طاعون الأمّة: حين يصبح بعضنا جزءاً من الطاعون

هل تسمع الأمة دقات ساعة الحسم قبل أن يداهمها الفجر الدامي؟ هل تدرك أن الانغماس في المستنقعات الطائفية ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو انتحار جماعي بطيء؟

لا يزال الجسد العربي ينزف. ليس من طعنات العدو وحده، بل والأكثر إيلاماً، من فيروس يتسرب إلى العروق، يحيل الدم الواحد إلى سُموم متقاتلة، ويجعل من الجسد أشلاء تتناحر تحت جلد واحد. إنه طاعون الطائفية والتعصب، ذلك الميراث الثقيل من أمراض التاريخ، الذي استطاع أن يُعطل فينا غريزة البقاء، وأن يجعل منا شركاء في إعدام أنفسنا.

الانشغال بالهامش في زمن الجرح النازف

أليس من العجيب أن نرانا ونحن نقتتل على هامش الجغرافيا، بينما يُسلخ فلسطينيو غزة تحت الركام، وتُدمّر بيوت لبنان، وتُحتل أجزاء واسعة من سوريا، ويُفتت اليمن وليبيا والسودان، وتُضرب إيران، ويُعبّر قادة الاحتلال صراحة عن رغبتهم بتحقيق "إسرائيل الكبرى" من الفرات إلى النيل، فإذا بنا منشغلون بمعارك هامشية، كمن يشتعل بيته وهو يجادل جاره في لون السقف؟

في خضم الإبادة الجماعية التي تمارسها آلة الحرب الإسرائيلية - الأميركية، وفي ظل التوحش الاستعماري الذي لا يعرف للقيم الإنسانية طريقاً، نعيش مفارقة مأساوية: بدلاً من أن نكون جسداً واحداً في مواجهة المشروع التوسعي الأكثر وحشية في العصر الحديث، ننشغل بفتنة هنا وخصومة هناك.

الدماء الزكية تسيل في غزة على مرأى ومسمع العالم، والمجازر ترتكب بحق الأطفال والنساء في لبنان، بينما نجد بعض خطابنا السياسي والإعلامي والديني غارقاً في مستنقعات التكفير والتخوين، وكأن العدو الحقيقي ليس ذاك الذي يحتل الأرض ويستبيح المقدسات، بل هو ذاك الآخر المختلف في المذهب أو الرؤية. وهنا يقف الوعي على حافة سؤال مصيري: أين ينتهي حق التعبير وتبدأ الخيانة؟ أين يفترق النقد الوطني عن ترديد صدى الأعداء؟

أبواق الفتنة من الداخل

في لبنان، نرى مشهداً مؤلماً. بعض الإعلاميين والناشطين، ممن يفترض بهم أن يتحلوا بحس المسؤولية الوطنية والأخلاقية، يتحولون إلى أبواق تردد السرديات الإسرائيلية، بل ويتجاوزون ذلك إلى التحريض على قتل أبناء بلدهم.

إنهم يسابقون الاحتلال في عدائه لشعبهم، وكأن صوتهم لم يعد إلا صدى لآلة الحرب المجرمة. هذا الانفلات الأخلاقي يحدث في غياب القانون أولاً، وغياب المساءلة الشعبية ثانياً، ليكشف عن وجه آخر للكارثة: أن جزءاً من النخبة لم يعد مجرد متفرج على مأساة الأمة، بل تحول إلى جزء من المشروع الذي يستهدفها. ما أقسى أن تكتشف أن في جسدك خلايا تتماهى مع الفيروس الذي يفتك بك!

بين تغذية الفتنة وتصويب البوصلة

ولكن، هل نحمّل وزر هذا كله لأصوات النشاز وحدها؟ أين تقع مسؤولية من بيدهم القرار؟

في المقابل، لا يمكن إغفال أن هذه الفتن تجد أرضاً خصبة لها عندما تُغلق أبواب النقد الحقيقي، وتُصادر حق الاعتراض، وتُحاصر المطالب المشروعة. إن على الجهات المسؤولة وأصحاب القرار أن يتحلوا بشجاعة الاعتراف بالخطأ، وأن يقبلوا النقد النزيه والصادق، وأن يبادروا إلى ما يُبدّد الخوف والتوجس لدى الآخر، أي آخر، مهما اختلفنا معه في الرأي والموقف.

ذلك أن الشرعية لا تُبنى بالوعود فقط، بل بالمصارحة والمراجعة الداخلية. جمهور غفير ممن دفعهم الخوف أو القمع إلى أحضان المشاريع الطائفية، كان يمكن أن يظلوا جزءاً من النسيج الوطني لو وجدوا آذاناً صاغية، ولو شعروا أن النقد ليس خيانة، بل هو وقود لتصحيح المسار.

عندما تصبح الخوارزميات سلاحاً فتاكاً

إن هذه الفيروسات الطائفية ليست قدراً محتوماً، بل هي مشاريع سياسية بامتياز. إنها الاستعمار ذاته، الذي وجد في ثغراتنا طريقاً. لكن الاستعمار الذي كان يأتينا بالجيوش والدبابات، صار يأتينا اليوم عبر وسائل أكثر خبثاً: عبر غسل أدمغة وتزييف وعي تمارسه ماكينات إعلامية هائلة ومؤسسات كبرى على مدى عقود. تعمل هذه الماكينات على تأصيل الكراهية، وخلق "عدو بديل" من الأخ، وتحويل الخلاف السياسي إلى حرب وجودية، عبر تضخيم الحوادث واستضافة "خبراء" يكرسون سرديات الانقسام.

ثم يأتي الدور الأكثر خفاءً وخطراً، إنها منصات التواصل الاجتماعي، تلك الفضاءات التي وُعدنا بأنها ستكون ساحات للحرية والتواصل، فإذا بها تتحول إلى مختبرات متقدمة لتفتيت المجتمعات. فخوارزمياتها، المبرمجة بدقة، لا تعمل بمنأى عن أصحابها، بل هي جزء لا يتجزأ من مشروع الهيمنة.

هذه الخوارزميات تحجب الأصوات العاقلة والرؤى المتنورة، وتحرمها من الوصول إلى الجمهور الواسع، بينما تمنح ناشري الفتن والسموم الطائفية أولوية الانتشار والوصول السريع. ليس هذا مجرد عيب تقني، بل هو تسخير متعمد للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لصالح آلة الحرب الوحشية في مختلف ميادينها، العسكرية منها والفكرية. إنها استعمار رقمي يعيد إنتاج  المشروع القديم نفسه، ولكن بأدوات العصر، حيث يصبح هاتف كل منا بوابة لزرع الفتنة في عقله قبل أن تكون صاروخاً يدمر بيته.

وفي خضم هذا الطوفان، نرى للأسف انكفاءً للمثقفين الحقيقيين، أو تغليباً لمصالحهم الشخصية على واجبهم التنويري. يصمت من كان يجب أن يتكلم، وينساق من كان يجب أن يوجه، فتترك الساحة فارغة لأبواق الفتنة والتحريض. وفي اللحظات الحرجة التي تمر بها الأمة، يصبح المثقف والفنان والناشط خط الدفاع الأول عن الوعي الجمعي، فإن تخاذلوا، سقطت البوصلة وضاعت البوصلة.

خيار الوحدة أو الانتحار الجماعي

في هذه اللحظات الوجودية، من غزة المحاصرة إلى لبنان الجريح، ومن سوريا الممزقة إلى السودان المنكوب، وصولاً إلى الخليج الواقع اليوم بين مطرقة التصعيد وسندان محاولات جره إلى حرب مباشرة مع إيران، ومصر التي لم (ولن) تسلم رغم اتفاقيات كامب ديفيد، وكذلك تركيا رغم وجودها ضمن الحلف الأطلسي، نكون أمام اختبار تاريخي: إما أن ندرك أننا جميعاً في مركب واحد، وأن غرق هذا المركب سيكون مصيرنا جميعاً بغض النظر عن مقاعدنا فيه، وإما أن نظل نتناحر على سطحه متوهمين أن طائفة أو مذهباً سينجو. الوهم الأكبر أن تعتقد أنك تستطيع النجاة وحدك بينما المركب يغرق.

إن الوحدة في مواجهة التغول الإسرائيلي والتوحش الأميركي ليست شعاراً يرفع، بل هي ضرورة وجودية كالهواء. إن الوعي بمخاطر هذه الفيروسات القاتلة هو بداية الطريق نحو تحصين المجتمعات. غزة تقدم قوافل الشهداء كل يوم وهي تصرخ: أين الضمير؟ أين المروءة؟ أين الوحدة؟ إنها تذكرنا بأن الدم الفلسطيني واللبناني والسوري واليمني والعراقي هو دم واحد، وأن العدو الذي يقتل في غزة هو ذاته الذي يدمر في لبنان، وهو ذاته الذي يخطط لتفتيت كل كيان خارج دائرة الهيمنة ولا يزال متماسكاً.

هل تسمع الأمة دقات ساعة الحسم قبل أن يداهمها الفجر الدامي؟ هل تدرك أن الانغماس في المستنقعات الطائفية ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو انتحار جماعي بطيء؟ إن واجب التنوير وأد الفتن هو واجب كل منا: على القائد أن يكون جامعاً لا مفرقاً، وعليه أن يتقبل النقد ليصحح البوصلة؛ وعلى رجل الدين أن يذكرنا بقيم التسامي عن الصغائر؛ وعلى الإعلامي أن ينير العقول لا أن يكون وقوداً للكراهية؛ وعلى المثقف أن يقدم مشروعاً نهضوياً لا أن يكون أسير مصلحة أو أيديولوجيا ضيقة.

وما نرجوه وندعو إليه هنا ليس إنشاءً يكتب على الماء، ولا خطابة تذروها الرياح، بل هو وعي يتجرد من الأوهام، وإدراك لحقائق لم تعد خافية على أحد. فالمستعمرون القدامى/الجدد لم يعودوا يدّعون ولا يتستّرون، بل يصرحون جهراً وعلانية بما يخططون لنا، وعلى مرأى ومسمع من الجميع. خرائطهم تُرسم، وتصريحات قادتهم تُبث، ومشاريعهم تنفذ على الأرض، ونحن ننشغل ببعضنا البعض، نُضرب هنا ونقتتل هناك، وكأننا نثبت للعالم صدق نظريتهم فينا: أننا لا نصلح لأن نكون أمة واحدة. فهل نتلاقى قبل أن نؤكل يوم أُكل الثور الأبيض؟ قبل أن نستيقظ ذات صباح على واقع جديد لا مكان لنا فيه إلا في ذاكرة الماضي؟

الوعي ليس ترفاً فكرياً، بل هو سلاح الباقين. إما أن نعي فنكون، أو نظل غافلين فنصبح مثل ذلك الثور الأبيض في الحكاية الشعبية، الذي أيقن أنه المقصود بالذبح بعد فوات الأوان، حين رأى جلاده يشحذ السكين.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك