رواية "وجه الله": أسئلة الوجود الكبرى
فازت رواية "وجه الله" بجائزة القلم الذهبي واختيرت كأفضل رواية في إيران، وطبع منها خمسون طبعة خلال عشر سنوات، فتوجت اسم كاتبها مصطفى مستور كواحد من أبرز الروائيين الإيرانيين وأكثرهم شعبيّة خلال ثمانين عامًا، هي عُمر الأدب الروائي الإيراني الحديث.
-
رواية "وجه الله": أسئلة الوجود الكبرى
كيف لامرأة تؤمن بوحدة الوجود إيمانًا مطلقًا، وأن لا شيء في هذا الوجود غير الله، أن تتزوج برجل انزلق في بحار أسئلة الوجود الكبرى، فبات يشكك في وجود الله؟
هذه الإشكالية التي حالت دون وصول خطوبة الشابة الجامعية "سايه" بخطيبها "يونس" إلى نهايتها السعيدة.
الاختلاف الفكري بين يونس وخطيبته كان عميقًا إلى درجة أصبح معها الزواج والسكن في بيت الزوجية مستحيلًا من وجهة نظر "ساية" فيونس طالب الدراسات العليا الذي يعدّ أطروحة دكتوراه حول الأسباب الاجتماعية لانتحار عالم الفيزياء د. محسن بارسا كشرط اشترطه أبوها عليه لإتمام الزواج، ووعدها بإنجاز رسالة الدكتوراه خلال ثلاثة أشهر بات يشكك في أصل وجود الله، بعدما غرق في تقصي تفاصيل هذا الانتحار الصاعق للأوساط الأكاديمية الإيرانية، والحق أن هذه النظرة التشكيكية ليست مفاجئة فقد سبقتها جملة أسئلة كان يطلقها "يونس" منذ وصول صديقه "مهرداد" المهاجر إلى أميركا، واستقباله في المطار، فـ"مهرداد" قدم إلى طهران ومن وراء كتفه لمح "يونس" امرأة تمسك بيد طفل منغولي برأس كبير وغريب وغير طبيعي. أجهش "مهرداد" وهو يحتضن صديقه القديم "يونس" في قاعة المطار قائلًا:
- " ليتني ما كنت"
قلت: "ربما الله ليس موجوداً". بعد ذلك، حدثه "مهرداد" عن طفلته التي تعاني من أزمة نفسية، بسبب إصابة أمها بمرض السرطان، أما زوجته الأميركية "جوليا" فهي لا تنفك تمطره بوابل يومي من الأسئلة الوجودية: " أين كانت قبل ولادتها بخمس وعشرين سنة، ولماذا ولدت قبل خمس وعشرين سنة، وليس قبل ذلك أو بعدها، وتتساءل إذا كان العالم موجودًا منذ آلاف السنين من دونها، فما الذي أتى بها إلى الحياة فجأة قبل خمس وعشرين سنة فقط، ويا لها من حياة مليئة بالعذاب والألم والفقر والمرض والحزن، وتنتهي بالموت " لاقت أسئلة "جوليا" التي نقلها "مهرداد" إلى صديقه "يونس" حول الخلق والحياة صدى عميقاً في نفسه ولامست شغاف قلبه وهواجسه وأضافت إلى خزين أسئلته الوجودية أسئلة راحت تتفرع وتتناسل: " لماذا على الحيوانات أن تحمل البشر لتعيش؟ لماذا توجد قطط؟ لماذا تكثر المخلوقات إلى هذه الدرجة الكلاب، القطط، النمل، الأشجار، الصخور، الجبال، النجوم، الأيام، البشر، البشر، البشر...
إزاء أسئلة يونس التشكيكية النابعة من أطروحته الدراسية، وتجربته الحياتية تقف
أسئلة "ساية" المنبثقة التوحيدية من أطروحتها حول كلام الله لكليمه موسى: " ماذا يعني أمر الله لموسى بخلع نعليه، بعدما تجلى في الوادي المقدس، هل يرمز خلع النعلين إلى شيء معين؟ وتجيب: لأن النعلين يستخدمان للسفر والترحيل، ولذا أظن خلعهما إشارة إلى الوصول والوصال، أليس كذلك؟
كانت "ساية" منتشية بأسئلتها العرفانية وفي الوقت عينه تتحمل أسئلة يونس وتدفعها بصبر جميل، لكن أسئلة "يونس" الإلحادية راحت تزداد وتتعقد أكثر فأكثر، لتتسع معها الفجوة الفكرية بينهما أكثر فأكثر، ظلت ساية" تختزن الغضب داخلها تكتمه وتراكمه، حتى جاء ذلك اليوم الذي انفجر كبركان ثائر في وجهه دفعة واحدة، معلنة رفضها الزواج من رجل تعتبره ميّتاً: "لكني لا أستطيع الحياة مع ميت، برأيي أنك إذا تجاهلت وجود الله يا يونس، فلن تختلف كثيرًا عن الموتى. حسنًا، هذه طريقة تفكيري، أو بعبارة أدق: أنا أؤمن بأن الله هو منشأ الحياة ومنشئها، وإذا انفصل كائن عن هذا الينبوع، فستغيض الحياة فيه، فمن يُبعد الله عن حياته هو والموتى سواء " على حد قول "سايه"، التي أوصدت في وجه يونس الباب وأجهشت بالبكاء على حبها الضائع في ضباب أسئلة يونس ووساوسه الشيطانية.
في هذه الرواية الصادرة عن دار "تنوير" في مصر بعد أن نقلها إلى العربية غسان حمدان، وحررها عبد الرحمن أبو ذكري، يغوص مصطفى مستور عميقاً في أغوار النفس البشرية، ودهاليزها المتداخلة، بحثًا وتقصيًا عن وجه الله من دون أن يغادر لغته الوجدانية السهلة، المحلية، وسلاسة السرد الروائي وتقنياته المعاصرة بنكهة محلية تشبه تقنية صناعة السجاد الإيراني، بعيداً عن التسطيح الوعظي المباشر أو الإبهام الحداثوي ومصطلحاته الاستعراضية.
تطرق الرواية أبواب الأسئلة الفلسفية المستعصية، على طريقة الفيزيائي المرموق "محسن بارسا" الذي ألقى بنفسه قبل عامين من الطابق الثامن لبناية من ست وعشرين طبقة بعد محاولاته الحثيثة لتفسير المفاهيم الإنسانية عبر المناهج المادية، والفيزياء الكمية والتحليل الرياضي، بارسا الذي غرق في الحب الصوفي وحاول تفسير هذا الحب بمعادلاته الرياضية، ومناهجه القياسية التي حاولت فهم كنه الحب أو إمكانية التنبؤ به، فكان مصيره مصير حاصد الريح خسراناً بخسران...هنا تخبط "بارسا" وتاه وأصيب باليأس القاتل، فتزلزلت الأرض من تحت قدميه وفقد توازنه، ولم يعد له ثمة شيء ثابت يركن إليه، بعد أن أضاع بوصلته وسط ضباب الحيرة فقضى "شهيد العشق" جرّاء مشروعه التوّاق إلى إدراك المستحيل.
يتحسر بطل الرواية على انتحار الدكتور "محسن بارسا"، وتتصاعد أسئلته الجوّانية وتضطرم نارها ويشتد أوارها، فيؤنب نفسه قائلاً: "إن لم تستطع تفسير موت آدمي فلماذا أنت حي".
تكمن أهمية الرواية في طرحها أسئلة صوفية عميقة بعيدًا عن الدروس الأيديولوجية التي لا علاقة لها بتقنيات السرد الروائي الفنية، هذه التقنيات الفنية التي تجعل هواجس الشخصيات الروائية هواجس الإنسان المعاصر وأسئلته في سلوكه وسعيه للوصول إلى كماله المفترض.
تتأرجح شخصيات مصطفى مستور بين الشك واليقين، بين الكفر والإيمان بين العشق والحيرة، بين الحب ومقاييسه المراوغة، لتنتهي بحل وحيد هو: البراءة كطريق وحيد للخلاص ولإنقاذ العالم من مآسيه وأحزانه، ولتتشكل بهذه النظرة الرؤية رواية " وجه الله"، التي حصدت جائزة القلم الذهبي واختيرت كأفضل رواية في إيران، وطبع منها خمسون طبعة خلال عشر سنوات، ولتسطّر اسم كاتبها مصطفى مستور كواحد من أبرز الروائيين الإيرانيين وأكثرهم شعبيّة خلال ثمانين عامًا، هي عُمر الأدب الروائي الإيراني الحديث.