عيناثا…سُرَّة الروح وندوبها
العابرون يمرون على عيناثا عشية. أما نحن، فنبقى هناك. يهاجر الجسد، أما الروح فتبقى مقيمة. هي ليست ذكرى، بل نبض: في اليد التي تكتب، والعين التي ترى، والقلب الذي يخفق على وزن اسمٍ آرامي يعني الحياة.
لم أسكن عيناثا كثيراً، لكنها سكنتني حتى النخاع. كأن للروح جغرافيتها الأخرى، التي لا تشبه الخرائط، ولا تعترف بالحدود.
هناك، في تلك البقعة التي ترتفع 820 متراً كأنها تطلّ على الدنيا من شرفة الغيم، عشتُ طفولتي الأولى. فترة قصيرة؟ ربما. لكنها تتسع في الذاكرة لأعمار. تشربتُ عطر الطين في مسامات روحي. ورائحة الأرض بعد الشتوة الأولى. ذلك المسك الفريد الذي لا تشبهه روائح الدنيا، وكأن التراب يسبّح بحمد المطر.
لعبتُ تحت مطر يهطل مبلّلاً طفولة تنمو على مهل، يغسلها ثم يعيد تشكيلها كأنه الخزّاف الأول. ركضتُ على سفوحها الخضراء التي كانت تموج كبحر من زمرد، وأكلت من عنبها المتدلي كعناقيد الضوء، وتينها الذي يفترّ عن حلاوة لا تشبهها حلاوة.
شربت من ينابيعها وعيون مائها التي تمنحها اسمها: "عيناثا". تلك العيون التي لا تنضب، كما لا تنضب حكاياتها، وكما تبقى عيون العاشقين الذين وقفوا عليها عشيةً محفورة في الذاكرة.
**
يقول المؤرخون إن الاسم آرامي، يعني "عيون المياه الكثيرة". ويحكون عن أمير قديم اسمه آثا فقد عينه في معركة على أرضها، فخلّدته التسمية.
أميرٌ يمنح القرية عينَه، فتتحول العين المفقودة إلى عيون لا تُحصى. أياً كان الأصل، فهي بالنسبة إليّ عين العقل والقلب معاً. فيها حفظت مرويات أمي، رحمها الله. كانت ترسم بالكلمات ما يرسخ في الوجدان: حكايات أجدادي، وأبجديات أيامٍ هانئة، وأساطير تحيط بذاكرتي كما يحيط الرجاء بكفٍّ ممدودة نحو السماء.
5 هضبات تحضن البلدة: فريز، السدر، المطيحنة، السلاسل، والبياض والشعيرة. أسماؤهنَّ في فمي كأسماء جدّاتٍ رحيمات. كأن الطبيعة أرادتها محصنةً بالجبال، محضونةً بهضابها التي تلفّها كما تلفّ الأم طفلها. هناك، حتى سكون الجبال الأبدي يبدو موزوناً على إيقاع حياة كانت هانئةً يوماً. وحكايات العشق حول "عيونها" خلدها بيتٌ شعري يتردّد على الألسن:
"على عين عيناثا عبرنا عشيةً
عليها عيون العاشقين عواكفُ"
وكأن العيون هناك لا تكتفي بأن تكون ماءً، بل تتحول إلى مآقي عاشقين لا تفارق.
**
ثم جاء زمن النار. طفلاً هجّرني الاحتلال الإسرائيلي منها. لم يكتفِ باجتثاث الجذور، بل اقتلع حتى ظلّي من على تلك التلال.
تركتُ هناك خطواتي الأولى، وصوتَ أمي وهي تناديني عند الغروب، وطعْمَ التين الذي كنا نقطفه والندى ما زال يلثغ على قشرته المخملية، ورائحة التراب المبلول بالمطر بعد ليلة رعد، وصوت الينابيع وهي تجري في الليل.
لكن التفاصيل الصغيرة لم تهاجر. حملتها في خلايا الجسد، وفي حكايات أمي، كانت عيناثا لا حدود لها، تتسع كلما ابتعدنا، وكأن الغياب يمنح الأماكن أبعاداً لا تدركها العين، بل يدركها القلب.
