عشرون عاماً على غيابه: محمد الماغوط يتمرّد على موته في الربيع!
في الذكرى العشرين لرحيله، كيف شرّح محمد الماغوط أمراض الجسد العربي المعطوب؟
.. ولكن هل رحل محمد الماغوط حقاً؟
بحسب مفكرة الغائبين، مضى على غياب هذا الشاعر المتمرّد 20 عاماً (1934- 3/4/2006))، لكن طيفه ما انفك يزداد حضوراً، سنةً وراء أخرى، وهزيمةً تلو هزيمة، فقد كتب كل ما نحتاجه اليوم من صيدلية الأوجاع.
كان شاعراً بمشرط جرّاح في تشريح أمراض الجسد العربي المعطوب، ثم ذهب في إغفاءة طويلة ليقينه بأن شيئاً لن يتغيّر في غيابه. في العواصف التي اجتاحت الخرائط العربية، بعد سنوات على رحيله، كان حاضراً كمنقذ بلاغي للغرقى، فقد اتكأ المدوّنون على شذراته بوصفها الإجابة الحاسمة على أسئلة اللحظة، فعبارة مثل" لا أقوى على صبغ التابوت باللون الأخضر"، تبدو كما لو أنها كُتبت عن المذابح والمقابر الجماعية المجهولة. إذ لم تعد الأرض تتسع لقبور القتلى في متوالية العنف، ثم سيختزل المشهد بصورة أخرى أكثر وجعاً، كمن يشهد تمزّق الخرائط أمام عينيه قبل أن تتمزّق فعلاً "الوحدة الحقيقية القائمة بين العرب هي وحدة الألم والدموع".
ثم بضربة مباغتة يضيف "لا أراهن على نفاد الخبز أو الماء أو الوقود، بل على نفاد الصبر". ليست هذه الشذرات نبوءات شاعر بقدر ما هي توصيف لواقع عربي ملموس، على هيئة إنذار، أو استغاثة، أو كشف حساب، وكأنه يعيد ما قاله عبد الرحمن الكواكبي قبل قرنٍ مضى كمفتتح لكتابه "طبائع الاستبداد": "هي كلمة حق وصرخة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد".
الشاعر الرائي
-
فرادة شعر الماغوط لم تمنع أجيالاً من الشعراء من اقتفاء أثر خطواته
نستعيد محمد الماغوط إذاً، ليس من باب الذكرى، بل من موقع الشاعر الرائي الذي راهن على الكلمة في إعادة الاعتبار للإنسان العربي المكبّل بالأصفاد في كافة أشكالها، فأنشأ معجمه اللغوي الخاص، لجهة الخشونة والقسوة والرفض والاحتجاج.
مفردات محمولة على شعرية عالية وبكارة بلاغية مدهشة، من دون أن يرفقها ببيانات أو نظرية نقدية في كيفية كتابة الوجع. شاعر الأرصفة المتسكّع جمع مفرداته من جحيم الشارع ووعورة الدروب الجبلية بطينها وحجارتها ورائحة أشجارها، ومثل خيميائي بارع حوّل التراب إلى تبر، معتبراً أن حزبه الوحيد هو الشعر، ذلك أن "المبدع كالنهر الجاري، متى استقرّ تعفّن".
كان الماغوط شاعراً بمشرط جرّاح في تشريح أمراض الجسد العربي المعطوب، ثم ذهب في إغفاءة طويلة ليقينه بأن شيئاً لن يتغيّر في غيابه. في العواصف التي اجتاحت الخرائط العربية بعد سنوات على رحيله، كان حاضراً كمنقذ بلاغي للغرقى.
لكن فرادة شعر الماغوط، لم تمنع أجيالاً من الشعراء من اقتفاء أثر خطواته وتمثّل صورته الشعرية المبتكرة، ولغته النافرة، وربما لهذه الأسباب، تتفق كل الأجيال الشعرية التي جاءت من بعده على أنه الأب الشرعي لقصيدة النثر العربية، وإذا كانت مقولة (قتل الأب) مسألة مشروعة في الإبداع، إلا أنها مع تجربة محمد الماغوط تبدو مسألة خاسرة حتماً. ليس لدى صاحب "غرفة بملايين الجدران" تفسير لهذا الخراب المقيم في الضلوع، سوى أنه ولد في معقل القرامطة، وظل خارجاً على كل النواميس.
البدوي الأحمر بعكازين وكرسي متحرك
-
كان محمد الماغوط شاعراً بمشرط جرّاح
في سنواته الأخيرة، لم يعد محمد الماغوط ذلك المتسكّع والغاضب والفوضوي، هو الذي قال يوماً "لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء"، فقد داهمته خيانات الجسد.
هكذا لجأ إلى عكازين لمساعدته في عبور الشارع، ثمّ اعتزل في بيته تماماً لينتهي به الأمر على كرسي متحرّك. لن نستغرب إذاً بأن يختار عنواناً أصيلاً لكتابه الأخير يتواءم مع سيرته المضطربة هو "البدوي الأحمر". عنوان يعبّر بعمق عن صورته الأخيرة، فالشاعر النهم للحياة والترحال انتهى إلى عزلة اختيارية، بعدما عاف الشهرة وأضواءها.
رجل هرم لا يغادر أريكته الزرقاء. سوداوي ومحزون وأعزل، أحس متأخراً بأن الديار طلبت أهلها. الحنين إلى مسقط الرأس أيقظ بداوته الأولى، متخففاً مما علق بها من أمجاد وخيبات وانكسارات وهزائم. فاستبدل بالعتابا التي كان يرويها مغنون مجهولون على الربابة، اسطوانات باخ وشوبرت وبيتهوفن، قبل أن يُدفن في "السلمية" عند حدود بادية الشام، مغلقاً قوس حياته تحت تراب طفولته ويفاعته الأولى، الأرض التي وصفها يوماً بأنها "الدمعة التي ذرفها الرومان على أول أسير فكَّ قيوده بأسنانه ومات حنيناً إليها".
انقلاب أبيض من دون إيقاع وأوزان
-
أنسي الحاج
هكذا رسم الماغوط حدود مملكته المستقلة، بعد أن نصبَ راياته المنكّسة، وأعلن نشيده الوطني الخاص. قاد انقلاباً أبيض، من دون إيقاع أو أوزان، كما أنه لم يتكئ على الأسطورة كما فعل بدر شاكر السياب، ولم يوغل بالأفكار مثل أدونيس، ولم يقرأ الشعر الفرنسي كي يلتحق بتجارب شوقي أبي شقرا، وأنسي الحاج، وتوفيق صايغ.
كما أنه أدار ظهره للتراث، ليراهن على أتون التجربة الفردية وحسب. الفرد الأعزل والهامشي والصعلوك الخارج من جحيم القاع. هكذا حصد اعتراف الجميع، وراح ينسج بنولٍ خشن أوجاعه وآلامه ومكابداته بأقصى حالات التكثيف الشعري، لتحتل الصورة المدهشة واجهة القصيدة، فالماغوط مبتكر صورة في الدرجة الأولى، صورة تنهض على المفارقة وتمتحن مفردات الحرية ببسالة، وإذا بالعالم يتحوّل إلى سجن وقفص وجدار كتيم للصراخ والشكوى والسخط.
نستعيد محمد الماغوط، ليس من باب الذكرى، بل من موقع الشاعر الرائي الذي راهن على الكلمة في إعادة الاعتبار للإنسان العربي المكبّل بالأصفاد في كافة أشكالها، فأنشأ معجمه اللغوي الخاص القائم على الخشونة والرفض والاحتجاج.
قصيدة الماغوط في مرآة أخرى، هي حداء صحراوي مثقل بالألم، وغنائية شجية تستخرج من مفردات الحياة اليومية إيقاعها ومجازها، وإذا بها تتجاوز ما هو مألوف نحو معجم مبتكر بأبجدية جديدة تذهب بالمعنى إلى تخوم أخرى، وحساسية تقترب من جماليات نثر الواقع، حساسية تجد في التشبيه بنية أساسية للمفارقة.
هكذا تصبح (كاف التشبيه) جوهر كيمياء الشعرية لديه على خلفية من غضب أبدي، لا تنظمه أيديولوجيا سوى فردانيته وضجره كشاعر أرصفة ومقاهٍ، شاعر متشرّد محبط لا يراهن على الأحلام في ظل عسف جماعي طال كل ما يحيط به "شعر واقعي لا يحلّيه الأمل، ولا يبهره اليأس"، بحسب ما تقول عنه خالدة سعيد.
جرس إنذار للكارثة المقبلة
-
قصيدة الماغوط في مرآة أخرى هي حداء صحراوي مثقل بالألم
فرادة محمد الماغوط إذاً، تتمثّل في أنه لم يبع الأمل يوماً، إذ لطالما كان يقرع جرس الإنذار منبهاً إلى الكارثة المقبلة "اهربي أيتها الغيوم، فأرصفة الوطن، لم تعد جديرة حتى بالوحل"، ثم يكمل مرثيته بقوله "حسناً، أيها العصر لقد هزمتني، ولكني لا أجد في كل هذا الشرق مكاناً مرتفعاً، أنصبُ عليه راية استسلامي"، و"لحظة يأس أصيل أو خوف أصيل، أجدى من ألف سنة من الأمل الكاذب أو الشجاعة الزائفة".
إنها هزيمة الفرد في المقام الأول، وليست الهزيمة التي تغنّى بها شعراء جيله، أو ما سمي "شعراء جيل النكسة"، لقناعته أن هزيمة الذات المكلومة، والكرامة المطعونة في وضح النهار هي الهزيمة الأشدّ فتكاً وضراوة.
لكنه في المقابل بدا وكأنه يخوض في أرضٍ زلقة، يصعب أن تُلمس تضاريسها في أرض التجربة، فهو عمليّاً بنى سلّماً من الغبار، ورمى سفينته في بحرٍ من الحبر، ثم راح يصارع أمواج المجاز، فالعالم الذي أسس له، ونادى به، كان من المستحيل أن يتحقق إلا على أرض اللغة وحدها.
في سنواته الأخيرة، لم يعد الماغوط ذلك المتسكّع الغاضب، فقد داهمته خيانات الجسد. لجأ إلى عكازين ثم إلى عزلة تامة، لينتهي به الأمر على كرسي متحرّك، بعيداً عن صخب الحياة التي طالما كتب عنها.
اللغة الطليقة المشحونة بالصور الكابوسية المفزعة التي تضع المتلقي في لجة عاصفة هوجاء تزلزل طمأنينته التي ركن إليها طويلاً، فهذا شاعر يحمل مهمازاً حاداً ينكأ به كل ما هو مستقر، ليوقظنا من غيبوبتنا الطويلة، مراهناً على بكارة اللغة وتخليصها مما تلطّخت به من آثام "اتسخت اللغة من سوء الاستعمال، بل اغتصبت وفقدت عذريتها على أيدي الدجّالين من الخطباء والشعراء"، يقول. نسأله: ما هو مستقبل الشاعر العربي؟
يجيب باطمئنان: "إن مستقبل الشاعر العربي في ملعقته".
أجل لم يغب صاحب "غرفة بملايين الجدران" لحظةً واحدة، فلديه لكل داء دواء، لكنه، في مرآة أخيرة، سيعترف بهزيمته أمام ثقل الأهوال:
" أخذوا سيفي كمحارب وقلمي كشاعر وريشتي كرسام وقيثارتي كغجري...
وأعادوا لي كل شيء وأنا في الطريق إلى المقبرة...
ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟".
