زينة دكاش بين "اللي شبكنا يخلصنا" و"زينة لبست خلخالها": من علاج الجماعة إلى علاج الذات

المسرحية تبدأ من لبس الخلخال أكثر مما تنتهي عنده. هذه اللحظة فاتحة مرحلة أكثر مما هي خاتمة عمل. مرحلة جديدة في مسرح دكّاش، نتمنى أن تطورها وتواصلها، لأننا في أمسّ الحاجة إلى مسرح يتوغل في العمق الإنساني والاجتماعي من دون أن يتخلّى عن قدرته على الإضحاك.

  • زينة دكاش
    زينة دكاش

في عملها الجديد "زينا لبست خلخالها"، تواصل زينة دكّاش مساراً بدأته بعد سنوات طويلة من العمل داخل السجون اللبنانية. المسرحية، التي كتبتها وأدّتها بمشاركة كريم شبلي، تمثّل محاولة لتحويل خبرتها في العلاج بالدراما من أداة تساعد الآخرين على الشفاء إلى وسيلة تواجه بها نفسها. لفهم هذا التحوّل، لا بد من قراءته على خلفية "اللي شبكنا يخلصنا" (2025)، التي كانت أشبه بجسر عبور من عالم السجون إلى فضاء الذاكرة الشخصية.

"اللي شبكنا يخلصنا": حين يبقى الجرح جماعياً

في هذا العرض، شاركت دكّاش الخشبة مع جوزيف جول، الذي أمضى 30 عاماً في السجن، ومع الممثل الكوميدي سام غزال. قدّمت المسرحية مزيجاً من الكوميديا والدراما، وتناولت ما يحدث بعد الخروج من القيد: كيف يعيد المرء بناء معناه حين يجد نفسه حراً في مجتمع لم يتعلّم بعد كيف يكون حراً.

ما ميّز العمل هو أنه ربط بين الجرح الفردي والجرح الجماعي، بين السجن الصغير الذي يعيشه الفرد والسجن الكبير الذي يمكن أن يمثّله بلد بأكمله.

لكن هذا الجسر ظلّ مشدوداً إلى فكرة "العلاج". كان الجمهور مدعواً لأن يشارك في جلسة شفاء جماعية، والمسرحية بدت امتداداً طبيعياً لورشات العلاج بالدراما التي قادتها دكّاش لسنوات. وهذا ما جعلها "منزلة بين منزلتين": بين المسرح الملتزم بقضية السجون، والمسرح كفعل شخصي. غير أن حضور جول على الخشبة بقي مرتبطاً بكونه "حالة" سبق أن عملت معها، ما أبقى العلاقة غير متكافئة رمزياً، ولم يحرّر دكّاش تماماً من عبء "المعالجة".

"زينا لبست خلخالها": حين تصبح "الفرفشة" ضرورة

في العمل الجديد، تبدأ دكّاش من رغبة واضحة: أن تقدّم شيئاً خفيفاً، بعيداً من ثقل المواضيع السابقة، شيئاً يمكنها أن "تتفرفش" عليه. لكن هذه الرغبة سرعان ما تتصدّع. أثناء التحضيرات، يصل اتصال هاتفي مرتبط بوالدها الراحل وبقضايا لم تُحسم بعد وفاته، فتنقلب المسرحية إلى شيء آخر تماماً: يوم جنازة الأب، بكل ما فيه من توترات وأسرار وذكريات.

هنا يتحوّل المسرح من فضاء للعلاج الجماعي إلى غرفة اعتراف حميمة. المسرحية، بتصنيفها كوميديا سوداء، تتنقّل بين الذاكرة والخيال، متسائلة عمّا تتركه العائلات وراءها، وعمّا قد نحتاج إلى دفنه كي نتمكّن أخيراً من "الفرفشة". الخلخال في العنوان يحمل أكثر من كونه حلياً، إنه رمز لاستعادة الأنوثة التي لم يُعترف بها.

الخلخال: من الرفض إلى الإعلان

في بداية العرض، ترفض زينا - الشخصية التي تؤدّيها زينة دكّاش - ارتداء خلخالها. رفضها هذا يحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة العابرة. فهو موقف من الإرث كله. الخلخال الذي فُرض عليها كعلامة أنوثة لم تخترها، صار رمزاً لكل ما رفضته في نفسها: أن تكون "زينة" لا "زيّون"، أن تكون ابنة لا "أخت رجال"، أن تكون امرأة لا "أبو علي". طوال المسرحية، يظل الخلخال معلقاً، حاضراً وغائباً، تماماً كالأب الذي مات وما زال يلقي بثقله على كل شيء.

ثم في نهاية العرض، ترتديه زينا. هذه اللحظة تتجاوز كونها حلاً درامياً، إنها إعلان. إعلان أن زينا قبلت أخيراً أن تكون زينة. أنها دفنت الأب، ودفنت معه "زيّون" و"أخت الرجال" و"أبو علي". وأنها، بعد كل هذا الوقت، قررت أن تبدأ من جديد. لبس الخلخال هنا يمثّل بداية مرحلة مسرحية جديدة أكثر مما يمثّل نهاية حكاية. مرحلة لم تعد زينة دكّاش فيها بحاجة إلى سجين سابق أو قضية عامة لتبرر وجودها على الخشبة. وجودها وحده كافٍ.

من الأم إلى الأب: تحوّل في مركز الثقل العاطفي

ثمة فرق جوهري بين العملين يتجاوز الانتقال من السجون إلى الذات. في "اللي شبكنا يخلصنا"، كان لعلاقة دكّاش بوالدتها حضور مؤثر. والدتها التي عارضت مسارها المهني في السجون حتى وصل الأمر إلى خيار قاسٍ: "يا أنا يا لحبوسي". هذا التوتر بين الأم وابنتها، بين الخوف على الابنة والرفض لمهنتها، شكّل طبقة عاطفية في العمل السابق. لكن الأم كانت هناك، حاضرة كطرف في الصراع، حتى لو رحلت لاحقاً.

في "زينا لبست خلخالها"، ينتقل التركيز من الأم إلى الأب. الأب الذي رفض الترحيب بولادتها كأنثى، واستعار لها تعريفات ذكورية ليتعامل معها. هذا الأب هو الطرف الغائب الحاضر: غائب بالموت، حاضر بثقله على كل ما روته ابنته على الخشبة. المسرحية كلها، في جانب منها، محاولة لمخاطبة هذا الأب، لمساءلته، ربما لمسامحته، أو على الأقل لدفنه بشكل مختلف هذه المرة.

الشقيق الطفل: الحاضر الغائب

في ثنايا هذه المواجهة مع الأب، يبرز حضور آخر لم يكن في العمل السابق: الشقيق الأكبر الذي فقدته زينة دكّاش في طفولتها. هي التي قالت في أكثر من مناسبة إنها خسرته باكراً، وإن ذكريات طفولتها أليمة بفعل هذا الفقدان.

في "زينا لبست خلخالها"، يستحضر هذا الشقيق كجزء من المشهد العائلي الذي تعيد دكّاش ترتيبه. لم يعد مجرد ذكرى شخصية، بل أصبح عنصراً في البناء الدرامي: طفلٌ رحل، وترك فراغاً في العائلة، وترك أختاً صغيرة تكبر وهي تحمل سؤالاً لم يُطرح: ماذا لو كان موجوداً؟ كيف كانت العلاقة مع الأب ستكون مختلفة لو لم يغب هذا الشقيق؟

هذا الاستحضار يتجاوز الحنين ليصبح جزءاً من عملية العلاج الذاتي التي تخوضها دكّاش على الخشبة. هي تواجه عائلة كاملة، بغيابها وحضورها، بموتاها وأحيائها، لا الأب وحده.

العلاج الذي يتجاوز الفرد

الأهم في كل هذا أن دكّاش وهي تعالج نفسها، تعالج في الوقت نفسه كل الحالات المماثلة. المسرح عندها يتحوّل إلى سطح عاكس لبنية اجتماعية كاملة، لا مجرد مرآة لذات واحدة. الأب الذي رفض ابنته لأنها أنثى يمثّل نموذجاً متكرراً في المجتمع الذكوري أكثر مما يمثّل حالة فردية. والأم التي خيّرت ابنتها بينها وبين المهنة تصوغ صوت الخوف الأمومي في مواجهة مجتمع يرفض تمرد النساء.

حين تروي دكّاش قصتها، فهي تفتح ملفاً اجتماعياً بقدر ما تروي سيرة ذاتية. "زيّون" و"أخت الرجال" نمطان يُفرضان على النساء في مجتمعات ترفض الاعتراف بالأنوثة إلا عبر قوالب ذكورية، وليسا مجرد لقبين شخصيين. وحين تقرر زينا أن تلبس خلخالها في نهاية العرض، فإنها تدعو كل امرأة عاشت التجربة نفسها إلى أن تفعل الشيء ذاته، متجاوزة بذلك حدود تحررها الفردي.

هذا الربط بين الخاص والعام هو ما يجعل مسرح دكّاش يتجاوز حدود السرد الشخصي. هي تعالج نفسها، لكنها في الوقت نفسه تمنح العلاج لملايين النساء والرجال الذين عاشوا تجارب مماثلة، أو شهدوا عليها في محيطهم.

مسرح يتطور عرضاً تلو آخر

ما يلفت الانتباه في مسار دكّاش المسرحي هو أنه لا يقف عند حد. من "12 لبناني غاضب" إلى "اللي شبكنا يخلصنا" إلى "زينا لبست خلخالها"، نرى تطوراً متصاعداً في الوعي الفني والإنساني.

في البداية، كان المسرح أداة للعلاج الجماعي داخل السجون، ثم أصبح جسراً للخروج من السجون إلى المجتمع، والآن يصبح فضاء للمواجهة الحميمية مع الذات والعائلة.

هذا النضج لا يقلّل من قيمة العروض السابقة، بل يعني أن دكّاش تعرف كيف تتقدم. كل عرض يضيف طبقة جديدة، ويكشف عن زاوية لم تكن مرئية من قبل. في "اللي شبكنا يخلصنا"، كنا نرى الجرح الجماعي، في "زينا لبست خلخالها"، نرى الجرح الخاص، الذي يظل في جوهره جرحاً جماعياً.

والأهم أن هذا المسرح، رغم ثقل مواضيعه، لا يفقد قدرته على إضحاك الجمهور. الضحكة في مسرح دكّاش تعبير عن الألم بقدر ما هي هروب منه؛ إنها ضحكة تطلع من الأعماق، من الوعي بأن المأساة والإنسانية لا ينفصلان.

الكوميديا السوداء التي اختارتها وسيلة لاحتواء التناقض بقدر ما هي تقنية للتخفيف: كيف يمكن "الفرفشة" في جنازة الأب؟ كيف يمكن الضحك على أنقاض الإرث العائلي؟ هذا الضحك هو نفسه الذي يجعل العلاج ممكناً، لأنه يعترف بالألم من دون أن يستسلم له.

من حمل الآخر إلى حمل الذات

الفرق الجوهري بين الأداءين يكمن في علاقة الجسد بالآخر. في "اللي شبكنا يخلصنا"، كان جسد دكّاش مشغولاً بالآخر: بجول، بغزال، بالسجون، بالوطن. حتى حين بكت، كان البكاء مشروعاً لكونه بكاءً على جرح جماعي.

أما في "زينا لبست خلخالها"، فيصبح الجسد هو النص. هي تظهر في فضاءين منفصلين: الأول خالٍ من أي ديكور تقريباً، بخلفية داكنة، ويشكّل نافذة تواصل مع والدها. في هذا الفضاء، تخاطبه بضمير الطفلة تارة، والمراهقة تارة أخرى، والمرأة الناضجة تارة ثالثة، متنقّلة بين الحكي والتعبير والفرفشة والعتاب.

هذا التدرّج العمري يتجاوز السرد السيري ليصبح إعادة تمثيل للجسد عبر الزمن: جسد الطفلة التي رُفضت، وجسد المراهقة التي تذكّرت، وجسد المرأة التي قررت أن تلبس خلخالها. الأهم أن دكّاش تعالج هذا كله كفاعلة، لا كضحية.