**
عيناثا... حاضرة جبل عامل، وجارة الجليل الفلسطيني. لم تكن مجرد جغرافيا. كانت، وما تزال، منبعاً للعلماء والأدباء. هذه الأرض على علاقة دائمة بالحرف. هنا، كان الحرف يتسلل إلى النفوس كما يتسلل الماء إلى الجذور.
يكفي أنها خرّجت شعراء وأدباء وفقهاء كباراً.
كان السيد نجيب فضل الله، جد المرجع المتنور السيد محمد حسين فضل الله، المولود فيها أواسط القرن الــ 19، عالماً نهضوياً تصدى للإقطاع والظلم، وبنى مدرسة فكرية امتد أثرها عبر الأجيال. وكأن الأرض هناك تنجب العلماء والأدباء كما تنجب التين والزيتون، وكأن الكلمة تُزرع فتحصد أجيالاً.
**
عانت عيناثا أكثر من عقدين من وطأة الاحتلال، وطأة ثقيلة كصخر الجبال. لكنها كانت سبّاقة في المقاومة.
في العام 1972، استشهد علي أيوب في مواجهة مع جنود الاحتلال وسط البلدة. كانت بندقيته التشيكية التي جمع ثمنها الرفاق "ليرة ليرة" رمز التشبث بالأرض. بندقية من الناس... لرجل من الناس... لأرض لا تُباع.
تحررت البلدة في العام 2000، وعاد الأهالي. لكن في عدوان تموز 2006، دمرها الاحتلال الإسرائيلي من جديد. ارتقى أكثر من 40 شهيداً، ودُمّر أكثر من 250 منزلاً. عادوا. لأنهم لا يعرفون غير العودة. أعادوا بناء بيوتهم ومسجدها الصغير الذي قُصف على مقربة من "بئر الزبيب"، ذلك البئر العتيق الذي كان القلب النابض في الساحة القديمة.
أما "عين الجوزة"، النبع الأشهر، فتحفظ حكايات العشاق ودبكات الأفراح، قبل أن يحولها الاحتلال إلى مواويل حزن وصمود. تلك العين التي صارت عنواناً لمسلسل تلفزيوني يروي نضالات العامليين ضد الاستعمار الفرنسي، والدور الذي لعبه جد أمي الشيخ موسى في تلك المرحلة. كأن الماء هناك يحفظ التاريخ.
**
ها هي عيناثا اليوم، في هذا العدوان الجديد، عرضة للتهجير من جديد. ما زال في البلدة من يصرّ على البقاء. قليلون... لكنهم كالجذور: قليلهم كثير، وغيابهم مستحيل.
عيناثا عصية على المحو، لأنها ليست حجارة وجدراناً فقط. إنها محفورة في القلب والوجدان. تظل منارة علم وأدب، مثل كثير من قرى الجنوب التي تغالب الموت كل مرة، وتنتصر للحياة. لأن الجنوب ليس مجرد جغرافيا، بل فكرة متجددة، تعيد إنتاج نفسها في كل مرة يحاولون طمسها. يعبرون عليها عشيةً، كما قال الشاعر، أما هي فتبقى.
**
العابرون يمرون على عيناثا عشية. أما نحن، فنبقى هناك. يهاجر الجسد، أما الروح فتبقى مقيمة. هي ليست ذكرى، بل نبض: في اليد التي تكتب، والعين التي ترى، والقلب الذي يخفق على وزن اسمٍ آرامي يعني الحياة.
هنا، في بيروت التي أسميها مسقط القلب، أعرف أن جزءاً مني ما زال هناك، يرتع بين تلال عيناثا الخمس، يسمع ما لا يسمعه العابرون: همسَ عيونها الكثيرة وهي تسقي أحلام الطفولة، وتصغي لوشوشات العشاق، وتحفظ خطى تحرس البلدة ولا تغادرها أبداً.
وعندها فقط، حين تعود السنابل إلى حقولها، وتزهر شتلات التبغ من رمادها، أعرف أنني عدتُ. لا لأن الجسد استعاد مكانه، بل لأن الروح التي لم تغادر قط، وجدت أخيراً جسداً يستحق أن تحلّ فيه.
وعندها فقط،
أخلع عنّي اسمَ الغياب،
وأرتدي اسمَ عيناثا... إلى الأبد.
