"جوليا" : أورويل من جديد في العصر الترامبي
لا مهرب من القول إنّ "الأخ الأكبر" لا يزال حاضراً بقوة في عالمنا. ولهذا، تبدو روايات مثل رواية "جوليا" شديدة الأهمية وراهنة اليوم بقدر ما كانت رواية أورويل راهنة في حينها، وفي عالم اليوم كذلك.
-
جوليا لساندرا نيومان: أورويل من جديد في العصر الترامبي
ساندرا نيومان هي كاتبة وروائية أميركية ولدت عام 1956. من رواياتها "الشيء الجيد الوحيد الذي فعله أيّ شخص على الإطلاق" (2002) التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الغارديان للكتاب الأول، و"بلاد نجمة الآيس كريم" (2019) التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة بيليز لأدب المرأة، ورواية "الرجال" (2022) ذات الميول النسوية التي تعود إلى الظهور في روايتها "جوليا". صدرت رواية "جوليا: إعادة سرد لرواية 1984 لجورج أورويل" أواخر عام 2023 بدايةً في بريطانيا عن دار "غرانتا"، ومن ثم في أميركا بعد وفترة وجيزة. تقع في نحو 400 صفحة، وهي تنتمي إلى نوع الديستوبيا، كما يمكن تصنيفها كرواية نسوية، ورواية خيال علمي، ورواية من نوع "أدب المعجبين". رُشّحت "جوليا" لجائزة "بروميثيوس" عام 2024، وهي جائزة تُمنح عادة لأعمال الخيال العلمي التي تستكشف موضوعات الحرية وتنتقد الأنظمة الشمولية والقمع.
في عصر ترامب وحركة MeToo"#"، تأتي رواية "جوليا" لتعيد سرد رواية جورج أورويل"1984" من منظور جديد. فرغم مرور نحو 77 عاماً على صدورها، إلا أنّ أهميتها لم تقلّ، ومواضيعها لا تزال حيوية اليوم كما في حينها، ما يجعل محاولات إعادة سردها مفهومة دائماً، بل ومطلوبة. لهذا، بعد انتهاء حقوق ملكية الرواية عام 2021، تلقّت ساندرا نيومان عرضاً من مؤسسة جورج أورويل المسؤولة عن إرثه، يسألونها فيه إن كانت ترغب في كتابة تتمة لرواية "1984". وعلى الأرجح، يعود اختيار الورثة لنيومان لهذه المهمة إلى كون العديد من رواياتها تدور في عوالم ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة) كما هو عالم رواية أورويل. "أحاول باستمرار كتابة يوتوبيا، لكنني لا أستطيع تخيّل واحدة أثق في أنها ستبقى يوتوبيا"، تقول نيومان.
لاحظتْ نيومان أنّ الناس يعيدون فحص إرث أورويل في ضوء حركة " #MeToo"، ولهذا بدا من الضروري تقديم قراءة نسوية لروايته الشهيرة. هكذا، فكّرت نيومان أنّ من الأفضل إعادة سرد أحداث "1984" من منظور جوليا، حبيبة وينستون سميث بطل رواية أورويل، بدلاً من استكمال الأحداث من حيث انتهت الرواية الأصلية. وقد نالت فكرتها هذه استحسان ريتشارد بلير، ابن أورويل البالغ من العمر 79 عاماً. كذلك، رأت نيومان أنّ على إعادة الكتابة هذه أن تسدّ الثغرات في الرواية الأصلية، لأنه بحسب قولها: "ثمّة تساؤلات عديدة طرحها نصّ أورويل، ولم يجب عنها بشكل كامل". وكانت هذه التساؤلات على وجه الخصوص متعلّقة بجوليا: كيف تحصل على بضائع السوق السوداء، أو ماهية علاقاتها العاطفية الأخرى مثلاً. ولهذا، "أردتُ أن أعرف المزيد"، تقول نيومان.
نيومان معجبة للغاية ببناء العوالم عند أورويل وشجاعته الأخلاقية، لكنها صريحة تماماً في شأن الجوانب الأقل جاذبية من الرواية، والخطوط التي تحتاج إلى توسيع أو إعادة سرد. ويرى النقّاد أنّ نيومان في سردها تشير بشكل غير مباشر إلى نقاط ضعف سميث، ونقاط ضعف أورويل ككاتب وكشخص. فقد وُصِف أورويل مراراً بكونه معادياً للنساء بسبب بعض الإشارات في هذه الرواية، ودلائل عديدة من حياته الشخصية تطرّقت إليها كتب مثل كتاب آنا فوندر "الزوجية: حياة السيدة أورويل غير المرئية" (2023).
درست نيومان بعمق لغة أورويل وثقافته، وظلّت وفية للعالم الذي خلقه. مع ذلك، بدا صوت نيومان أصيلاً كما لو أنها رواية تُكتب للمرة الأولى. وقد تمكّنت من إحياء ذلك العالم بجوّه ومصطلحاته الخاصة، لكنها استحدثت خطوطاً إضافية. "لا تكون إعادة السرد إعادةَ سرد من دون بعض الإضافات، ومنظور جديد، ومنعطف درامي"، كما هو معروف. كذلك، تنجو إعادة الكتابة هذه من المطبّ الذي تقع فيه عادة معظم عمليات إعادة السرد من منظور أنثوي أو نسوي، حين تعظَّم البطلة وسماتها على نحو يبدو غير واقعي أحياناً. أما نيومان، ورغم إظهارها لشجاعة جوليا وصلابتها وذكائها، تُظهر سماتها البشرية الهشّة، فنراها أحياناً خائفة بشدّة، ومرتبكة، وضعيفة، ومُستغَلّة، ولا تزال في بعض جوانبها خاضعة لغسيل دماغ نظام "الأخ الأكبر". وهذا بحسب رأي النقّاد، جعل إعادة السرد هذه مقنعة وقابلة للتصديق. كذلك، في رواية أورويل، نرى جوليا من خلال عيني وينستون فحسب، أما نيومان فتجعلها شخصية محورية لها أفكارها الخاصة ودوافعها المستقلة؛ إنها تمنحها صوتاً.
تجري أحداث رواية "جوليا" عام 1984 في لندن التي هي هنا المدينة الرئيسية في "مهبط الطائرة رقم واحد" في دولة "أوشينيا" العظمى. وهي دولة خيالية شنيعة تحكمها أيديولوجيا "الاشتراكية الإنكليزية" أو "الإنكسوك" (IngSoc) وحكم حزب "الأخ الأكبر". وجوليا ورثينج، بطلة الرواية، هي ميكانيكية لإصلاح آلات كتابة الروايات في قسم الخيال بوزارة الحقيقة. تُعدّ جوليا "مواطنة مثالية" في هذه الدولة، فهي متشكّكة بمرح، لا تؤمن بشيء ولا تهتم بالسياسة. ورغم أنها تخرق القواعد بين حين وآخر، إلا أنها تتعاون أيضاً مع النظام كلما لزم الأمر. وهي تعرف كيف تنجو في عالم من المراقبة المستمرة، و"شرطة الفكر"، و"التفكير المزدوج"، والأطفال الجواسيس، وكيف تحصل على أشيائها من الأسواق السوداء في أحياء البروليتاريا.
تتقبّل جوليا حياتها التي تبدو روتينية ومملة، وهي غير مبالية إلى حدّ كبير ببروباغندا حزب الأخ الأكبر، وليس لديها أيّ نيّة للإطاحة بأيّ شيء. بالأحرى، ابتكرت أساليبها الخاصة للبقاء والازدهار في هذه الدولة الشمولية، وفهمت أنظمتها بما يكفي للتحايل عليها لتحقيق غاياتها الخاصة. لكنْ، تنقلب حياتها حين تصادف زميلاً لها يعمل في قسم السجلات، وهو موظف متوسط المستوى في الحزب الخارجي يُدعى وينستون سميث.
قبل قراءة "جوليا"، قد نعتقد أننا نعرف كلّ ما يلزم معرفته عن "1984"، وأننا نعرف الحبكة جيداً، لكن نيومان تثبت أننا كنا على خطأ، ولا تتوقّف عن مفاجأتنا بإضافاتها. وتتجلّى هذه الإضافات في جوانب عديدة، على سبيل المثال، تكمل رواية "جوليا" نهجَ "1984" بكشف أهوال السلطوية المفرطة، من تحكّمٍ في الفكر، وسيطرة للبروباغندا، وقمع وسحق للفردانية. لكنها تفعل ذلك بإضافة منظور نسوي يعمّق رؤى أورويل. تصوّر الرواية طفولة جوليا، ما يساعد القارئ على فهم شخصيتها أكثر. و"بينما صُوّرت جوليا في رواية أورويل كمجرّد موضوع حبّ أحادي البعد لبطل الرواية وينستون سميث، فإنها تظهر في رواية نيومان أكثر وعياً بذاتها، وأكثر رقياً، وخبرة بالحياة، وأكثر تشاؤماً من وينستون"، على حدّ رأي الناقد مايكل غروسبيرغ. إنها تبدو هنا أكثر إثارة للاهتمام، وتتمتع بفاعلية أكبر مما امتلكه وينستون يوماً، ومما منحته إياها رواية أورويل. وترى بعض المراجعات أنّ استجابات جوليا لهذه الدولة الشمولية أكثر إقناعاً من استجابات وينستون.
كذلك، مهارة نيومان في السرد والتوصيف استثنائية، فقد تمكّنت من جعل الشخصيات تبدو حقيقية لدرجة تجعلنا نكره جوليا في بعض اللحظات. ورواية "جوليا" أكثر صراحة من "1984" في تصوير الجوانب الحسّية، وأقلّ رومانسية منها. فآمال وينستون في حبّ جوليا تظهر هنا ساذجة وزائفة كما يُنظر إليها من منظور جوليا الأكثر براغماتية والأقلّ عاطفية.
يرى غروسبيرغ أيضاً أنّ نيومان تضيف إلى فظائع الاستبداد الأورويلي، تذكيراً بصلابة بعض الناس حتى "حين تسحقهم تفاصيل الحياة اليومية تحت أحذية الديكتاتوريين"، وسعيهم للسعادة والحياة حتى في أحلك الظروف. وهي بهذا تضيف بعداً إنسانياً في المكان الأشدّ رعباً. إنها "تنجح في العثور على ومضات كاشفة من الضوء، والبهجة، والمتعة التخريبية، والمرح وسط العتمة". وهذا تذكير بأنه مهما بلغت شدّة الاستبداد، تظلّ بعض بقايا الإنسانية والسلوك البشري الإيجابي باقيةً.
تتداخل أحداث "جوليا" بشكل طبيعي مع رواية أورويل، وتقتبس الكاتبة في بعض الأقسام فقرات كاملة من العمل الأصلي. لكنها تضيف لقطات استرجاعية كاشفة وتوسيعاً لأبعاد الثيمات والشخصيات. على سبيل المثال، تنسخ بعض حوارات أورويل تقريباً حرفياً، لكنها تضيف إليها تعليقات جوليا الداخلية.
في التصوير، تأخذنا نيومان عبر مناظر ومشاهد مألوفة بالنسبة إلينا من العمل الأصلي، مثل أرضيّة مصنع وزارة الحقيقة الكئيبة الخالية من النوافذ. ولأنها مشاهد مألوفة، يبدو الأمر بالنسبة إلينا كما لو أننا نتذكّر مشاهد من ذكرياتنا الخاصة. لكن، توسّع نيومان أفق هذه المشاهد بالدخول إلى أماكن لم يكن بوسع وينستون سميث الدخول إليها، لتوضح كيف تختلف حياة النساء عن حياة الرجال في ظلّ النظام الشمولي. فالمراقبة وفقدان الحياة الخاصة تضغطان بصعوبة أكبر على النساء، كما أنّ المخاطر، مثل الإساءة ونقص الاستقلال الجسدي، تبدو أعلى في حالة النساء، كما تلاحظ نيومان.
تقترب رواية نيومان من شخصية "الأخ الأكبر" أكثر مما فعل أورويل الذي جعله خفياً إلى حدّ ما. على سبيل المثال، تقوم جوليا برحلة على متن طائرة مقاتلة، ما يسمح لها برؤية "قصر الكريستال" الخاصّ بالأخ الأكبر. وتزور الأخ الأكبر بمساعدة المتمرّدين الذين تضطر للتحالف معهم. وفي مرحلة ما، يتمّ تجنيدها لمشروع "المستقبل الكبير" لتحمل بطفل "الأخ الأكبر". بالتالي، وعلى نحو ما، تظهر جوليا عند نيومان كضحية لنظام "الأخ الأكبر" وشريكة له في آن واحد.
تنهي نيومان كتابها، على عكس أورويل، بفصول إضافية تقدّم بصيصاً من الأمل. لكنْ، ترى الكاتبة البريطانية ناتاشا وولتر أنّ "القوة الصادمة لرواية أورويل تكمن في رفضه السماح بوجود أيّ صدع في الدولة الشمولية يمكن للضوء أن يتسلل منه. لقد نبذ الأمل الكاذب فيما يتعلّق بتأثير الفرد على النظام، وترك القارئ يتساءل إلى ما لا نهاية عمّا تعنيه المقاومة عندما لا تكون هنالك فرصة للنجاح". أما رواية نيومان بحسب رأي وولتر فتشبه "إعادة تشغيل لعبة فيديو، حيث يُسمح لك بالعودة للحياة كشخصية أخرى، لتتحرّك عبر المشاهد نفسها بخطوط درامية جديدة، وتصل إلى مكان مختلف".
مع هذا، ورغم كلّ هذه الفروقات، لا ينبغي النظر إلى رواية "جوليا" كبديل لرواية أورويل. إنها بالأحرى توسيع لعوالمها وتذكير بأهوالها وإحياء لرسالتها بإدانة الاستبداد بالمطلق، بما في ذلك استبداد العصر الحديث. كذلك، يمكن اعتبار رواية جوليا "تعليقاً معاصراً على مخاوف اليوم بشأن المراقبة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، ومهمة تمييز الحقيقة من الخيال التي تزداد صعوبة". ويمكن النظر إليها " كتحية لخلود رؤية أورويل الاستشرافية والكابوسية لمستقبل لا يزال يبدو وثيق الصلة بالواقع اليوم"، على حدّ تعبير نورا بيل.
بالتالي، إن كانت رواية أورويل رداً على الستالينية، فإنّ رواية "جوليا" تأتي لتنتقد شمولية العصر الحديث التي تتخذ أشكالاً عديدة. وتربط عدة مراجعات بين روايتي أورويل ونيومان من جهة وترامب وتمظهرات عصره من جهة أخرى، وهو ربط يتجلّى في عدة نواحٍ. عام 2017، قفزت مبيعات رواية "1984" بنسبة كبيرة جداً بعد أن استخدمت مستشارة ترامب، كيليان كونواي، مصطلح "الحقائق البديلة" الأورويلي. وفي العام التالي، قال ترامب لحشد من المحاربين القدامى: "ما ترونه وما تقرؤونه ليس هو ما يحدث بالفعل"، وهو ما بدا تذكيراً مرعباً بعالم "الأخ الأكبر".
ويمكن القول إنّ رواية "جوليا" جاءت لتذكّر بهذه الفكرة، بما أنّ جوليا تعمل في مجال صياغة الأكاذيب ونشر البروباغندا التي تجعل الناس ينكرون ما تراه أعينهم. من ناحية أخرى، تلاحظ إحدى الدراسات أنّ جوليا في هذه الرواية ليست ثائرة سياسية بالمعنى التقليدي، ولا تحلم مثل وينستون بالإطاحة بالنظام، بل هي ثائرة من أجل المتعة والنجاة. وهذا النوع من "التمرّد الفردي والتشكيك بالمؤسسات الكبرى هو سمة بارزة في المزاج الشعبي المعاصر، حيث يفقد الأفراد الثقة في الأنظمة ويركّزون على خلق مساحات خاصة للحرية الشخصية والنجاة". كذلك، تطرح نيومان قضايا معاصرة مثل حقوق الإنجاب والسيطرة الذكورية داخل الأنظمة السلطوية. وهو موضوع يبقى حاضراً بقوة في النقاشات السياسية الأميركية الحالية، والنقاشات النسوية حول العالم.
أخيراً، في المقالات النقدية، والرسوم الكاريكاتورية، ومنشورات الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، استُخدمت مصطلحات مثل "الأخ الأكبر ذو الصبغة البرتقالية" للإشارة إلى ترامب، والسخرية من حالة "تقديس الشخصية" المحيطة به، ومقارنتها بتقديس شخصية "الأخ الأكبر". لهذا كلّه، ولأسباب عالمية أخرى، لا مهرب من القول إنّ "الأخ الأكبر" لا يزال حاضراً بقوة في عالمنا. ولهذا، تبدو روايات مثل رواية "جوليا" شديدة الأهمية وراهنة اليوم بقدر ما كانت رواية أورويل راهنة في حينها، وفي عالم اليوم كذلك.