طغيان القوة أو "دبلوماسية" التوحّش
التاريخ لم يحسم أمره بعد، والمعركة النهائية ليست فقط بين إمبراطوريات تحلم بالهيمنة، بل بين منطق الهيمنة نفسه ومنطق الكرامة الإنسانية والعدالة المشتركة.
في زمن بات فيه الكلام السياسي مجرد صدى لقعقعة السلاح، وتهاوت فيه القيم الإنسانية أمام صنمية المصالح، نشهد اليوم مشهداً دبلوماسياً بالغ القسوة. إنه مشهد العودة إلى "قانون الغاب" حيث القوة وحدها تصنع الشرعية، وحيث تغيب اللياقات الدبلوماسية التي ظل العالم طوال عقود يظنّها حدّاً أدنى من التحضّر في العلاقات الدولية.
ما نراه اليوم ليس مجرّد تصلّب في المواقف السياسية، بل هو تحوّل جذري في طبيعة الخطاب، إذ باتت التصريحات الرسمية، ولا سيما الصادرة من واشنطن، تخلو من أيّ بعد إنساني أو أخلاقي.
الرئيس الأميركي نفسه، الذي يزعم أنه رمز للقيادة العالمية، لم يعد يتحرّج من التصريحات التي تكسر الأعراف الدولية، بل ويتجاوزها إلى التهديد بالاستيلاء على أراضي الحلفاء أنفسهم. لقد صار الحديث عن "شراء غرينلاند" أو "ضمّ كندا" أو حتى التلويح باستخدام القوة ضدّ الدنمارك - العضو في حلف شمال الأطلسي - حديثاً عادياً يخرج من أفواه الساسة من دون أن يرفّ لهم جفن.
الوحشية الدبلوماسية
إنّ هذه الظاهرة ليست مجرد تجاوز دبلوماسي عابر، بل هي تعبير عن أزمة عميقة في مفهوم السيادة ذاتها. لكنّ تفسير هذه الظاهرة لا يمكن اختزاله في عامل واحد. فإلى جانب الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام الرأسمالي العالمي - والتي تجلّت بوضوح في موجات الأزمات المتعاقبة منذ منتصف السبعينيات وصولاً إلى الانهيار المالي 2008 - هناك عوامل أخرى متشابكة.
فثمة تحوّلات تكنولوجية عميقة أعادت تشكيل مفهوم السيادة، حيث تتجاوز الشركات الرقمية العملاقة الحدود الوطنية، وتخترق البيانات الخصوصية السيادية للدول. كما أنّ صعود قوى جديدة مثل الصين والهند، وظهور تجمّعات إقليمية مثل "بريكس"، قد غيّر بنية القوة الدولية من أحادية القطب إلى تعدّدية قطبية مضطربة.
وفي العمق، هناك تحوّلات اجتماعية وثقافية داخل المجتمعات الغربية ذاتها: صعود اليمين الشعبوي، تراجع الثقة بالنخب الحاكمة، وصراع الهويات الذي يغذّي خطابات الانغلاق والقومية.
هذا التشابك المعقّد هو ما يفسّر لماذا تتحوّل الدول العظمى اليوم من أدوات الهيمنة الناعمة (كالعولمة والتجارة الحرّة) إلى أدوات الهيمنة الخشنة (كالتهديد العسكري والابتزاز السياسي). إنه تحوّل لا تعرفه واشنطن وحدها، بل هو سمة مشتركة في مشهد دولي يبحث عن توازن جديد.
ازدواجية المعايير
إنّ المتأمّل في المشهد الدولي لا يمكنه إلا أن يرى التناقض الصارخ بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية لدى معظم القوى الكبرى. ففي الوقت الذي تصدر فيه واشنطن تصريحات تدين التدخّل في الشؤون الداخلية للدول، نجدها تمارس ضغوطاً هائلة على حلفائها وأعدائها على حدّ سواء. والغرب الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان يتغاضى عن انتهاكاتها حين تصدر عن حلفائه.
لكنّ الموضوعية التحليلية تقتضي الإقرار بأنّ هذه الازدواجية ليست حكراً على واشنطن. فموسكو التي تتحدّث عن "العالم الروسي" وحماية المتحدّثين بالروسية، تضمّ أراضي بالقوة العسكرية وتدعم انفصاليين مسلحين. وبكين التي ترفع شعار "عدم التدخّل" في الشؤون الداخلية، تمارس ضغوطاً اقتصادية هائلة على الدول التي تعترض على سياساتها في بحر الصين الجنوبي. والاتحاد الأوروبي الذي يقدّم نفسه كـ"قوة ناعمة" نموذجية، يمارس سياسات هجرة صارمة تودي بحياة الآلاف على حدوده، ويغضّ الطرف عن انتهاكات حلفائه.
هذه الازدواجية ليست مجرّد خطأ أخلاقي يمكن إصلاحه بالتوعية، بل هي تعبير عن منطق الهيمنة الذي تمارسه الدول الكبرى بغضّ النظر عن أنظمتها السياسية. إنها وظيفة بنيوية في نظام دولي لا يزال يحكمه توازن القوى لا توازن المبادئ.
لكنّ الإنصاف يقتضي القول أيضاً إنّ طغيان السياسة الأميركية في عهد دونالد ترامب (وسواه) لا تقارن بأيّ سياسات تمارسها أنظمة أخرى.
فوضى الإمبراطوريات
لقد قام النظام العالمي الذي بُني بعد عام 1945 على أسس تبدو للوهلة الأولى متحضّرة: مؤسسات دولية، قوانين ملزمة، حقوق سيادة. لكنّ هذا النظام كان في جوهره صيغة توافقية داخل المعسكر الغربي لتنظيم المنافسة بين الدول الكبرى ومنع تحوّل صراعاتها إلى حروب مدمّرة. كانت الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز أدوات لإضفاء الشرعية على ترتيبات الهيمنة، وليست بديلاً عنها.
مع انهيار الاتحاد السوفياتي، ظنّت النخب الغربية أنها انتقلت إلى "نهاية التاريخ" وهيمنة أبدية للنموذج الليبرالي.
لكنّ المفارقة أنّ تفكّك هذا النظام بدأ لحظة بلوغ الهيمنة ذروتها. فمع تراجع النسبية الاقتصادية للغرب أمام الصعود الآسيوي، ومع تصاعد قوى جديدة تطمح في مشاركة الثقل الدولي، تحوّلت واشنطن من شرطي النظام إلى "مشاغب دولي" يحاول تغيير قواعد اللعبة التي لم تعد تصبّ في مصلحتها.
هنا نجد أنفسنا أمام مشهد معقّد. البعض يقرأه كتأكيد على نهاية الهيمنة الليبرالية وحلول عالم "الإمبراطوريات الكبرى" المتناحرة، كما يرى مفكّرون مثل الفيلسوف الروسي، ألكسندر دوغين. لكنّ استحضار دوغين هنا ليس بصفته محللاً موضوعياً، بل كجزء من الظاهرة المدروسة نفسها: فحتى المفكّرون الذين يمثلون الوجه الأيديولوجي للعودة إلى سياسات الإمبراطوريات، يعترفون بأنّ النموذج الأميركي الجديد (ترامب) هو نموذج "طفولي وفوضوي"، مما يكشف عن أزمة المشروعية حتى داخل معسكر مناهضي الليبرالية.
المنظومة الإبستينية
إذا كانت الوحشية الدبلوماسية تكشف الوجه العاري للقوة، فإن فضائح النخبة العالمية تكشف البنية التحتية الخفية لهذه القوة. هنا تأتي أهمية المنظومة الإبستينية، نسبة إلى جيفري إبستين، تلك الشبكة التي ربطت بين عوالم تبدو منفصلة: رؤساء دول، أمراء بريطانيون، رؤساء وزراء، عملاء مخابرات، عمالقة تكنولوجيا، وأكاديميون من أرقى الجامعات.
لم تكن جزيرة إبستين مجرد موقع لارتكاب جرائم جنسية، مهما بلغت بشاعتها، بل كانت محطة لتبادل النفوذ والصفقات بعيداً عن أعين الرقابة. لقد كانت مختبراً مصغّراً لمنطق الهيمنة ذاته: مكان تصبح فيه النساء (والأطفال) سلعة، وتصبح فيه العدالة كلمة فارغة، وتصبح فيه العلاقات مع القضاء والمخابرات ضمانة للحصانة.
هنا تتحوّل القضية من أخلاقية إلى سياسية: هؤلاء الذين يتحدّثون عن "القيم الغربية" و"حقوق الإنسان" و"النظام الدولي القائم على القواعد" هم أنفسهم من كانوا يطيرون على طائرة إبستين الخاصة. التناقض ليس مجرّد تناقض أخلاقي فردي، بل هو تناقض "سيستيمي" يفضح زيف الخطاب كله.
والأكثر إيلاماً أنّ هذه المنظومة لا تعرف حدوداً ولا أيديولوجيات. فاليسار الغني واليمين الغني يلتقيان في تلك الجزيرة. الأمراء البريطانيون (المقرّبون من التاج) يلتقون برؤساء جامعات مرموقة، وروّاد أعمال تكنولوجيون، وسياسيون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. إنها أممية النخبة التي تعلو فوق الشعوب وفوق القوانين.
كيف يمكن لسياسي متورّط في هذه الشبكة أن يقدّم نفسه كمدافع عن "القيم"؟ كيف يمكن لدولة يموت فيها ضحايا إبستين في ظروف غامضة (كما حدث مع شريكته وعارضة أزياء سابقة) أن تدّعي أنها تقود "النظام الدولي الليبرالي"؟ الإجابة أنّ الخطاب الأخلاقي كان دائماً قناعاً لمصالح لا علاقة لها بالأخلاق.
فضيحة إبستين، مثلها مثل أرشيفات بنما وأوراق "باندورا"، تكشف أنّ العولمة لم تكن فقط عولمة أسواق، بل كانت عولمة للفساد والنخبة الخارجة عن القانون. وهذا ما يجعل "الوحشية الدبلوماسية" التي نناقشها ليست مجرّد انعكاس لأزمة اقتصادية، بل انعكاس لأزمة شرعية النخبة نفسها. عندما تفقد النخبة مصداقيتها الأخلاقية محلياً، فإنها تحاول تعويض ذلك بالقوة عسكرياً.
عندما يكتشف مواطنو الغرب أنّ "نخبهم" كانت تتعامل مع إبستين، يلجأون لليمين الشعبوي الذي يعدهم بـ"تطهير" النظام، لكنّ هذا اليمين نفسه غالباً ما يكون متورّطاً في الدوائر نفسها (كما نرى مع شخصيات مثل ترامب الذي زار جزيرة إبستين وظهر في وثائق القضية).
إذاً، المنظومة الإبستينية تكشف:
- ازدواجية النخبة العالمية: تتحدّث عن الديمقراطية وهي تتنقل بطائرات خاصة إلى جزر تنتهك فيها أبسط حقوق الإنسان.
- تحوّل الدولة إلى شركة: حيث تصبح العلاقات الشخصية والصفقات السرية أهم من الدساتير والقوانين.
- أزمة التمثيل: عندما يكتشف المواطن أنّ صوته الانتخابي لا يعني شيئاً أمام شبكات النفوذ التي تتحكّم بالقرار الحقيقي.
- العنف البنيوي الخفي: قبل أن يكون هناك عنف عسكري، هناك عنف يومي تمارسه النخبة عبر احتكارها للثروة والسلطة والجنس أحياناً.
الخريطة الملطّخة بالدماء
لكنّ الحديث عن الوحشية الدبلوماسية يبقى نظرياً ما لم نرَ جثث الضحايا. وما تشهده اليوم الساحات الدولية ليس مجرّد خطاب متصلّب، بل دماء ساخنة تتفجّر تحت شعارات "النظام القائم على القواعد".
إنها وحشية استعمار قديم بلباس جديد، تعيد إنتاج المنطق الإمبريالي نفسه بأدوات أكثر تطوراً وأقل اكتراثاً بالقانون الدولي.
في أميركا اللاتينية، يتجلّى الاستعمار الجديد بأوضح صوره: فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لم يُغفر لها أنها أرادت التحكّم بثروتها. فكان الحصار الاقتصادي الذي خنق الشعب الفنزويلي، وكانت العقوبات التي حوّلت ثروة النفط إلى لعنة، وصولاً إلى محاولات الاختطاف والاغتيال التي بلغت ذروتها باقتحام العاصمة كراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في كانون الثاني/يناير 2026، في عملية وصفتها واشنطن بأنها إحياء لعقيدة مونرو تحت مسمّى "دونرو" الجديد . إنها عودة صريحة إلى سياسة "الشرطي الأميركي" الذي يدير نصف الكرة الغربي كفناء خلفي له.
وعلى الجانب الآخر من العالم، تتكرّر المأساة في أوروبا الشرقية. أوكرانيا التي دخلت عامها الخامس من الحرب، تتحوّل إلى أرض محروقة تحت قصف صواريخ ومسيّرات تستهدف البنية التحتية للطاقة والمستشفيات والمدارس . مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وملايين اللاجئين، ومدن كاملة تتحوّل إلى ركام، في حرب بالوكالة تدفع فيها الشعوب الثمن بينما تتبارى القوى الكبرى على موائد تقسيم النفوذ.
أما في الوطن العربي (هل ظلّ أحد يستخدم هذا التوصيف للعالم العربي؟)، فالمشهد يفوق أيّ توصيف. في غزة، يرتكب الاحتلال الاسرائيلي إبادة جماعية مكتملة الأركان منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بمباركة ودعم أميركي كامل . عشرات الآلاف من الشهداء، غالبيتهم من النساء والأطفال، تحت أنقاض منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم. سياسة تجويع ممنهجة، وتدمير للبنية التحتية، ومحو لعائلات كاملة من السجلات المدنية، بينما يتحدّث العالم عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
وإلى الشمال، في لبنان، تتكرر المأساة بلهجة أقل حدة لكنها لا تقل دموية: قرى بأكملها تتحوّل إلى ركام في الجنوب، والضاحية الجنوبية لبيروت تتعرّض لغارات متواصلة، وعائلات كاملة تُمحى من السجلات المدنية، كما حدث في بلدة صير الغربية في الجنوب حيث استشهد 18 مواطناً من عائلة واحدة.
وتمتد رقعة الحرب لتطال إيران نفسها، من طهران إلى أصفهان، ومن كرمنشاه إلى بندر عباس على مضيق هرمز، في محاولة لشل القدرات الصاروخية وإسقاط النظام . المرشد الأعلى، علي خامنئي، اغتيل في الغارات، ومئات القتلى سقطوا بين مدنيين وعسكريين، والممرات المائية الدولية باتت ساحة اشتباك تهدّد الاقتصاد العالمي.
ما الذي يجمع هذه المشاهد المتباعدة جغرافياً؟ إنه المنطق نفسه: منطق الاستعمار الجديد الذي لا يعترف بالسيادة إن تعارضت مع المصالح. سواء في فنزويلا أو أوكرانيا أو غزة أو لبنان أو إيران، اليد التي تمسك بملف النفط هي نفسها التي تطلق الصواريخ، والعقل الذي يدير الحملات الإعلامية عن "الديمقراطية" هو نفسه الذي يخطط لـ"تفتيت المجتمعات العربية" وإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالح الإمبراطوريات القديمة والجديدة.
إنها إعادة إنتاج لسياسات "فرّق تسد" التي يُرجِع بعض الباحثين جذورها إلى مؤتمرات استعمارية سرية مثل مؤتمر كامبل بنرمان (1906-1907) الذي أوصى بضرورة إبقاء المنطقة العربية مفكّكة وإقامة "دولة عازلة" تفصل شمالها عن جنوبها . حينها كانت الوثائق سرية، أما اليوم فالدماء علنية.
اليمين الشعبوي
إنّ صعود شخصيات مثل ترامب في أميركا، ولوبان في فرنسا، وميلوني في إيطاليا، ومودي في الهند، ليس مجرد نزوات انتخابية عابرة، بل هو تعبير عن موجة شعبوية عالمية تتصاعد كاستجابة لأزمات عميقة: أزمة الهوية في وجه العولمة، أزمة التوزيع غير العادل للثروات، وأزمة الثقة في المؤسسات التقليدية التي كشفتها فضائح مثل إبستين.
هذه الظاهرة تتجاوز الحدود الأيديولوجية: فهناك يمين شعبوي في الغرب، وقوميون في الشرق، ومحافظون جدد في الجنوب. المشترك بينهم هو خطاب التبسيط (نحن ضدهم)، والعودة إلى أساطير "العظمة المفقودة"، واستخدام القوة كحل سحري لتعقيدات الواقع.
فالتصريحات "الطفولية" بشأن شراء الأراضي أو ضم الدول المجاورة هي في جوهرها خطاب موجّه للجمهور الداخلي لتعزيز أسطورة الاستعادة، وهي محاولة يائسة لتعويض فشل النماذج الاقتصادية في توفير الرفاهية للمواطنين، عبر تعويضهم رمزياً بـ"أمجاد الإمبراطورية".
سقوط القناع
ومما يزيد المشهد تعقيداً أنّ هذه التحوّلات تكشف عن حقيقة كانت خافية لفترة طويلة هي أنّ المؤسسات الدولية التي ظنّها العالم ضمانة للتحضّر واللياقات الدبلوماسية، كانت في جوهرها أدوات لإضفاء الشرعية على ترتيبات القوة وليس بديلاً عنها. فعندما يتخلّى ترامب عن هذه المؤسسات أو يهدّد حلفاءه في الناتو، فهو لا يهدم التحضّر بقدر ما يكشف عن "العري الإمبريالي" الذي كان خلف القناع دائماً.
والمنظومة الإبستينية تضيف بعداً آخر: هؤلاء الذين أسسوا المؤسسات الدولية وكتبوا مواثيقها هم أنفسهم من كانوا يحلّقون فوق القانون في جزر خاصة. إنها النخبة نفسها التي تضع القواعد للناس العاديين وتستثني نفسها منها.
وهذا يقود إلى نتيجة أكثر إيلاماً: النظام الذي بُني بعد عام 1945 كان يحوي في جيناته بذور هذه الوحشية المعرفية والمادية، واليوم تنمو هذه البذور لتلتهم الشكل الذي احتواها. لقد تحوّلت الدبلوماسية من فنّ الممكن إلى فنّ المستحيل، ومن لغة الحوار إلى لغة الإنذار النهائي.
نحو أيّ مستقبل نسير؟
ربما يكون اليمينيون الشعبويون محقّين في شيء واحد: عصر الهيمنة الأحادية قد ولى. لكن هذا لا يعني أن العالم الذي يلوح في الأفق سيكون أفضل. فالعالم الذي تحكمه إمبراطوريات كبرى متناحرة، أو تحكمه قوميات متصارعة، هو عالم تعود فيه العلاقات الدولية إلى عصور ما قبل وستفاليا، عصور "المناطق العازلة" و"مجالات النفوذ" التي كانت سبباً في حروب دامية.
ما نراه اليوم ليس مجرّد تغيّر في موازين القوى، بل هو تغيّر في طبيعة الشرعية ذاتها. فعندما تصبح التصريحات الرسمية خالية من أي اعتبار أخلاقي لدى معظم الأطراف، وعندما يصبح التهديد باستخدام القوة أمراً عادياً، فإننا أمام تحوّل جوهري في مفهوم السياسة نفسها. والأخطر من ذلك هو تفكك المصداقية الأخلاقية للنخب التي كانت تقدّم لهذه السياسة غطاءً من الشرعية، كما كشفت فضائح إبستين وأمثالها.
لذا يبقى السؤال معلّقاً: هل يمكن بناء نظام عالمي على أنقاض قيم إنسانية حقيقية من دون أن نعيد إنتاج المنطق الإقصائي نفسه الذي أنتج الهيمنة السابقة؟ وهل يمكن للقوة وحدها أن تصنع سلاماً دائماً؟
الأمل لا يكمن في انتظار عودة الأخلاق إلى السياسة الدولية، بل في فهم أنّ انهيار الشرعية القديمة يخلق فراغاً قد تملأه قوى اجتماعية وشعوب قادرة على تقديم رؤية عالمية بديلة. هناك إشارات مشجّعة: تجارب التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية، تحوّل بعض الدول إلى التبادل التجاري بالعملات المحلية تجاوزاً للدولار، صعود حركات مجتمع مدني عابرة للحدود تناضل من أجل العدالة المناخية والاجتماعية، والأهمّ من ذلك، ظهور وعي عالمي متزايد بأنّ النخب الحاكمة لم تعد تمثّل أحداً سوى نفسها.
هذه ليست حلولاً سحرية، لكنها مؤشّرات على إمكانية بناء بدائل من الأسفل. الطريق إلى ذلك ما زال طويلاً، وما زالت رايات القوة تخفق فوق جثث القيم الإنسانية.
لكنّ التاريخ لم يحسم أمره بعد، والمعركة النهائية ليست فقط بين إمبراطوريات تحلم بالهيمنة، بل بين منطق الهيمنة نفسه ومنطق الكرامة الإنسانية والعدالة المشتركة.
