عن الهوية والاغتراب

من جاء من غزة يعرف جيداً أنّ الوطن لا يبقى خلفه، بل يمشي معه ويجلس إلى جانبه في القطار، يدخل قاعة الجامعة، يرافقه في صمته ويوقظه في الليل، وحين يكون الإنسان كاتباً أو شاعراً، تصبح المسؤولية أكبر.

لم أكن أعرف كيف أشرع بكتابة هذا المقال، الذي أظنّ أنه من الضرورة بمكان، العمل من خلاله على توضيح الكثير من الصور للمواطن العربي، الذي يعيش حالة اغتراب عميقة عن الوطن بينما يعيش فيه جسداً، وقد انطفأت الروح، نتيجة عوامل كثيرة، تسبّب فيها الاستعمار من خلال أدواته الفاسدة التي تسلّطت على شعوب المنطقة بقوة العسس وجلاوزة السلاطين، حتى غرقت بلداننا المجيدة بالفساد والرشاوى والمحسوبية، إلى جانب الفقر والقمع والتشويه النفسي والجسدي. 

إذ عندما قرأت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، للروائي السوداني الراحل، الطيب صالح، قبيل أكثر من عقدين من الزمن، تعلّقت بشخصية مصطفى سعيد المجنونة، الرجل الذي يعيش معه القارئ فكرة الصراع الثقافي بين الشرق والغرب، حيث يزور القرية راوي تلك الرواية ويكتشف وجود شخصية جديدة في حيّز المكان، يتمّ من خلالها كشف طبيعة العلاقة بين ثقافتين شبه متناقضتين في كثير من العادات والتقاليد والأفكار إلى جانب الاختلاف اللغوي والديني، ثمّ انتقام الشخصية البطلة المتمثّلة بمصطفى سعيد من الهوية الأخرى بطريقة سينمائية تشبه قفلة الرواية ذاتها. 

واليوم، أنا المنفي قسراً، بعد إبادة أحرقت الأخضر واليابس في غزة، وبعد أن عشت فيها معظم حياتي بحلوها ومرّها، تحديداً في مخيم كان يضج بالفقر والتشرّد والجوع وكثير من الأزمات التي لا تنتهي، أتساءل: هل كنا بالفعل نعيش حالة اغتراب هناك؟ إذ كنا نشعر في بلادنا بالإحباط والضياع، ولكن عندما وصلنا إلى المنافي وجدنا أنّ الضياع داخل الوطن خير بألف مرة من التيه خارج حدوده، كيف لا، ونحن هناك كنا نجد السند المتين والضلع الذي به تستقيم الحياة، الأهل والجيران والأقارب، بينما نحن هنا بلا ظهير، نعيش مع أناس رائعين، لكنهم لا ينتمون إلينا لغة أو ثقافة أو ديناً. والسؤال الجديد الذي يطرح نفسه: هل نندمج وننسى الوطن الأم؟ هل نتجاوز فكرة النضال التي عشنا من أجلها؟ والحفاظ على ما تبقّى منا؟ 

ربما، ذهاب البعض إلى "الكومفرت زون" (المنطقة الدافئة) قد يكون مبرّراً أحياناً، أنّ حالة الاستنزاف والتفكير في الأسرة هو ما جعل البعض يحاولون الانسلاخ عن واقعهم السابق ومحاولة التعايش بسلام بعد سنوات طاحنة من الحروب، لكن من غير المبرّر هو أن يذهب البعض إلى العمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع الاحتلال من خلال مطاردة المناضلين الذين جاءوا إلى المنافي رغم أنوفهم، وتصيّد عثراتهم، وتقديم بلاغات ضدّهم للحكومات الغربية، من أنهم معادين للسامية، يحاولون إرهاب أيّ شخص يؤمن بعدالة المقاومة ضدّ الاحتلال، وكتم الصوت الحرّ. 

للأسف، أنتج الواقع العربي السابق، ومع بروز أدوات جديدة من الإعلام الاجتماعي، حالة من الولاء الغريب للجلّاد، يشبه متلازمة ستوكهولم، وربما هذا ما أشار إليه الشهيد الراحل صلاح خلف حين قال: "أخشى أن تصبح الخيانة وجهة نظر"، واليوم يعمد هؤلاء إلى التفاخر بتبعيّتهم وولائهم للاحتلال من خلال مهاجمة كلّ وسائل النضال والمناضلين ضدّ الاستعمار العالمي والاحتلال الغاشم الذي يسعى إلى تحقيق نبوءة "إسرائيل الكبرى"، بينما لا نجد لهم أيّ حضور في فضح جرائم الاحتلال في البلدان التي هاجروا إليها. 

ويظنّ هؤلاء أنّ الغلبة لن تكون لأصحاب الحقّ، مؤمنين بقوة الترسانة العسكرية للقوى الاستعمارية، لكنهم في ما يبدو غفلوا عن عقلية الثأر التي جاءوا منها، ونسي كلّ هؤلاء أنّ التبعيّة للمحتلّ لن يزيدهم إلّا ذلّاً ومهانة وحقارة، وستظلّ وصمة الخيانة تلاحقهم حتى بعد مماتهم كما جرى مع "أبو رغال" الذي ظلّ يبوّل العرب على قبره حتى وقت قريب. 

ولعلّ الهجرة أو المنفى في ختام هذا المقال القصير، تمثّل امتحاناً كبيراً للإنسان العربي، إنه امتحان الهوية، والثبات على المواقف والصمود في وجه التذويب. إذ إنه ليس من العيب الاندماج، بل من الواجب فعل ذلك كي تستمر دورة الحياة، لكنّ المحزن هو الانسلاخ عن الفعل الوطني في النضال السياسي والدبلوماسي بتسليط الضوء على جرائم الاحتلال من خلال الكلمة والمقالة، والعار هو الدفاع عن الجلاد ومحاربة الضحية. 

إنّ من جاء من غزة يعرف جيداً أنّ الوطن لا يبقى خلفه، بل يمشي معه ويجلس إلى جانبه في القطار، يدخل قاعة الجامعة، يرافقه في صمته ويوقظه في الليل، وحين يكون الإنسان كاتباً أو شاعراً، تصبح المسؤولية أكبر، لأنه يحمل معه أصوات الذين وصلوا إلى السماء السابعة، من الأطفال والنساء الذين لا يزالون تحت الأنقاض، ليعلن للعالم أنّ غزة ليست ماضياً بعيداً، بل جرحاً حاضراً، وحقيقة أخلاقية، وسؤالاً مفتوحاً في ضمير الإنسانية. 

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك