عصر الحماقة: "العدمية الترامبية" بديلاً من الديمقراطية
يرى لابام أن "السياسة الأميركية تؤكد نظرية أرسطو القائلة بأن أشكال الحكم يتعاقب بعضها إثر بعض في تسلسل يمكن التنبؤ به تماماً كتعاقب فصول السنة: الحكم الملكي، يليه الحكم الديمقراطي، الذي يتدهور بدوره إلى حكم البلوتوقراطية.
لويس إتش. لابام (1935-2024) صحفي وكاتب، ويُعرف بكونه محرر ومؤسس مجلة "لابامز كوارترلي". نالت أعمدته الصحفية "جائزة المجلة الوطنية" لعام 1995، وحصل في عام 2002 على جائزة "توماس بين" للصحافة. وألف أربعة عشر كتاباً، منها "المال والطبقة في أميركا" (1988)، و"في انتظار البرابرة" (1997)، و"مسرح الحرب" (2002). وآخر كتبه "عصر الحماقة: أميركا تتخلى عن ديمقراطيتها" الذي صدر عام 2016 عن دار فيرسو، ويقع في نحو 384 صفحة.
يتألف كتاب "عصر الحماقة" من سلسلة من المقالات السياسية التي تتتبع تدهور الديمقراطية الأميركية؛ هذا التدهور الذي يرى لابام أنه لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تراكمية لسياسات أميركا الخارجية والداخلية بعد انتهاء الحرب الباردة. نشر لابام هذه المقالات تباعاً في مجلة "هاربرز" وفي مجلته الخاصة "لابامز كوارترلي" بين عامي 1990 و2016. مع ذلك، لا يزال الكتاب وثيق الصلة بواقعنا الحالي؛ فهو يقدم السياق التاريخي والمرجعية الضرورية لفهم لحظتنا الراهنة على الصعيد السياسي، كما أن إعادة انتخاب ترامب وسياساته الحالية دفعت القراء والنقاد إلى العودة إلى هذا العمل الفذ. كذلك، فإن رحيل لابام أعاد تسليط الضوء على أعماله للإشارة إلى الدقة التي تنبأ بها بالمشهد السياسي الأميركي الحديث.
تُعرض المقالات في الكتاب بالترتيب الذي كُتبت به، لتتتبع محطات تاريخية محددة من تآكل الديمقراطية على مدار ربع قرن. وهي، إذا أردنا اختزالها بفكرة، تروي كيف تحولت الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة من المغامرات الإمبراطورية من دولة ديمقراطية إلى بلوتوقراطية (حكم أصحاب الثروات)؛ "بلوتوقراطية مذهولة ومختلة وظيفياً". فيستعرض الكتاب الفترة الممتدة من عام 1990 إلى 2016: "على مدى خمسة وعشرين عاماً من المغامرات الإمبراطورية، عاثت أميركا خراباً في مبادئها الديمقراطية. وقد انطلقت مسيرة الحماقة الممجِّدة لذاتها مع نهاية الحرب الباردة"، يقول لابام. ويشرح كيف "أدت المغامرات الطائشة، مثل غزونا للعراق خلال إدارة بوش الابن، إلى اضطرابات مستمرة، وتسببت في خفض مكانة البلاد في الخارج، وألحقت أضراراً جسيمة بالديمقراطية الأميركية في الداخل".
فبرأيه، الضرر الواسع الذي لحق بسمعة أميركا في الخارج جراء حروبها العبثية، يوازيه ضرر أوسع لحق بالديمقراطية الأميركية في الداخل. ويعدد لابام الأضرار قائلاً: "تراكُم الجزء الأكبر من ثروة الأمة في أيدي 10 في المئة من سكانها، وحرب طبقية تشنها طبقة الأثرياء الأنانيين والخائفين بشكل متزايد ضد الفقراء المستشيطين غضباً، الغارقين في الديون بشكل متزايد، وإلغاء الانتخاب الديمقراطي لرئيس أميركي من قِبل المحكمة العليا... وتحويل الصالح العام بشكل منهجي إلى المحفظة الخاصة، وشاغلو البيت الأبيض الذين يسعدهم وضع أنفسهم فوق القانون، وحرب خارجية عبثية ولكنها لا تنتهي، وتحول مجلسي الكونغرس إلى حالة من الشلل العاجز، وخطاب سياسي تصنعه وسائل إعلام إخبارية مهووسة بالمشاهير تستعرض الغوغائيين على عصي السيلفي".
وقد بلغ كل هذا ذروته في مستنقع انتخابات عام 2016؛ تلك المهزلة التي هيمن عليها في النهاية دونالد ترامب؛ "الاستعراضي الممجِّد لذاته". ويتوافق هذا كله، كما يرى لابام، مع ما يسميه أرسطو "الأحمق الثري"؛ النموذج الذي يعتبر لابام أن الولايات المتحدة تبنته كنموذج للحكم وإدارة الدولة. وحكم "الأحمق الثري" هو حكم طبقة من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم جديرين بتولي المناصب العامة، لمجرد أنهم يمتلكون الثروة، لأنهم "يتخيلون بالتالي أنه لا يوجد شيء لا يمكن للمال شراؤه". وهو أيضاً وصف ينطبق تماماً على ترامب الذي ادعى، ويدعي، أحقيته في البيت الأبيض على فرضية مفادها أنه ثري. ترامب، كما يكتب لابام، "يمثل بلا شك تهديداً، لكنه ليس مفاجأة، إذ إن وجهه المتبجح والشامت هو الوجه الذي يصور كيف تسير الأمور -وكيف كانت تسير- في واشنطن ووول ستريت طوال ربع القرن الماضي".
الكثير من الفصول استشرافية، لا سيما المقال الأول الذي كُتب عام 1990 ويتحدث عن نظام الحكم الأميركي الذي "يبدو في الوقت الحاضر على خلاف واضح وجلي مع آماله وأغراضه الدستورية"، وهو وقت حاضر يمتد حتى اليوم. ويتألف الكتاب من قسمين رئيسيين: "الحماقة"، و"ترياق الحماقة". يضم الأول المقالات التي رصدت التراجع الديمقراطي والسياسات الكارثية من التسعينيات، مروراً بانتخابات 2000، والحروب الخارجية، وصولاً إلى الأزمة المالية. أما الثاني فهو القسم الفلسفي الذي يطرح فيه لابام فكرته عن أن "التاريخ والوعي بالماضي" هما الترياق الوحيد لإنقاذ الديمقراطية من حماقات الحاضر.
أما إذا أردنا الدخول في التفاصيل، فيمكن استعراض محتويات الكتاب على النحو الآتي: في مقدمة الكتاب، يتحدث لابام عن ظاهرة دونالد ترامب وانتخابات 2016 باعتبارهما "النتيجة الطبيعية والعَرَض النهائي لمرض طويل أصاب الديمقراطية الأميركية". ثم تأتي مقالات التسعينيات لترصد البداية الفعلية لمسيرة الحماقة عقب نهاية الحرب الباردة، حيث سيطرت على الإدارات الأميركية أوهامُ القوة المطلقة، وبدأت ملامح التفاوت الطبقي الحاد وحرب الخليج الأولى. أما مقالات عام 2000 فتتمحور حول أزمة الانتخابات الرئاسية الشهيرة بين بوش وغور وتدخل المحكمة العليا لصالح بوش، وهو ما يعتبره لابام إلغاءً للعملية الديمقراطية. ثم يلي ذلك مقالات ما بعد 2001 التي تتضمن مقالات نقدية لاذعة ضد جورج بوش الابن وما دُعي "الحرب على الإرهاب"، وغزو العراق، وقوانين تقييد الحريات. ثم نقرأ مقالات ما بعد 2008 التي تركّز على الأزمة المالية العالمية وتنتقد توحش طبقة الأثرياء "الأولغارشية الأميركية"، وكيف تم إنقاذ الشركات الكبرى على حساب المواطن العادي. وأخيراً، تركز المقالات الأخيرة الممتدة حتى عام 2016 على الانتخابات وعلى صعود الاستعراض السياسي المدفوع بوسائل الإعلام وثقافة ما يُدعى بالإعلام الترفيهي. وينتهي الكتاب بخلاصة تبدو سوداوية، بمقالات الوعي التاريخي والتحذير من الجهل بالماضي؛ فيجادل لابام بأن الديمقراطية لا يمكن أن تعيش في مجتمع يجهل تاريخه، لأن الجهل بالتاريخ، حسب رأيه، يجعل الشعوب فريسة سهلة للمستبدين والغوغائيين.
إن مقالات كتاب "عصر الحماقة" حادة وتهكمية. وترى مجلة "تشويس" أن هذا الكتاب "رغم كآبته أحياناً، يأتي محملاً بالكثير من الفكاهة والكتابة الأنيقة"، وأن نثر لابام الحاد "يخز الغرور والاعتداد بالذات لدى المتنفذين الذين يتبخترون في كثير من الأحيان بادعاءات المعرفة المطلقة والقوة الكلية". وأسلوب لابام، كما يرى القراء، نثري كلاسيكي بليغ وأنيق. لكنْ، يرى بعضهم أنه أحياناً يلجأ إلى التعميم بدلاً من تقديم تحليل بنيوي عميق. مع ذلك، يتناول لابام موضوعه بذكاء بالغ ومعلومات وفيرة، فهو واسع الاطلاع ويثري مقالات هذا الكتاب بالاقتباسات الأدبية والتشابيه. على سبيل المثال، يقول: "ثمة تشابه تعيس بين الأنظمة الأولغارشية والجبن؛ فآجلاً أم عاجلاً، يتعفن كلاهما تحت أشعة الشمس". كذلك، يغني أفكاره بالإشارات المرجعية الكلاسيكية، لا سيما إلى أرسطو.
على سبيل المثال، يرى لابام أن "السياسة الأميركية تؤكد نظرية أرسطو القائلة بأن أشكال الحكم يتعاقب بعضها إثر بعض في تسلسل يمكن التنبؤ به تماماً كتعاقب فصول السنة: الحكم الملكي، يليه الحكم الديمقراطي، الذي يتدهور بدوره إلى حكم البلوتوقراطية، ومن ثم يعود مجدداً إلى الحكم الملكي". وينطبق هذا بالفعل على حال أميركا؛ فترامب، وإن لم يكن ملكاً، يملك هذا الميل الديكتاتوري إلى الاحتفاظ بالحكم. هكذا، يشرح الكتاب انهيار الديمقراطية الأميركية وصعود ما يدعوه "العدمية الترامبية". إن ترامب، كما يرى لابام، يجسّد روح عصر الحماقة هذا. وهو قد "صُنع على مقاس الإعلام الترفيهي، وهو الإعلام الذي يتحول فيه المرشحون الرئاسيون إلى متسابقين في برامج مسابقات، يُساقون للمحاكمة في يوم الانتخابات أمام عرش الكاميرات التي أنتجتهم وأُنتجوا من أجلها". وهو رأي يمكن اعتباره تنبؤاً باعتماد الحملات السياسية الحديثة بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي القائمة على الخوارزميات، والاستعراضات والترندات، بدلاً من النقاشات الجادة والموضوعية.
يستكشف لابام أيضاً في هذا الكتاب التغيير الذي طرأ على مفاهيم العام والخاص وتأثير ذلك على المجتمع، فيقول: "في خمسينيات القرن الماضي، كانت كلمة 'عام' توحي بخير متأصل (الصحة العامة، المدرسة العامة، الخدمة العامة، الروح العامة)؛ بينما كانت كلمة 'خاص' مرادفاً للأنانية والجشع... ثم تبادلت الدلالات مواقعها في الثمانينيات. فأصبحت كلمة 'خاص' تشير الآن إلى كل الأشياء المشرقة والجميلة (مدرب خاص، مدرسة خاصة، طائرة خاصة)، وتحولت كلمة 'عام' إلى مرادف لكل الأشياء القبيحة والخطيرة (الإسكان العام، الرعاية الاجتماعية العامة، المراحيض العامة)".
في النتيجة، يمكن تلخيص أفكار الكتاب بأربعة: سيطرة رأس المال على السياسة، وتحويل السياسة إلى مسألة ترفيه واستعراض، والحروب الخارجية واستنزاف الداخل، ومفهوم الأحمق الثري الأرسطي الذي يشرح كيف تصاب الإمبراطوريات بالغرور الأعمى عندما تصل إلى ذروة قوتها وثروتها.
إن كتاب "عصر الحماقة" يمكن النظر إليه بوصفه "مرثية لاذعة للديمقراطية الأميركية". ويرى النقاد أن الكتاب "يقدم معرفة بالماضي كحاجز وقائي ضد يأس الحاضر". فالتاريخ، كما يرى لابام، "لا ينقذ الموقف أو يقدّم عرضاً تقديمياً عن عالم جديد أفضل؛ بل هو رصيد الطاقة والأمل الذي يجعل الثورة ممكنة ضد ما سماه غي. كي. تشيسترتون: 'الأوليغارشية الصغيرة والمتغطرسة لأولئك الذين تصادف وجودهم بالجوار فحسب'". إن الوعي بالماضي هو أساس الحل؛ فثمة، حسب رأيه، "أسباب أقل للخوف مما قد يحدث غداً، مقارنة بوجوب الحذر مما حدث بالأمس"، وهو عكس ما يحدث في أميركا التي فقدت معرفتها بماضيها وركزت على مستقبلها، فأضاعت طريق الديمقراطية وغرقت في "العدمية الترامبية".
