاً أساسياً: هل الفلسفة تولّد نقداً، أم النقد يولّد فلسفة؟ إن وعي الإنسان يجعله يسأل، ويجيب، وينتقد من دون تردد، ويعمّق الفهم والأسئلة. فالنقد لم يعد ممارسة كافية للتقويم والفحص، بقدر ما أضحى نسقاً تفاعلياً يقوم على التمثيل الفلسفي للأفكار، وعلى تغذية النقد بالمفاهيم التي جعلها جيل دولوز الوظيفة الفلسفية الخالصة.
فالتفاعل والتشاكل بين الفلسفة والنقد رهان ثقافي على قوة المعرفة، وعلى جِدّة النقد في صياغة الأسئلة، وفي تعزيز فاعليات "القراءة والتلقي"، مثلما هو تمثيل لقوة الأفكار وجدواها في الفلسفة، عبر عقلانيتها في إعادة توجيه أسئلة النقد ذاته، وعلى النحو الذي يُسهم في توسيع مساحات تحليل الخطابين النقدي والفلسفي معاً.
ذلك أن تساؤلات الواقع تشكّل نقداً. فكيف ينتقد الإنسان ما لا يعيه؟ بمعنى آخر، إن فهم الواقع الاجتماعي هو الذي يمنح الإنسان القدرة على النقد. والنقد مرتبط بمساحة الحرية التي يمتلكها الفرد، فالعلاقة طردية: كلما اتسعت مساحة الحرية، اتسعت مساحة النقد في الفلسفة، والعكس صحيح. وهذا نابع من ثقافة المجتمع المتجذّرة التي تمنح الأفراد مساحة للتعبير.
لكن الجديد في النقد يعني الجديد في الفلسفة؛ فالمساءلة النقدية لم تعد مجالاً مغلقاً للبلاغة والتصويب اللغوي، بقدر ما بدت ضرورتها واضحة في صياغة الخطاب، وفي ما يثيره من أسئلة، أو في ما يتطلّبه من معارف تخصّ آليات التقدم في سياق المعرفة، وفي مقاربة مفاهيم الزمان والفكر والنسق وغيرها.