عن البيت الذي يتخذنا بيوتاً
كيف يتحوّل البيت من مكان نلجأ إليه إلى ذاكرة تسكننا حتى بعد أن تهدمه الحرب؟ وهل يمكن إعادة بناء البيت حقاً، إذا كان الزمن الذي صنع روحه اختفى؟
-
عن البيت الذي يتخذنا بيوتاً
إلى أين أنا ذاهب؟ أعود إلى البيت. نهارٌ طويل من التعب لا يخفّفه سوى مقعد غائر من فرط الجلوس في المكان نفسه، في البيت. وإذا كان اليوم صعباً؟ أبقى في البيت. وإذا رغبت في وقت أستعيد فيه توازني وسط هذا العمر المضطرب؟ يكون البيت أيضاً.
الفكرة أبسط من ذلك. الأمان، بحضوره الخفيف الصامت، هو الإحساس الذي يسكن البيت معنا. فالبيت هو بيت الأمان.
كان البيت، قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة المتواصلة على لبنان، جدراناً وسقفاً وروحاً. كان الترجمة اليومية لفكرة الاستمرار. المكان الوحيد الذي لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يشرح نفسه. في الخارج، يلبس المرء أسماءه وصفاته ومواقعه ومخاوفه، أما في البيت فيخلعها جميعاً كما يخلع معطفه عند الباب. هناك، بين الأشياء الصغيرة التي لا يلاحظها أحد، تتشكّل الهوية الحقيقية للإنسان، كما يعرف نفسه هو، أو بما يعرفه عن نفسه على الأقل.
فنجان قهوة تُرك على رفّ، خدش على حافة طاولة، كتاب مفتوح عند صفحة لم تُكمل قراءتها، صورة عائلية اصفرّت أطرافها مع الزمن. البيت مكان يسكننا.
الإنسان الذي يخسر منزله حين يُهدم، يخسره أيضاً حين يتوقّف عن الإحساس بأنه آمن فيه.
لهذا السبب بالذات، أصابت الحرب الإسرائيلية على لبنان أحد أعمق مستويات الوجود الإنساني. حين يدخل البارود والعصف والنار من جدار إلى البيت، لا يهدمون جداراً فقط، بل يسقطون طبقات كاملة من الذاكرة، مكدّسة ومتراكمة ومشحونة بالأحداث والذكريات واللفتات والأصوات، فيحيلونها رماداً ودخاناً وموتاً. تسقط طبقات من الذاكرة، فتردم تحتها طبقات كاملة من العيش واليوميات، وتكسر العلاقة العضوية بين الإنسان وماضيه.
والبيت، في علم الاجتماع السياسي، هو الوحدة الأساسية للأمان الرمزي. ليس لأنه يوفّر الحماية الفيزيائية فقط، بل لأنه يمنح الفرد شعوراً بالاستقرار داخل الزمن. الإنسان يعرف من يكون لأنه يعرف أين كانت طفولته، وأين نامت أمه، وأين جلس أبوه مساء، وأين كانت النافذة التي تطلّ على شجرة يعرفها منذ عقود. البيت هو الجغرافيا الخاصة للذاكرة. لكنّ الحرب تغيّر معنى البيت كلّه.
الحرب تغيّر معنى البيت
فجأة، يتحوّل المكان الذي كان مرادفاً للأمان إلى مصدر للخوف. يصبح السقف الذي كان يحمي ساكنيه هدفاً محتملاً للقصف الإسرائيلي. ويصبح صوت المفتاح في الباب أقلّ حضوراً من صوت الطائرات الحربية في السماء. تتبدّل وظيفة الأشياء. الممر الذي كان يقود إلى غرفة النوم يصبح طريقاً للهروب. القبو الذي كان مخزناً للأغراض القديمة يتحوّل إلى ملجأ. النافذة التي كانت تطلّ على الحيّ تصبح ثغرة يدخل منها الموت.
في تلك اللحظة يتلاشى المعنى الحقيقي والأصلي، ويولد معنى جديد، واقع جديد طاغٍ، لا يترك تحت وطأته إلا الخوف والهول والغضب. فالإنسان الذي يخسر منزله حين يُهدم، يخسره أيضاً حين يتوقّف عن الإحساس بأنه آمن فيه.
ومع وصول الحرب إلى هذه المرحلة، يبدأ نوع آخر من النزوح؛ نزوح نفسي هذه المرة، يسبق النزوح الجغرافي. يبقى الناس أحياناً داخل بيوتهم، لكنهم يتوقّفون عن الشعور بأنها بيوت. يصبحون ضيوفاً مؤقتين في أماكن كانوا يظنون أنهم سيقضون فيها أعمارهم كلّها. ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة، وهي اللحظة التي يجد فيها أهل البيت صورة بيتهم مدمّراً. يصيبهم دوار وغياب عن الشعور باللحظة. يبدو الزمن كأنه ينهار.
لا يكون البيت بعد الحرب مجرّد بناء مهدّم أو مُرمَّم. يصبح سؤالاً وجودياً مفتوحاً: كيف يمكن للإنسان أن يعيد ترتيب حياته عندما ينهار المكان الذي كانت حياته مرتّبة داخله؟
عندما يُهدم منزل عمره 30 أو 40 أو 50 عاماً وربما أكثر، لا يسقط عدد من الأمتار المكعّبة من الإسمنت. البيت ليس مجموع مكوّناته المادية. ما يسقط هنا هو تراكم السنوات. يسقط أول يوم دخلت فيه العائلة إلى البيت. وتسقط أصوات الأطفال الذين كبروا فيه. كما تسقط الأعياد والمناسبات والضحكات والمشاجرات والمصالحات. يسقط تاريخ كامل كان محفوظاً داخل المكان. ولهذا تحديداً، نجد كثيرين يقفون أمام ركام منازلهم وهم يبحثون عن أشياء تبدو بلا قيمة مادية للآخرين: مفتاح قديم، إطار صورة، لعبة طفل، قطعة قماش، ساعة متوقّفة عن العمل. إنهم لا يبحثون عن الأشياء لذاتها، بل يبحثون عن شظاياهم هم.
الذاكرة البشرية موزّعة على الأمكنة والأشياء. والبيت يعمل كأرشيف ضخم للحياة اليومية. كلّ غرفة فيها ملف من ملفات الذاكرة. حين يختفي البيت، يفقد الإنسان فجأة القدرة على الوصول إلى أجزاء كاملة من تاريخه الشخصي. لهذا يبدو الركام أحياناً أكثر إيلاماً من الموت نفسه. الموت مفهوم يمكن للعقل أن يستوعبه، أما الركام فهو صورة دائمة للفقدان. إنه بقايا شيء كان موجوداً ثمّ اختفى، وشاهد مادي على غياب لا يكتمل أبداً.
وفي المجتمعات التي عاشت الحروب الكبرى، تظهر ظاهرة معروفة: يعود الناس إلى أنقاض منازلهم حتى عندما يعلمون أنهم لن يستطيعوا السكن فيها مجدّداً. يزورونها كما تُزار المقابر. يقفون صامتين أمامها. يتفقّدون حدودها القديمة. يشيرون إلى أماكن لم تعد موجودة: هنا كانت غرفة أمي، وهناك كانت الوردة، وهنا وقع أخي صغيراً، فصار الحادث خطاً أبدياً عند طرف جبينه. إنهم لا يزورون حجارة. إنها زيارة لزمنٍ مفقود.
إنهم لا يبحثون عن الأشياء لذاتها، بل يبحثون عن شظاياهم هم.
ولهذا يصير البيت بعد الحرب كائناً مزدوجاً. فهو غائب وحاضر في آن واحد. مهدوم مادياً، لكنه قائم بقوة داخل الذاكرة. بل إنّ حضوره فيها قد يصبح أقوى من حضوره السابق في الواقع. غير أنّ المأساة الأعمق تكمن في أنّ الهدم يعيد الذاكرة إلى ما يشبه نقطة الصفر. لأنّ الإنسان يبني حياته عبر عملية تراكم مستمرة. كلّ سنة تضاف إلى التي قبلها. وكلّ ذكرى تستند إلى ذكرى أقدم منها. أما البيت فهو الوعاء الذي يحفظ هذا التراكم. وحين يختفي الوعاء، يهتز التسلسل بأكمله.
في هذا المعنى، تدمّر الحرب الإسرائيلية السيرة الذاتية للأفراد والجماعات في لبنان. ولهذا كثيراً ما ترتبط عمليات تدمير المنازل في الحروب بمشاريع أوسع تتعلّق بإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. فالبيت أكثر من ملكية خاصة؛ إنه جزء من الوجود الاجتماعي والسياسي للناس. إنه دليل مادي على أنهم عاشوا هنا، وأحبّوا هنا، وأنجبوا أبناءهم هنا، ودفنوا أحلامهم هنا. وحين يُمحى البيت، يصبح على الإنسان أن يبدأ معركة أخرى، أكثر تعقيداً من إعادة البناء: معركة استعادة المعنى.
استعادة المعنى
يمكن للمرء أن يعيد تشييد بيتٍ له بالإسمنت والحديد، بالحجر والخشب، أو بأيّ شيء آخر. لكنّ الزمن لا يُعاد بناؤه بالسهولة نفسها.
يمكن للمرء أن يضع حجراً مكان حجر، وأن يرفع جداراً مكان جدار، لكن لا أحد يستطيع استعادة ظهيرة صيفٍ مضى قبل 20 عاماً، أو صوت أمّ رحلت، أو خطوات طفل صار رجلاً. لهذا فإنّ العودة إلى المنزل بعد الحرب ليست عودة حقيقية أبداً. إنها ولادة مؤلمة لعلاقة جديدة مع المكان.
يصبح البيت الجديد شبيهاً بالقديم، لكنه ليس هو. يشبه صورة شخص نحبه أكثر مما يشبه الشخص نفسه. يحمل الملامح ذاتها تقريباً، لكنه يفتقد شيئاً لا يمكن تحديده بالكلمات. وربما لهذا السبب تبقى الحروب حاضرة في النفوس طويلاً بعد توقّف المدافع.
لأنها لا تقتل البشر وحدهم، بل تصيب العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان والزمان والذاكرة. إنها تجعل البيت، الذي كان يوماً أكثر الأماكن ألفة، مساحةً للفقد. وتجعل الجدار شاهداً على الغياب، والمفتاح الذي نحتفظ به في جيوبنا ليس أداة لفتح باب، بل أثراً من عالم لم يعد موجوداً.
البيت ليس مجموع مكوّناته المادية. ما يسقط هنا هو تراكم السنوات. يسقط أول يوم دخلت فيه العائلة إلى البيت. تسقط أصوات الأطفال الذين كبروا فيه. تسقط الأعياد والمناسبات والضحكات والمشاجرات والمصالحات. يسقط تاريخ كامل كان محفوظاً داخل المكان.
لا يكون البيت بعد الحرب مجرّد بناء مهدّم أو مُرمَّم. يصبح سؤالاً وجودياً مفتوحاً: كيف يمكن للإنسان أن يعيد ترتيب حياته عندما ينهار المكان الذي كانت حياته مرتّبة داخله؟ يبقى الركام، حتى بعد إزالته، مقيماً في الذاكرة. هناك، تحت طبقات النسيان ومحاولات التعافي، يظل البيت قائماً كما كان دائماً، بأبوابه ونوافذه وأصوات ساكنيه؛ بيتاً لا تهدمه القذائف بالكامل، لكنه لا يعود أبداً كما كان.
ومع ذلك، يعيد البيت تشييد نفسه في قلوبنا. البيت يسكننا. وفي عمق الفكرة، نحن البيت؛ الإنسان هو البيت. ولا يزال ذلك الشطر الشعري الخالد يتردّد كصدى في فضاء التاريخ: "دواؤك فيك وما تبصر".


