عبد الرحيم الصايل تحت وطأة الاكتئاب.. من ينقذ الشاعر حين تعجز القصيدة؟

هل تكشف معاناة الشاعر المغربي عبد الرحيم الصايل مع الاكتئاب عن ثقافة تحتفي بإبداع الشعراء لكنها تعجز عن حمايتهم في لحظات الانكسار؟

  • عبد الرحيم الصايل تحت وطأة الاكتئاب.. من ينقذ الشاعر حين تعجز القصيدة؟
    عبد الرحيم الصايل تحت وطأة الاكتئاب.. من ينقذ الشاعر حين تعجز القصيدة؟

ثمة لحظات يضع فيها الأدب الوسط الثقافي أمام امتحان يتجاوز القصيدة والنقد والنشر والاحتفاء بالأسماء. لحظات يصبح فيها السؤال عن الإنسان أسبق من السؤال عن إبداعه، ويغدو الإنصات إلى صرخته مسؤولية أخلاقية تستدعي فعلاً ملموساً. 

ما يعيشه الشاعر المغربي، عبد الرحيم الصايل، وفق النداءات التي أطلقها أصدقاؤه وزملاؤه خلال الأيام الأخيرة، يضعنا أمام واحدة من هذه اللحظات القاسية. إذ خرجت معاناته إلى العلن، وصار الألم الذي يواجهه حاضراً في الفضاء الرقمي، مرئياً ومسموعاً، ومفتوحاً أمام جمهور يتابع البث المباشر، فيما يتصاعد القلق بشأن قدرته على تجاوز محنته من دون رعاية ومساندة مستمرتين.

منذ 23 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، نقلت صحف محلية مغربية وأخرى عربية نداءات استغاثة أطلقها شعراء ومثقفون مغاربة للمطالبة بالتدخل لمساعدة الصايل، الذي يقيم بمدينة سطات، ويواجه، بحسب ما أورده المقربون منه، أزمة نفسية وصفوها بأنها حادة ومرتبطة بالاكتئاب. 

وتوالت النداءات خلال الأيام الأخيرة، مع دعوات إلى تضافر جهود الأصدقاء والفاعلين الثقافيين والمؤسسات المعنية.

وفي سياق هذه التحركات، أعلن المكتب التنفيذي لــ "اتحاد كتاب المغرب"، في بلاغ أول من أمس الجمعة، أنه باشر منذ أيلول/سبتمبر الماضي اتصالات مع مؤسسة استشفائية بمدينة سلا، إثر تواصل الشاعر عبد الرحيم الخصار معه بشأن الوضع الصحي للصايل. 

الشعر الذي يوقظ فينا حساسية تجاه آلام الآخرين يفقد شيئا من معناه حين نعجز عن الإصغاء إلى ألم شاعر بيننا. لذلك ينبغي أن تظل قضية عبد الرحيم الصايل حاضرة إلى أن تتحول النداءات إلى متابعة ملموسة، وأن تصبح العناية بالمبدعين ممارسة مستمرة، لا وعدا عابرا تطلقه لحظة من القلق ثم تنساها الأيام.

وأوضح الاتحاد أن المؤسسة سبق أن استقبلت الشاعر وعاينت حالته، وأنه عبّر آنذاك عن شعوره بتحسن ملحوظ، ما أفضى إلى الاتفاق على ترتيب زيارة ثانية. 

ومع تجدد حملة التضامن، أعاد الاتحاد التواصل مع المؤسسة، التي أكدت استعدادها لاستقباله مجدداً عند الحاجة، بما في ذلك خلال عطلة نهاية الأسبوع إذا استدعت حالته تدخلاً عاجلاً.

وتظل هذه الخطوات مهمة، غير أن خطورتها الإنسانية تفرض متابعة عملية تضمن استمرارية الرعاية، بدل الاكتفاء بإعلان الاستعداد لتقديمها. ومع أهمية هذه المساعي، فإن الإعلان عن استعداد مؤسسة طبية لاستقبال الشاعر لا يكفي وحده للاطمئنان إلى حصوله على الرعاية اللازمة واستمرار متابعته، وهو ما يجعل التنسيق بين المعنيين ضرورة تتجاوز لحظة التضامن العابر.

أصدقاء يتحركون 

  • عبد الرحيم الصايل
    عبد الرحيم الصايل

ما يستوقفنا في حالة الصايل يتجاوز الخبر في حد ذاته. فالشاعر الذي اعتاد أن يتقاسم مع الآخرين نصوصه وتأملاته، يجد نفسه اليوم في مواجهة ألم يعبّر عنه علناً، وقد أثارت إطلالاته وتعبيراته العلنية المصورة عن معاناته قلق عدد من متابعيه والمقربين منه، الذين رأوا فيها مؤشراً إلى حاجته لدعم جاد ورعاية متخصصة. وحين يعبّر الإنسان عن وجعه أمام الناس، ويكشف عن عجزه عن احتمال ما يمر به، فإن المشهد يستدعي منا قدراً مضاعفاً من الانتباه والمسؤولية.

ينبغي ألّا تتحول هذه اللحظات إلى مادة للفرجة، أو إلى مشاهد عابرة تستثير الشفقة ثم تنتهي بانتهاء البث. وراء الشاشة إنسان يحتاج إلى من يصغي إليه، ويقترب منه، ويساعده على الوصول إلى الرعاية المناسبة، ويحفظ له كرامته في الوقت الذي تضعف فيه قدرته على مواجهة معاناته منفرداً.

لا تسمح هذه المشاهد وحدها لأي منا بتشخيص الحالة النفسية للشاعر أو الجزم بتفاصيلها الطبية. فذلك من اختصاص المهنيين المؤهلين، ومن حق الشاعر أن تُصان خصوصيته. غير أن النداءات العلنية، وما تنقله الصحافة عن أصدقائه، يكفيان لإدراك أن الأمر يحتاج إلى استجابة جادة. ذلك أن الاكتئاب، حين يشتد، قد يثقل قدرة الإنسان على تدبير حياته اليومية، ويؤثر في علاقاته ونظرته إلى ذاته وإلى المستقبل. وتقتضي مواجهته رعاية متخصصة، ومتابعة ملائمة، ومحيطاً اجتماعياً يخفف العزلة ويعين الشخص على الاستمرار في العلاج. أما مطالبة المتألم بأن يتحلى بالقوة، أو انتظار أن يستعيد توازنه بإرادته وحدها، فقد تزيد شعوره بالوحدة، مهما كانت النوايا طيبة.

لقد تحرك أصدقاء الصايل من الشعراء والمثقفين، وفي مقدمتهم الشاعر عبد الرحيم الخصار، إلى جانب أصوات ثقافية أخرى، كما تدخل "اتحاد كتاب المغرب" عبر اتصالاته بالجهات الصحية المعنية، في جهود تكشف عن قيمة الصداقة حين تغادر حدود المجاملة وتتحول إلى التزام. 

وقد برزت أسماء أدبية وثقافية طالبت بالتدخل، من بينها: الشاعرة إيمان الخطابي، والناقد صالح لبريني، والشاعرة زكية المرموق، الذين دعوا إلى تقديم المساعدة وتوفير الرعاية اللازمة للشاعر.

ويستحق هذا التضامن التقدير، لأنه يرفض ترك الشاعر وحيداً في مواجهة أزمته، ويعيد التذكير بأن العلاقة بين المبدعين ينبغي أن تقوم على التآزر، خصوصاً حين تعجز الكلمات عن تخفيف الألم.

ومع ذلك، فإن التضامن، على أهميته، يحتاج إلى ما يترجمه على أرض الواقع. فالتدوينات والتعليقات ورسائل المساندة تستطيع أن تفتح باب الانتباه، وأن تكسر الصمت المحيط بالمعاناة، لكنها لا تقوم مقام العلاج النفسي والطبي، ولا توفر وحدها شروط الاستقرار الاجتماعي، بل قد تحدث أحياناً أثراً عكسياً في لحظات الهشاشة، خصوصاً حين يتحول البث المباشر، الذي يعبّر فيه الشاعر الصايل عن معاناته الإنسانية، إلى مساحة للتعليقات والتأويلات وردود الفعل التي قد تزيد وطأة الألم بدلاً من تخفيفه. 

تحتاج الثقافة إلى سياسة اجتماعية وإنسانية ترافق العاملين فيها، وتنتبه إلى هشاشتهم المادية والنفسية، وتتيح لهم سبل الوصول إلى الدعم حين تشتد الأزمات.

يحتاج الشاعر إلى خطة واضحة للمواكبة، وإلى تنسيق بين الجهات الصحية المختصة والأشخاص الذين يثق بهم، وإلى متابعة تحترم خصوصيته وتراعي احتياجاته الفعلية. كما يحتاج إلى دعم إنساني متواصل، يتيح له الشعور بأن هناك من يرافقه خلال الأيام الصعبة، بعيداً من الضغط الذي قد تفرضه عليه كثافة التفاعل العام أو توقعات الجمهور. فالعملية الإبداعية قد ترافقها توترات وأسئلة وجودية شاقة، وحين تتداخل مع أعباء الحياة وضغوطها الاجتماعية والنفسية، قد تتضاعف هشاشة الإنسان ويصبح أكثر حاجة إلى السند والرعاية.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات المكلفة بالشأن الثقافي، من وزارة الشباب والثقافة والتواصل وسائر الهيئات المعنية. فالعناية بالمبدع لا ينبغي أن تبدأ عند صدور كتاب، أو تنظيم أمسية، أو توزيع جائزة، ثم تنتهي بانتهاء المناسبة. 

تحتاج الثقافة إلى سياسة اجتماعية وإنسانية ترافق العاملين فيها، وتنتبه إلى هشاشتهم المادية والنفسية، وتتيح لهم سبل الوصول إلى الدعم حين تشتد الأزمات. ولا يعني ذلك أن تتحول المؤسسات الثقافية إلى بديل عن المرافق الصحية، وإنما أن تضطلع بدورها في التنسيق والإحالة والمواكبة، وأن تساعد على بناء جسور عملية بين المبدع والجهات القادرة على تقديم الرعاية.

إن المبدع يعيش في كثير من الأحيان توتراً مستمراً بين العالم الذي يسكنه والعالم الذي يفرض شروطه عليه. وقد تتغذى الكتابة من القلق والفقد والخيبة والأسئلة التي تعجز الحياة اليومية عن الإجابة عنها. ويستطيع الألم، في بعض التجارب، أن يفتح للقصيدة أفقاً جديداً، وأن يمنح اللغة حساسية تجاه ما يتوارى خلف المظاهر. 

المعاناة ليست شرطاً للإبداع.. فمن ينقذ الشاعر المعذّب؟

  • عبد الرحيم الصايل
    عبد الرحيم الصايل

غير أن العلاقة بين الإبداع والمعاناة لا ينبغي أن تتحول إلى أسطورة تمجّد العذاب، أو إلى اعتقاد يربط قيمة الشاعر بقدرته على الاحتمال حتى الانهيار. فالمعاناة قد ترافق الكتابة، لكنها لا تمثل شرطاً لازماً للإبداع، ولا تمنح المجتمع حق ترك صاحبها وحيداً في مواجهتها.

لقد اعتاد تاريخ الأدب الاحتفاء بالشاعر المعذّب، وصاغت الثقافة صوراً كثيرة للمبدع الذي يحترق من أجل كلمته. لكن هذه الصورة، حين تتحول إلى مبرر للصمت تجاه الألم الواقعي، تصبح عبئاً إضافياً على الإنسان. فالشاعر يحتاج إلى مساحة يكتب فيها، وإلى محيط يصغي إليه، وإلى شروط تحفظ كرامته وصحته، كما يحتاج إلى حقه في الضعف وطلب المساعدة. 

ولا ينبغي أن ننتظر من المبدع أن يحوّل كل محنة إلى قصيدة، أو أن يستخرج من كل جرح معنى جمالياً يرضي القراء. قد يحتاج، في بعض اللحظات، إلى رعاية تسبق الكتابة، وإلى يد تمتد إليه من دون مطالبته بإنتاج أي شيء في المقابل.

تضعنا تجربة الشاعر أمام سؤال يتصل بطبيعة علاقتنا بالمبدعين، لماذا يسهل علينا الاحتفاء بنصوصهم حين تصل إلينا مكتملة، بينما يصعب أحيانا بناء أشكال مستدامة من الرعاية حين يواجهون أزمات شخصية؟ وكيف يمكن لمجتمع يحتفي بالشعر أن يترك شاعراً يعبّر عن وجعه أمام جمهور واسع، من دون أن تتحول الاستجابة إلى متابعة فعلية تحفظ سلامته؟ لا يتعلق الأمر بإلقاء اللوم على جهة بعينها، أو بإلغاء ما بذل من جهود، ولكن بضرورة الانتقال من الاستجابة الظرفية إلى ثقافة مؤسساتية تجعل العناية بالإنسان جزءا من معنى الثقافة نفسها.

لا ينبغي أن ننتظر من المبدع أن يحوّل كل محنة إلى قصيدة، أو أن يستخرج من كل جرح معنى جمالياً يرضي القراء. قد يحتاج، في بعض اللحظات، إلى رعاية تسبق الكتابة، وإلى يد تمتد إليه من دون مطالبته بإنتاج أي شيء في المقابل.

ويقتضي هذا الانتقال أن يتجاوز التضامن منطق الانتشار الرقمي إلى توزيع واضح للمسؤوليات: أن تتولى الجهات الصحية المختصة تقييم الوضع وتحديد الرعاية المناسبة، وأن تواكب المؤسسات الثقافية جهود التنسيق، وأن يظل الأصدقاء قريبين منه من دون أن يتحملوا وحدهم أعباء تتجاوز إمكاناتهم. 

كما ينبغي التعامل بحذر مع ما ينشر من لحظات ضعفه، وتجنب إعادة تداول المقاطع المؤلمة لمجرد استثارة الانفعال، مع توجيه الانتباه إلى سبل المساعدة العملية. فكرامة الإنسان تظل مقدمة على فضول الجمهور، وخصوصية المريض تستحق الحماية حتى حين تصبح معاناته موضوعاً عاماً.

عبد الرحيم الصايل شاعر يواجه، كغيره من المبدعين الذين قد تعترض حياتهم أزمات نفسية وإنسانية، محنة لا يجوز اختزالها في وصف عابر أو حكم مسبق على مآلها. وهو يحتاج اليوم إلى أن يجد في محيطه ما يعينه على عبور هذه المرحلة، وأن يشعر بأن صوته وصل إلى من يستطيعون تقديم المساعدة، وأن التضامن الذي أحاط به لن يتبدد مع انحسار موجة الاهتمام. وما نتمناه له يتجاوز عودته إلى الكتابة أو استعادة حضوره بين أصدقائه؛ إنه أن يستعيد عافيته، وأن يجد شروطاً أكثر أماناً للعيش، وأن يحظى برعاية تحترم إنسانيته وتستجيب لحاجاته.

يجب ألّا تتحول هذه اللحظات إلى مادة للفرجة، أو إلى مشاهد عابرة تستثير الشفقة ثم تنتهي بانتهاء البث. وراء الشاشة إنسان يحتاج إلى من يصغي إليه، ويقترب منه، ويساعده على الوصول إلى الرعاية المناسبة، ويحفظ له كرامته في الوقت الذي تضعف فيه قدرته على مواجهة معاناته منفرداً.

إن قيمة الثقافة تظهر في الطريقة التي تتعامل بها مع الإنسان حين يصبح عاجزاً عن منح الآخرين ما اعتادوا أخذه منه. فالمبدع الذي منح كلماته للقراء يستحق أن يجد من يسانده حين تضيق به الحياة، من دون أن يكون مطالباً بإثبات جدارته بالتعاطف أو تقديم ما يبرر استحقاقه للرعاية. 

والشعر الذي يوقظ فينا حساسية تجاه آلام الآخرين يفقد شيئاً من معناه حين نعجز عن الإصغاء إلى ألم شاعر بيننا. لذلك ينبغي أن تظل قضية عبد الرحيم الصايل حاضرة إلى أن تتحول النداءات إلى متابعة ملموسة، وأن تصبح العناية بالمبدعين ممارسة مستمرة، لا وعداً عابراً تطلقه لحظة من القلق ثم تنساها الأيام.

 

اخترنا لك