كريم شبلي: الشاهد الذي يشارك

مشاركة كريم شبلي في "زينا لبست خلخالها" تغيّر معادلة "العلاج الذاتي". في "اللي شبكنا يخلصنا"، كان جوزيف جول هو الآخر الذي تشاركه دكّاش الجرح، لكنه كان تلميذاً سابقاً في ورشاتها، ما جعل العلاقة غير متكافئة.

أما شبلي، فهو فنان شريك له تجربته الخاصة في المسرح اللبناني، من بينها مشاركته في كتابة وإخراج "معمول" (2024) مع سارة عبده، وعمله على إخراج "شربل" عن نص ريمون جبارة.

حضوره على الخشبة يخلق توازناً مختلفاً: لم تعد دكّاش وحدها من يحمل العبء. هناك شاهد، وشريك، وربما ناقد أيضاً. هذا الانتقال من "المشاركة مع حالة" إلى "المشاركة مع فنان" يعكس تحولاً في مسار دكّاش: من المسرح كعلاج إلى المسرح كحرفة.

من الشفاء بالآخرين إلى الشفاء بالذات

يمكن تلخيص الفرق بين المسرحيتين في جملة واحدة: في "اللي شبكنا يخلصنا"، كانت دكّاش تبحث عن الشفاء مع الآخرين، في "زينا لبست خلخالها"، تبحث عنه مع نفسها. هذا لا يعني أن العمل الجديد أفضل أو أنضج.

قد يقول ناقد إن "اللي شبكنا يخلصنا" كان أكثر إلحاحاً في طرح أسئلته الاجتماعية، وإن "زينا لبست خلخالها" أكثر انكفاء على الذات. لكن هذا الانكفاء تعميق أكثر مما هو انسحاب. المسرح الذي يبدأ من الذات لا ينتهي عندها. حين تحكي دكّاش عن أبيها الذي رفضها أنثى، فإنها تحكي عن بنية اجتماعية كاملة: عن الأب اللبناني، عن الإرث الذكوري، عن العائلة كسجن صغير داخل سجن أكبر.

الفرق الجوهري الآخر يتعلق بموقع الجمهور. في "اللي شبكنا يخلصنا"، كان الجمهور مدعواً ليكون متعالجاً، يشارك في جلسة جماعية. في "زينا لبست خلخالها"، الجمهور مدعو ليكون شاهداً على لحظة لبس زينا خلخالها. لا أحد يطلب منه أن يشفى. عليه فقط أن يرى كيف يمكن لامرأة أن تلبس خلخالها، بعد كل هذا الوقت.

الجسر الذي صار بداية

ما يجعل "زينا لبست خلخالها" علامة فارقة هو أن دكّاش تتصرف فيها بوعي فني مختلف، بعد أن حرّرت تجربتها من حاجتها إلى سجين سابق يمنحها شرعية، أو إلى قضية تبرر وجودها على الخشبة. وجودها وحده، بقصتها وعائلتها وجنازة أبيها، كافٍ.

والمسرحية تبدأ من لبس الخلخال أكثر مما تنتهي عنده. هذه اللحظة فاتحة مرحلة أكثر مما هي خاتمة عمل. مرحلة جديدة في مسرح دكّاش، نتمنى أن تطورها وتواصلها، لأننا في أمس الحاجة إلى مسرح يتوغل في العمق الإنساني والاجتماعي من دون أن يتخلى عن قدرته على الإضحاك. مسرح يواجه الآفات والأمراض الاجتماعية ويتركك تخرج من القاعة وقد لبست خلخالك أنت أيضاً.

وهل طوَت زينة دكّاش صفحة السجون نهائياً كما سألتها قبل مدة حين حلّت ضيفة على برنامج "مسك الكلام"؟ لا، لكنها فعلت شيئاً أصعب: تعلّمت أن تحملها معها إلى مكان آخر، إلى مسرح لم يعد بحاجة إلى زنزانة لتقول الحقيقة، ولا إلى قضية لتستحق الوقوف على الخشبة. إلى مسرح تلبس فيه زينا خلخالها وتبدأ.

اخترنا لك