طغيان القوة (2): الإنسان في المرآة الإبستينية!
إننا إذ نشهد انحطاط الخطاب السياسي إلى أدنى درجاته، فإننا نشهد أيضاً ميلاد وعي جديد. وعي يدرك أن الخلاص ليس في انتظار قادة جدد، بل في استعادة الإنسان لقيمته، وفي رفض اختزال الحياة في صفقة.
-
صورة غير مؤرخة لجيفري إبستين ودونالد ترامب (مصدر الصورة: الديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب)
فيما تتداعى المعاني وتتفسخ القيم، نقف أمام مشهد سياسي عالمي يخلع عن وجهه أقنعةَ الإنسانية الزائفة التي طالما تغلف بها. لقد أزاح عصرنا الراهن الستائر الثقيلة التي كانت تخفي وحشية السلطة خلف شعارات الحرية والمساواة والإخاء، فإذا بنا أمام عريٍّ سياسي مكشوف، أمام ما يمكن تسميته "الطبقة الإبستينية" – نسبةً إلى جيفري إبستين، ذلك الرجل الذي جمع في قصره نخبة السياسيين ورجال الأعمال والمشاهير، ليس فقط لاستغلال الأطفال جنسياً، بل ليؤسس لطقس يومي جديد: طقس التضحية بالإنسان على مذبح المصالح.
إنها طبقة لا تعترف إلا بلغة الصفقات والدم، تجتمع في جزر خاصة وعلى متن يخوت فارهة لتقسيم العالم كغنيمة، بعيداً عن أعين الشعوب.
الإبستينية: لماذا الآن؟
ليس غريباً أن يرتبط اسم جيفري إبستين بهذه الظاهرة؛ ففضيحته لم تكن مجرد فضيحة جنسية عابرة، بل كشفت عن شبكة عنكبوتية تمتد خيوطها من واشنطن إلى لندن، مروراً بالعواصم المالية الكبرى. إنها تكشف أن النخبة الرأسمالية الجديدة لا تكتفي باستغلال الشعوب اقتصادياً، بل تمارس نوعاً من الاستغلال الوجودي، حيث يصبح جسد الإنسان – خاصة الضعيف – سلعةً تُباع وتُشترى، وتُهدى في صفقات مغلقة.
هذه النخبة تدرك أن السيطرة على الموارد لا تكتمل من دون السيطرة على الأجساد والأرواح، تماماً كما فعل أباطرة الرقيق في الماضي، لكن بقفازات حريرية وطائرات خاصة.
ما يميز الإبستينية اليوم هو الوقاحة الأخلاقية؛ ففي الماضي، كانت النخب تخفي فسادها خلف جدران القصور، أما اليوم فباتت تتفاخر به على منصات التواصل، وتُحوّله إلى علامة على النجاح والقوة. إنها ثقافة "ما بعد الخجل"، حيث لم تعد هناك خطوط حمراء، ولا فضائح مدوية، لأن الفضيحة نفسها أصبحت مادة للترفيه والتسويق.
ترامب والسياسة بلا قناع
ما أشدّ ما يصدم المتأمل في خطاب السياسي الأميركي دونالد ترامب، ليس فقط فجاجة الطموح أو قسوة الرغبة في الهيمنة، بل ذلك الفراغ المدوّي من أيّ بعد إنساني. إنه نموذج صادق لسياسي يخلع عن السياسة رداءها الأخلاقي المزعوم، فيكشف عن جوهرها العاري: صفقة هنا، غاز هناك، نفط، مال، جيش أقوى... كلمات تتكرر كطلقات رصاص في فراغ وجودي لا يسكنه إنسان.
ترامب يرى العالم سوقاً كبيرة، والبشر بضاعة، والحروب عقوداً تجارية، والدماء أرقاماً في دفاتر الحسابات. وهو في ذلك ليس شاذاً، بل هو الابن الشرعي لعصر "ما بعد الإنسانية"، عصر تحولت فيه السياسة إلى فرع من فروع إدارة الأعمال.
لقد كانت الإمبراطوريات القديمة، في وحشيتها نفسها، تحرص على أن تقدّم للعالم روايةً أخلاقيةً عن "عبء الرجل الأبيض" أو "رسالة التمدين" أو "تحرير الشعوب".
أما اليوم، فقد أسقطت السياسة قناعها، وباتت تتفاخر بخلوّها من أيّ مبدأ إنساني. خطاب ترامب عن "أميركا أولاً" لم يكن مجرد شعار قومي، بل إعلان صريح بأن الإنسانية جمعاء يمكن التضحية بها من أجل مصلحة ضيقة.
من فلسفة التنوير إلى نيتشه
كيف وصلنا إلى هنا؟ إن تحول السياسة إلى "لعبة أغنياء" له جذور فلسفية عميقة. لقد بشرت الحداثة بسيادة العقل والقيم الكونية، لكنها في الوقت نفسه زرعت بذور العدمية. عندما أعلن نيتشه "موت الإله"، لم يكن يتنبأ فقط بانهيار الميتافيزيقا، بل بانهيار كل القيم المتعالية التي تضبط السلوك البشري. وفي غياب الإله، أصبح الإنسان هو المعيار الوحيد، ثم تحول المعيار إلى "إنسان القوة" عند نيتشه نفسه، ثم تحول في القراءة الشعبوية إلى "إنسان المال والسلطة".
الرأسمالية المتأخرة، كما حللها فريدريك جيمسون، حوّلت كل شيء إلى سلعة، حتى الأخلاق والمعتقدات. وأصبحت النخبة الجديدة لا ترى في العالم إلا فرصاً للاستثمار، وفي البشر إلا مستهلكين أو عوائق. هذه النظرة الآلية للوجود هي التي تنتج سياسيين مثل ترامب، ورجال أعمال مثل إبستين، ونخباً تتاجر بدماء الشعوب كما تتاجر بالأسهم في البورصة.
كيف تتحول النخبة إلى وحوش؟
تكشف تجربة "سجن ستانفورد" الشهيرة (1971) التي أجراها فيليب زيمباردو كيف يمكن للسلطة المطلقة أن تحوّل أناساً عاديين إلى جلادين. لكن الأمر هنا مختلف: نخبة إبستين لم تكن أناساً عاديين، بل كانت نخبة مختارة بعناية، تمتلك المال والنفوذ، وتعتقد أنها فوق القانون.
علماء النفس يصفون هذه الشخصيات بأنها تمتلك "ثلاثي الظل": النرجسية المرضية، والميكيافيلية (البراغماتية المتطرفة)، والافتقار إلى التعاطف. إنها شخصيات ترى الآخرين مجرد أدوات، ولا تشعر بالذنب أو الندم.
اللافت أن هذه الصفات نفسها هي التي تسمح بالصعود في عالم المال والسياسة اليوم. فالمنافسة الشرسة تتطلب من يراوغ ويتحايل ولا يتورع عن استخدام أي وسيلة. وهكذا تنتج الأنظمة نفسها قادتها: ليس الأكثر حكمة أو أخلاقاً، بل الأكثر قدرة على التعامل مع العالم كغابة.
الإعلام الجديد: مسرح للوحوش
لولا ثورة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لما استطاع ترامب وغيره من السياسيين الشعبيين الوصول إلى السلطة. هذه الوسائل لا تنقل الخبر فقط، بل تخلق شخصيات اصطناعية تختزل السياسة في تغريدة ومشهد.
الإعلام الجديد يحب الفجاجة والفضائح، لأنها تدر مشاهدات وأرباحاً. وهكذا تدور حلقة مفرغة: السياسي يقدم فجاجته، والإعلام يضخمها، والجمهور يستهلكها، ثم يُعاد تدويرها في صورة قناعات جديدة.
في هذا السياق، يصبح النفاق السياسي القديم غير مجدٍ. لم يعد الجمهور يصدق الخطابات الرنانة عن الحرية والديمقراطية، بل ينجذب إلى "الصدق الزائف" الذي يقدمه السياسي الفج، لأنه يبدو أكثر واقعية من أسلافه المنافقين.
المفارقة أن هذا "الصدق" هو في الحقيقة أعمق أنواع الكذب، لأنه يخفي وحشية مطلقة تحت قناع الصراحة.
غزة ولبنان نموذجاً
لكن ربما لا يوجد مشهد يجسّد هذه "الإبستينية" السياسية بوضوح أكثر مما يحدث اليوم في غزة ولبنان. ففي هذه القطعة الصغيرة من الأرض، تتكشف وحشية النظام العالمي بلا قناع. مشاهد الأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، والمستشفيات تُقصف، والخيام تُحرق، والجوع يُستخدم سلاحاً، كلها ليست مجرد "أخطاء عسكرية" أو "أضرار جانبية"، بل هي تعبير عن فلسفة سياسية جديدة تتعامل مع الإنسان كعقبة في طريق المصالح.
ما يحدث في غزة ولبنان يتجاوز مفهوم "الحرب" بالمعنى التقليدي. إنه نموذج مختبري للسياسة الإبستينية: سلطة مطلقة تمتلك أحدث أسلحة العالم، تواجه شعباً أعزل في أكبر سجن مفتوح في التاريخ، ووطناً صغيراً لا يملك جيشه أبسط وسائل الدفاع عن نفسه، تحت نظر وسمع العالم كله.
مع ذلك، يستمر القتل، وتستمر خطابات "حق الدفاع عن النفس"، ويتواصل التمويل العسكري، وتُستمرأ المشاهد. لقد وصل الانحطاط الأخلاقي إلى درجة أن قتل الأطفال أصبح مادة للجدل السياسي، والموت بالآلاف أصبح مجرد "رقم" في معادلة الصراع.
في هذا السياق، تتجلى ازدواجية المعايير الغربية بوضوح صادم: دموع على أوكرانيا، وصمت على غزة. خطابات عن القانون الدولي تنتهي عند حدود "إسرائيل". ومصطلحات "الإرهاب" و"الديمقراطية" تصبح مرنة كالمطاط، تُشدّ وتُرخى حسب الهوية والانتماء. إنها ليست مجرد سياسة، بل هي طقس يومي لتأكيد أن هناك بشراً من درجة أولى، وآخرين من درجة عاشرة، يمكن التضحية بهم من دون حساب.
وفي لبنان أيضاً، مشهد آخر بقالب مختلف: انهيار اقتصادي يفتك بالشعب، ومؤسسات دولية تملي شروطها كمن يوزع الصدقات، وقوى سياسية محلية تتاجر بدماء الفقراء. وفي فلسطين كلها، الاستيطان يتوسع، والتهجير مستمر، والحقوق تُباع وتُشترى في صفقات سياسية مغلقة.
هذه المشاهد المتكررة في غزة، لبنان، وإيران التي غُدر بها مرتين أثناء المفاوضات، ترسل رسالة واحدة: لم تعد هناك قداسة للإنسان، ولا حرمة للمقدسات. العالم تحول إلى غابة كبيرة، والطبقة الإبستينية تمسك بزمام السلطة فيها، تقسم الغنائم وتقرر من يحيا ومن يموت.
الإمبريالية الجديدة: من أوكرانيا إلى غزة
هذا التحوّل في الخطاب ليس مجرد نزوة شخصية لسياسي نرجسي، بل هو تعبير عن تحولات عميقة في بنية النظام العالمي الجديد. إنه ولادة مشوهة لنظام يخرج من رحم الحروب، ليس على أنقاض المدن فحسب، بل على جثث البشر أيضاً.
في أوكرانيا يسقط القتلى بالآلاف، وكأنها حرب بالوكالة تُلعب على ظهور الأوكرانيين. وفي غزة، يُقتل الأطفال تحت الأنقاض بينما تتحدث القنوات عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها". اللغة نفسها تفقد معناها: "الدفاع" أصبح مرادفاً للهجوم، و"حقوق الإنسان" أصبحت ورقة مساومة، و"المجتمع الدولي" مجرد مشاهد صامت.
الطبقة الإبستينية هي نتاج طبيعي لعصر أعلن موت القيم، وسخر من المبادئ، وجعل من النفاق السياسي فضيلة إن أدت إلى غاية. إنها طبقة ترى في السلطة غايةً لا وسيلة، وفي المال قيمةً لا أداة، وفي الهيمنة مصيراً لا خياراً. وهي في هذا تشبه أولئك الذين حذّر منهم الفلاسفة منذ أفلاطون، حين وصف أسوأ أنواع الحكام بأنهم الذين لا يحكمون إلا من أجل أنفسهم.
لكن المأساة الأعمق أن هذه الطبقة لا تمثل انحرافاً عن القاعدة، بل هي تعبير صادق عن روح العصر. لقد صرنا في زمن صارت فيه السياسة لعبة يتقنها أسوأنا لا أفضلنا. زمن تخلت فيه الإنسانية عن أحلامها الكبرى، واكتفت بصفقات صغيرة. زمن صار فيه القتل تجارة، والحرب صفقة، والدم سلعة.
الإنسانية لم تمت بعد
مع ذلك، تبقى في النفس الإنسانية شعلة تقاوم هذا الانطفاء الكبير. تبقى أصوات ترفض أن يكون العالم مجرد سوق كبيرة، وأن يكون الإنسان مجرد رقم في معادلات السلطة. تبقى تلك النظرات في عيون الأطفال المشردين، وتلك الصلوات في البيوت المهدمة، وتلك القصائد التي تكتب على أنقاض المدن. كلها تشهد أن الإنسانية لم تمت بعد، وأنها ستظل تقاوم، حتى في أحلك لحظاتها، هذا التوحش الجديد الذي يلبس ثياب السياسة.
وفي غزة ولبنان رغم كل هذا الدمار، يخرج الناس من تحت الأنقاض وهم يهتفون للحياة. أطفال يولدون في خيام النزوح، وأمهات يرضعن أطفالهن وسط القصف، وشباب يكتبون أسماءهم على أكفانهم قبل أن يخرجوا لمساعدة جيرانهم. هذه ليست مشاهد درامية فقط، بل هي مقاومة يومية، مقاومة الوجود ذاتها. إنه إصرار على أن لا تُختزل الحياة في صفقة، ولا يُختزل الإنسان في رقم.
في كل مكان، تظهر حركات مقاومة جديدة: حركات المناخ التي تقول إن الأرض ليست ميراث أجدادنا بل استعارة من أحفادنا، حركات العدالة الاجتماعية التي تفضح سياسات الهيمنة، حركات المقاطعة الاقتصادية التي تحاول أن تضرب الإمبريالية في مقتلها (في مكمن قوتها: المال). وفي العالم العربي، لا يزال وجدان الشعوب حي رغم كل ما جرى، كتذكير بأن الشعوب يمكن أن تنتفض، وأن الجدران يمكن أن تسقط.
إننا إذ نشهد انحطاط الخطاب السياسي إلى أدنى درجاته، فإننا نشهد أيضاً ميلاد وعي جديد. وعي يدرك أن الخلاص ليس في انتظار قادة جدد، بل في استعادة الإنسان لقيمته، وفي رفض اختزال الحياة في صفقة، وتحرير الوجود من سطوة المال والسلطة.
هذا الوعي الجديد يحتاج إلى أدوات: تربية تنقدية تحرر العقول من أسطورة "القائد المنقذ"، إعلام بديل يكسر احتكار الصورة، فن يعيد للإنسان كرامته المهدورة، وتضامن عالمي يتجاوز الحدود. إنها مهمة شاقة، لكنها ليست مستحيلة. فالإنسانية أثبتت عبر التاريخ أنها تستطيع النهوض من تحت الرماد، وأنها تحمل في أعماقها سرّاً لا يموت: القدرة على الحلم والأمل والمقاومة.
فهل نستطيع، وسط هذا الخراب، أن نصنع فجراً جديداً لا تُقرأ فيه السياسة بمعزل عن الإنسانية؟ السؤال مفتوح، والأجيال القادمة هي التي ستحكم علينا: هل كنا مجرد متفرجين على مذبحة الإنسانية، أم كنا جزءاً من صحوتها الأخيرة؟