زمن الكبريت

التقدم التقني من دون أخلاق وحش يأكل صانعه. القوة العسكرية بلا عدالة إرهاب منظّم يضرب الصديق قبل الخصم. هاتان حقيقتان بديهيتان، لكن البديهي يصير ثورياً في عالم نسي بديهياته.

  • مسنّ داخل خيمة نزوح في غزة (غيتي إيميجيز)
    مسنّ داخل خيمة نزوح في غزة (غيتي إيميجيز)

رائحة العالم

ثمة رائحة كبريتية صفراء تتسرّب إلى كل شيء، كأن الأرض تتهيأ لبركان خامد، أو كأن التاريخ يطبخ مادته الأولى على نار بطيئة لا تنطفئ. الكبريت هنا ليس مجرد مجاز بلا اختبار حسي، إنه رائحة تعلق بالثياب والذاكرة، لون يذكّر بجوف الأرض حين ينشق، مادة قابلة للانفجار وأخرى خانقة في آنٍ واحد. هكذا هو زمننا الراهن ثقيل كالكبريت، مُشبع بوعيد الانفجار واختناق الغاز الصامت معاً.

الحركة الأولى: الاشتعال

نعيش لحظة استثنائية من التاريخ، يتجلى فيها الشر في ثياب النظام الطبيعي للأشياء. تكتنز الثروات في خزائن قلة لا تُرى، ويفتك الفقر بملايين لا تُحصى. ما كان استثناءً يصير قاعدة. فالحرب لم تعد انقطاعاً عن السلم، لقد صار السلم نفسه فترة استراحة بين حربين.

في غزة، تتجسد الإبادة كإلغاء ممنهج للمستقبل. الطفولة لا تتهاوى كخسارة عددية، بل كمحو جذري لأي أمل. هذه ليست جريمة إبادة فحسب، إنها إعادة تعريف للوجود ذاته. تحت الأنقاض، لا يُدفن الجسد وحده، تُدفن فكرة أن لهذا الجسد غداً.

تمتد النار إلى جنوب لبنان. تتحول الجبهة هناك إلى معادلة دموية تثبت أن التوحش العدواني يحاول رسم خرائطه المستحيلة بالدماء. استحالة أخلاقية أولاً، ثم تاريخية. فالخرائط المرسومة بالقنابل لا تصمد، والتضاريس التي يشكلها القصف الهمجي يمحوها الصمود والمقاومة، وأبناء الأرض هم حدودها وحرّاسها في آن.

في الأفق، ترسم حرب إيران كذريعة استباقية، تعيد تشكيل الجغرافيا بالصواريخ، وتجعل الأرض ساحة تجارب لقوة لا تشبع.

في خضم هذا المشهد، لا تغيب مآسي شعوب كثيرة: من سوريا إلى اليمن، ومن ليبيا إلى السودان. يتكشف معها أن الجسد السياسي قد فقد حرمته في سوق القوة. تُنتهك السيادات من دون أن يرفع المجتمع الدولي أكثر من حاجبيه. وكأن ثمة ميزانًا خفياً صارت فيه بعض الدماء أثقل من بعض.

أكتب هذه الكلمات وفي بالي وجه امرأة مسنّة في أحد مخيمات النزوح، تحمل حفيدها وتنظر إلى الخيمة وكأنها تسألها أأنتِ وطني الآن؟ لم تكن تبكي. كان وجهها يتجاوز البكاء إلى شيء أقدم، شيء يشبه السؤال الأول للإنسان حين طُرد من جنته الأولى.

هذا هو الاشتعال الحارق، نار تمتد من شواطئ غزة إلى حقول لبنان، من شوارع طهران إلى سهول السودان. لكن النار، أي نار، لا تشتعل من عدم. ثمة وقود خفي، ثمة بنية أعمق تغذّيها.

الحركة الثانية: الاختناق

بموازاة النار التي تحرق الأجساد، ثمة غاز كبريتي خانق يملأ رئتي العالم من دون ضجيج. هو الاختناق البطيء، التوحش البارد الذي لا يصدر صوت رصاصة.

تأتي سياسات دونالد ترامب الفوقية كمرآة مكبّرة لإمبراطورية تتجاوز حلفاءها، وتلتهم التحالفات كما تلتهم النار الهشيم، واضعة الجميع في خانة واحدة، إما تابع أو ضحية. السيادة الوطنية تصير نكتة، والتحالفات سراباً، والصديق لا يختلف عن الخصم حين يتعلق الأمر بمصالح لا تعرف الوفاء.

فضائح إبستين انكشاف لبنية عميقة تمثِّل الاستغلال والامتياز غير القابلين للمساءلة. نخبة تحتكر الجسد كما تحتكر الثروة، متجاوزة كل قيد أخلاقي. شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة تنمو كالفطريات في جسد الإنسانية، تجمع البيانات كما يجمع الجزار اللحم، وتعيد تشكيل الوعي وفق منطق السوق وحده. الإنسان لم يعد غاية، بل صار وقوداً لآلة لا تتوقف، بياناته هي النفط الجديد، وانتباهه هو المنجم، وعلاقاته هي المادة الخام.

المنظمات الأممية تقف متفرجة كتماثيل من شمع في متحف التاريخ. أمام جمود المؤسسات وتوحش النخب، يصبح الصمت شرعية للقسوة.

