عن الهامستر والحضارة المُفترضة

سؤالنا العربي عن الحضارة المفترضة: هل الرحمة قيمة حقيقية إذا بقيت محصورة في المساحات الآمنة؟ أم أنها لا تختبر حقاً إلا حين يصبح التعاطف مكلفاً؟ 

  • هامستر في ملجأ للحيوانات في لوغانو بسويسرا
    هامستر في ملجأ للحيوانات في لوغانو بسويسرا

اقتنى ابن صديقي "هامستر" لفترة غير قصيرة، عدا أن العائلة قررت الاستغناء عن ذلك الكائن الصغير مؤخراً، نتيجة الحساسية التي تعرضت لها الأم، فتوجه الأب إلى مدينة لوزان لوضع الهامستر في أحد الملاجئ هناك، حاملاً معه أغراض ذلك الحيوان من مسكن ومأكل ومشرب إلى غير ذلك من أغراض يحتاجها ذلك الحيوان الضعيف، ثم قبل أن يغادر صديقي المكان، طلب من مدير الملجأ أن يسمح له بزيارة الهامستر بين الفينة والأخرى، فرفض المسؤول الزيارة معلناً أنه بمجرد التوقيع على ورقة تسليم الهامستر، بات ذلك الحيوان في رعاية الدولة. 

والشاهد من القصة، ليس امتهان أو استنكار ذلك الفعل الإنساني بالمطلق، بل إنه شيء يدعو إلى النظر بإجلال إلى الرحمة التي يمتلكها صديقي المناصر لفلسطين حتى النخاع، ولكثيرين أمثاله في دول العالم المتحضر.

لكن السؤال الذي راودني بينما كان صديقي يقص قصته تلك، هو حجم التناقض أو ربما العجز لدى شعوب تلك البلدان شديدة التنظيم في حياتها اليومية، خصوصاً حين تقترب من السياسة. إذ كيف يقبلون الصمت أمام نزوح البشر الذين لا يجدون مكاناً يلجأون إليه؟ يبحثون عن أمان بين القذائف التي تسقط حتى لحظة كتابة هذا المقال؟ هل تمنحنا الرحمة تجاه الحيوان وهماً أخلاقياً يعفينا من مواجهة العجز الأكبر تجاه الإنسان؟ هل نحن نعيش زمن الرفاهية الأخلاقية؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً هو سؤال الحضارة. إذ هل يكفي أن نكون رحماء في حياتنا اليومية كي نتنصل عن الدفاع عن الأبرياء الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم في أصقاع شتى؟ وما هو دورنا الحقيقي والخلاق في ظل توفر الذكاء الاصطناعي والثورة التكنولوجية الهائلة؟

وهنا يصبح معنى التحضر مجرد وهم، إذ يمكن لكل الرحماء، الذين يحافظون على الحيوانات أن يصنعوا أحزابهم الخاصة أو أن يتجيشوا خلف الأحزاب أو الجماعات التي ترفض الاستعمار وانتهاك حقوق الأمم والشعوب المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ومنع التجنيد حتى يتم وقف تصدير الأسلحة وصناعة العداء لأجل دولة انتهكت حقوق الإنسان والقوانين الدولية والشرعية.

كما ويمكنهم الإعلان بشجاعة عن مقاطعة الاحتلال ووقف شراء منتجات المستوطنات التي تجثم على ترابنا السليب، لأن ذلك هو امتداد لهذه الإنسانية التي لا تتبنى فكرة ازدواجية المعايير، بل معياراً أخلاقياً واحداً: هو الانتصار للإنسان من دون النظر إلى جنس أو لون أو دين، والعمل في كل الميادين للدفاع عن الشعوب التي تتعرض للظلم، في فلسطين ولبنان، خصوصاً أن المعالم واضحة، فالعدو الإسرائيلي المجرم يمتهن آدمية الإنسان، يغتصب الحجر والشجر، ويدمر الحضارات لأجل سحق الهوية التي لا يمكن أن تندثر تحت أي ظرف. 

ما زلت أذكر كيف كنت في غزة أطلب من زملائي في قسم الإعلام بأحد مراكز الإيواء في مخيم الشاطئ بتسليط الضوء على الحيوانات التي كانت تتعرض للقصف والاغتيال أحياناً على الهواء مباشرة من طرف قناصة جنود جيش الاحتلال الذين صعدوا على الأبنية والأبراج، لأنها - وبكل حسرة - تشكل أهمية قصوى للعالم المتحضر، في حين أن دماء الأطفال والنساء كانت تتعرض للتجاهل لدى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية خوفاً من تهمة "معاداة السامية" التي باتت مشجباً لقمع الأصوات الحرة.

ولعل أهل غزة عاشوا لحظات إحباط ويأس إبان إجلاء بعض الحمير من قطاع غزة خلال الإبادة إلى ألمانيا، إذ كيف يتم إجلاء تلك الحيوانات "والتي لها كامل الحق في العيش بكرامة كفلتها الشرائع السماوية"، بينما يُمنع الأطفال والنساء من السفر للعلاج في الخارج، فهناك مئات الآلاف يعيشون الألم اليومي وعدم توفر الأدوية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير الملاجئ والمستشفيات والمراكز الصحية، في الوقت الذي يتم فيه اختطاف الأطباء والممرضين، تلقى أجساد الموجوعين على أبواب مستشفى "الشفاء" و"المعمداني" و"ناصر"، يتأوهون ولا مجيب، بينما يقف الأطباء والأهل في حالة عجز تام، لا يستطيعون سوى المواساة والدعاء. 

كيف يمكن للأجيال اللاحقة أن تؤمن بالتعددية والشراكة؟ كيف لها أن تؤمن بالحضارة والنهضة؟ كيف تؤمن بإنسانية العالم الغربي المتحضر وهي تبصر ازدواجية المعايير في التعامل بين الأجناس والألوان، باستثناء مجموعات قليلة باتت تطرق جدران الخزان بقوة، لتقول إنها تهتم بالبشر وتنتصر للإنسان، وإنها - أي تلك الجماعات الاستثنائية - ستظل تقاتل لأجل انتزاع كامل الحقوق للأمم المحتلة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.

وفي الختام يتجلى سؤالنا العربي عن الحضارة المفترضة: هل الرحمة قيمة حقيقية إذا بقيت محصورة في المساحات الآمنة؟ أم أنها لا تختبر حقاً إلا حين يصبح التعاطف مكلفاً؟ 

عزيزي القارئ: إن الحضارة تعني للإنسان العربي ألا يكون في زمن الحرب أقل حظاً من هامستر، سلمته عائلته إلى ملجأ في بلاد تعشق الحياة.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك