طقوس الإفطار الرمضاني في اليمن: تكافل روحاني وألفة اجتماعية

لطقوس الإفطار الرمضاني فرادتها في اليمن. لماذا وكيف؟

بدءاً من يومه الأول، يعيش اليمنيون أجواء شهر رمضان المبارك، مستمتعين بطقوسه الاستثنائية المقصورة على الحياة اليمنية، وعلى ما يتصل بها من سياقات الثقافة الشعبية المتوارثة، التي منها ما يتعلق بتلك الطقوس، المترعة بروحانية هذا الشهر، كطقوس إفطار الصائمين، بمرحلتيه: إفطار الصائم، وتناوله وجبة العشاء.

طقس الإفطار الجماعي

  • لقد اعتاد اليمنيون على الإفطار الرمضاني الجماعي (رويترز)
    (رويترز)

يتميّز طقس الإفطار الرمضاني في اليمن، بسمته الجماعيّة، العامرة بالألفة، التي تتشكّل من روحانيّةٍ زمنية متمثّلة بهذا الشهر، وروحانية مكانية متمثّلة في المساجد، التي غالباً ما تكون مكاناً لإقامة هذا الطقس الرمضاني، ولا سيما في القرى والتجمّعات الريفيّة.

تبدأ ملامح هذا الطقس، مع اللحظات الأولى من غروب الشمس نهاية كلّ يوم من أيام شهر رمضان؛ إذ يتجلّى في تفاصيل مشهد اجتماعيٍّ فريد، يتوالى فيه خروج رجال كلّ قرية وشبابها، وحتى كثير من أطفالها، من منازلهم متّجهين إلى مسجد القرية، وعلى أكفّهم أطباق وصحون، مُلئت بأنواع مختلفة من أطعمة الإفطار، التي تتناسب مع الحاجة إليها، منها: "الشفوت" [1]، و"الحامضة"[2]، والتمر، و"السمبوسة"، ومسحوق الطماطم، والليمون، وغير ذلك من الأطعمة، التي تتكامل بها تلك المائدة، التي تمثّل وجبة إفطار الصائمين، الذين يتحلّقون حولها، مع موعد أذان المغرب، الذي يعتمد عليه الريفيون في الاطمئنان إلى كمال يوم صيامهم. وعلى أنّ لهذا الأذان الوظيفة نفسها في المدينة، إلّا أنه فيها يختلف عن سابقه؛ في لحظته المصحوبة أو المسبوقة بسماع صوت المدفع الرمضاني، الذي يمثّل إيذاناً بإفطار الصائمين، في عدد من المدن اليمنية.

لقد اعتاد اليمنيون، على الإفطار الرمضاني الجماعي في المساجد، أمّا الإفطار في المنازل فيكاد أن يكون مقصوراً على النساء. وبذلك؛ فإنّ تفاصيل هذا الطقس الرمضاني، قد مثّلت بُعداً حيويّاً من أبعاد الثقافة الاجتماعية، التي توارثها اليمنيون وحافظوا عليها، لمكانتها الأثيرة في نفوسهم، ولما تضفيه عليهم من إحساس بالألفة والتماسك الاجتماعي، ولما يلمسونه فيها، من شعور استثنائي بروحانية الشهر الكريم.

وفي سياق فرادة طقوس الإفطار الرمضاني في اليمن، يأتي ذاك النشاط الاجتماعي، القائم على انتشار عددٍ من الشباب في الطرقات، يستوقفون كلّ سائق تأخّر عن الوصول إلى غايته، ويقدّمون له وجبة إفطار عاجلة، عادة ما تتكوّن من التمر والماء والعصير.

"العشاء" طقسٌ رمضاني

  • طقوس الإفطار الرمضاني في اليمن: تكافل روحاني وألفة اجتماعية

بعد أن ينتهي الصائمون من تناول وجبة الإفطار بتلك الصورة الجماعية في المساجد يؤدّون صلاة المغرب، ثم تبدأ بعدها مراسيم العشاء، بخصوصيتها اليمنية المعتادة، التي من تفاصيلها ما يرتبط منها بدعوات الإفطار. إذ تُعدّ هذه الدعوات ملمحاً رمضانيّاً بارزاً في اليمن، يتسابق عليه كثيرون، كلٌّ يرغب في استضافة أكبر قدر ممكن من الصائمين، داعياً إياهم بإلحاح إلى تناول وجبة العشاء الرمضاني في منزله. 

لكنّ الأمر يختلف مع وجبة السحور، التي لا تحظى بهذا الاهتمام لدى اليمنيين. ولعلّ ذلك عائدٌ إلى أنّ هذه الوجبة لا تصل إلى مكانة وجبة العشاء وما تمثّله من مركزية وأهمية في ثقافتهم الاجتماعية، التي توازي فيها وجبة العشاء الرمضانيّ وجبةَ الغداء في الشهور الأخرى، بوصفها الوجبة الرئيسة التي يُدعى الضيوف إليها، بشكل مختلف عن السائد خارج اليمن، من مركزية وجبة العشاء، وارتباطها بتقاليد الاستضافة والمناسبات، التي تُعقد فيها اللقاءات الاقتصادية والاجتماعية والأخوية.

تحيل هذه التفاصيل المتعلّقة بطقوس إفطار الصائمين ودعوات الاستضافة على موائد العشاء الرمضاني في اليمن، على واحدٍ من السياقات الاجتماعية، التي تتجسّد فيها قيمة الكرم العربية المتقادمة في المجتمع اليمني، التي تتجلى فيه من خلال كثير من السلوكيات الاحتفالية بها. 

ذلك، هو ما أشار إليه المصوّر الأسترالي (ماكس)، في كتابه "رمضان في اليمن"، الذي حاول فيه أن يوثّق الأجواء الرمضانية في اليمن عام 1993؛ إذ كان من ملاحظاته حديثه عن كرم اليمنيين، وتأكيده أنّ الأشخاص كانوا دائماً يرغبون في استضافته، وفي أن يكون جزءاً من رمضان الخاصّ بهم.

ومثلما تمثّل قيمة الكرم واحدة من أهم خصائص المجتمع الريفي في اليمن، فإنها كذلك في مجتمع المدينة، الذي تظهر فيه بصور متسقة مع خصوصيته المكانية والإنسانية العامة؛ حيث عادةً ما يحرص كثيرٌ من الميسورين المقيمين في المدن اليمنية، على إقامة مائدة عشاء في منازلهم طيلة شهر رمضان، وغالباً ما تكون الدعوة إليها عامّة ومفتوحة لكلّ غريب في المدينة، فيتوزّع المحتاجون بعفوية، على عدد من المنازل، التي اعتادت على إعداد مثل هذه الموائد.

وفي السياق نفسه، يأتي دور كثير من أبناء القرى، الذين انتقلوا مع أسرهم إلى المدينة، وأقاموا فيها؛ إذ يحرص كلّ واحد من هؤلاء، على إقامة مائدة عشاء في منزله، يدعو إليها أبناء قريته الموجودين في المدينة بعيداً عن أسرهم المقيمة في قراهم، كطلاب الجامعات، وعمال اليومية، والموظفين، الذين ليس في مستطاعهم تحمّل تكلفة الإقامة مع أسرهم في المدينة.

من ناحية أخرى، تتجلّى طقوس الإفطار الرمضاني وقيمها الاجتماعية في اليمن، من خلال تلك العادة المرتبطة بتبادل أطباق الأطعمة الرمضانية بين الجيران. ويقوم هذا التقليد، على نوع من التفاهم المسبق، بين نساء الأسر المتجاورة، والتوافق الضمنيّ بينهن ــ في عصرية كلّ يوم رمضاني ــ على نوعية الأطعمة التي ستقوم نساء كلّ أسرة بإعدادها. وعلى ضوء ذلك، تقدّم كلّ أسرة إلى الأسرة المجاورة لها طبقاً من الطعام، الذي تعرف مسبقاً أنه لم يكن ضمن قائمة الأطعمة، التي قامت بإعدادها. والأمر نفسه في الأسرة الأخرى، التي تفعل الأمر نفسه، مقدّمة طبق طعام، لم يكن ضمن قائمة أطعمة الأسرة المجاورة لها.

مبادرات الخير

يمثّل شهر رمضان في اليمن مناسبة لبذل الخير وتفقّد أحوال الفقراء؛ إذ غالباً ما يبادر الأغنياء في هذا الشهر إلى الاهتمام بالفقراء والمحتاجين، وتقديم المساعدة والعون لهم، فيتشكّل من هذا الأمر نسقٌ من التكافل الاجتماعي، القائم على التراحم بين الناس، من خلال الاعتناء بالمحتاجين، والفقراء، والمساكين، والأرامل، واليتامى، وكل من تندرج حاله ضمن الفئات المحتاجة إلى التفات الميسورين، وفاعلي الخير والجمعيات الخيرية والاجتماعية المختلفة، التي يقوم كثيرٌ منها بالإعداد المسبق، لآلية خاصة بتوزيع المساعدات على المستفيدين، الذين غالباً ما تكون أسماؤهم قد دوّنت في كشوف خاصة بهم، تتمّ العودة إليها في شهر رمضان من كلّ عام، وعلى ضوئها يتمّ صرف المستحقات لكلّ اسم ورد فيها، أو تمّت إضافته إليها، في عمليات تحديثها، التي عادة ما يتمّ إجراؤها كلّ عام، قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان المبارك.

[1] يتكوّن طبق "الشفوت" اليمني، من "اللحوح" (خبز رقيق مصنوع من دقيق القمح أو الذرة الرومية)، يتمّ إعداده بوضع هذا النوع من الخبز في إناء، ثم بالإضافة إليه مخفوق اللبن المخلوط بالنعناع الأخضر، مع مقادير مناسبة من البهارات والتوابل والكزبرة والكرنب والثوم. كما تدخل في إعداده أنواعٌ أخرى من الخضار.
[2] "الحامضة": حلبةٌ مخفوقة يضاف إليها الخل والسكر، ويغمس الفجل بداخلها.

اخترنا لك