هنا يتكشف نمط مرعب، التوحش ليس طبقة واحدة، بل طبقتان تغذي إحداهما الأخرى. التوحش الساخن (الحرب، الإبادة، القصف) يتغذى على التوحش البارد (الاستغلال، تحويل الإنسان إلى بيانات وفقير ووظيفة). الأول يقتل الجسد، والثاني يقتل المعنى قبل الجسد. الأول يهدم البيت، والثاني يجعل فكرة البيت ذاتها ترفًا. وهما معاً ينتجان إنساناً مختزلاً إلى هويته التي تجعله هدفاً مشروعاً للإبادة، أو إلى وظيفته وثمنه وبياناته التي تجعله مجرد وقود.
في عمق هذا الاختناق المزدوج، ينبجس سؤال خفي. إذا كان العالم يختنق، فمن أين يأتي الهواء؟

الحركة الثالثة: الوميض

في قلب كل ظلمة تومض شرارات. ليس من قاعات المؤتمرات المكيفة، ولا من مختبرات النخب التي تحتكر المعرفة والسلاح والثروة، إنَّما من هوامش المعاناة وتحت لهيب المدن المحاصرة. في الشوارع المهمشة، وفي قلوب من لم تنخمد جذوتهم رغم القصف والحصار، تتصاعد همهمة كونية، الإنسانية ليست سلعة، والكرامة ليست رفاهية.

الدم الفلسطيني واللبناني يصب في نهر انتهاك واحد. هذا التشابه ينبع من المأساة نفسها والمُسبب نفسه، لكن رغم كل التوحش الذي يتسبب بسفكه سوف يبقى نداء لا يمكن قمعه. ففي وجوه النازحين ما يختصر كل فلسفة، ها هم يبحثون عن ملاذ آمن لا عن نظرية. لكن في بحثهم عن الملاذ، تُختبر كل النظريات.

تتشكل هنا فلسفات بديلة، لا تسأل "من أنت؟" (فتلك هوية معرضة للإبادة)، ولا "ماذا تملك؟" (فتلك قيمة معرضة للاستغلال)، بل تسأل "ماذا تقاسي؟" و"كيف تحب رغم كل هذا؟". إنها فلسفات تنحاز إلى الإنسان ككائن أخلاقي قبل أن يكون كياناً اقتصادياً أو هوية جغرافية أو رقماً في معادلات القتل.

لكن هذه الشرارات المتفرقة تفتقر إلى لغة جامعة ورؤية موحدة. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط بالضربات الخارجية وحدها، وإنما بتآكل شرعيتها الداخلية. حين تتحول القوة إلى عنف خالص بلا قيود، وحين يصير القانون غطاء للامتياز، وحين تغتال السيادة والصديق والعدو على حد سواء تحت سطوة السياسات الفوقية، يصبح السقوط مسألة وقت. ليس سقوطاً عسكرياً بالضرورة، إنَّما سقوط المعنى الذي تقوم عليه الإمبراطورية ذاتها.

ثمة سؤال أعمق، لا عن منقذ قادم. سؤال عن كيفية إنقاذ الإنسانية لنفسها بنفسها، وعن انتصار القيم من دون تحولها إلى شعارات جوفاء يرددها الظالم والضحية معاً. تكمن الإجابة في استعادة فكرة الإنسان غاية لا وسيلة، وفي إعادة الاعتبار للضعف البشري كمصدر قوة لا عورة تستر، وفي الاعتراف بأن الثروة الحقيقية لا تكمن في ما نمتلكه، إنَّما في  ما نتشاركه من ألم ورهافة وعزيمة على البقاء أخلاقيين في عالم فقد بوصلته.

التقدم التقني من دون أخلاق وحش يأكل صانعه. القوة العسكرية بلا عدالة إرهاب منظم يضرب الصديق قبل الخصم. هاتان حقيقتان بديهيتان، لكن البديهي يصير ثورياً في عالم نسي بديهياته.

شمس الطفولة الولّادة

العالم الذي نعيشه اليوم ليس نهاية التاريخ، إنها فصوله الأكثر قسوة وكشفاً لستائر الأوهام. الظلمة التي تغطي الأفق تحمل في طياتها فجراً من صنع أيادي الذين يرفضون البقاء متفرجين على مأساتهم، أو ضحايا صامتين في معادلات الحلفاء والأعداء.

في أحد أزقة المخيم، يجلس طفل يرسم على حائط مهدم شمساً لا تشبه شمس الموت. لا أحد يدري إن كانت هذه الشمس ستطلع حقاً، لكن أحداً لن يجرؤ على محوها. هناك، في تلك الشمس الطفولية المرسومة على حائط أنهكه القصف، يكمن الجواب الذي لا يحتاج إلى سؤال يسبقه، والأمل الذي لا يحتاج إلى بيان.

الإمبراطوريات تسقط، والنار تنطفئ حين لا تجد ما تأكله، والغاز الكبريتي يتبدد حين يفتح أحدهم نافذة. وما بين الاشتعال والاختناق والوميض، يستمر الإنسان في ممارسة عادته الوحيدة التي أنقذته دائماً، أن يرفض، أن يرسم شمساً على حائط مهدم، أن يبحث عن ملاذ لا عن نظرية، ثم يكتشف، في بحثه عن الملاذ، أنه كان يصنع النظرية طوال الوقت.

في عمق مناجم الكبريت الرائحة لا تطاق، والعمل شاق، لكن عمال المناجم القدامى اكتشفوا شيئاً لم يكونوا يتوقعونه: حيث يكثر الكبريت، يكثر الألماس أحياناً. لا الألماس مكافأة، ولا الكبريت عقاباً. إنها كيمياء الأرض التي لا تفهم أحكامنا. لعل هذا هو سر الرجاء الوحيد أن المادة ذاتها التي تخنق، هي التي قد تصنع، يوماً، ما يستحق أن يلمع.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك