رواية "الجهة السابعة": ثلاثيّة الثورة والحب والحرية
يرى الروائي أبو حنيش ذاتيّتهُ وهي تتداخل في أحلامه الوطنية والكونية، أي إنّها ليست جهة ضيقة ومحدودة، هي جهة تطلّ على الكوني الأبعد من اليومي والعادي، لأنّها جهة الإنسان وحريتهُ.
-
رواية " الجهة السابعة " لكميل أبو حنيش: ثلاثيّة الثورة والحب والحرية
تختلف رواية لأسير المحرر عن رواية أخرى لكاتبٍ عاديٍّ، وخصوصاً إذا كُتبت في السجن، فتصبح مقاومة من نوع آخر، وحرية من نوعٍ آخر، مثل رواية " الجهة السابعة" التي بين أيدينا الآن للروائي الفلسطيني المحرر من الأسر مؤخراً كميل أبو حنيش، عن دار الفارابي - بيروت، وأكاديمية دار الثقافة 2026.
نبدأ من العنوان الذي هو " الجهة السابعة" التي ابتكرها الروائي كميل أبو حنيش كجهةٍ زائدة عن جهات السجن التي هي ست جهات، الجدران والسقف والأرض، والسابعة في الرواية هيَ الحب في الثورة والحرية، حرية الروائي الأسير الذي يطلُّ منها على عوالمهِ الخاصة والعامة، العشيقات التي حلم ويحلم بهنّ، ونوستالجيا الوطن، والزمن الفلسطيني في مراحلهِ المتعددة، من الانتفاضة الأولى إلى الثانية، وكلّ التحولات الصغرى والكبرى، يأخذنا في جهتهِ السابعة إلى عالمه العاطفي، رغباته الكامنة فيه تجاه الحب والأنثى والجمال، منحدراتهِ ومنعطفاته في مسيرتهِ العاطفية والنضالية، وهو في السجن، ومع السجّان العدو، يناضل من أجل حريتهِ المقدسة في الاختيار العاطفي الحر، ونسأل معهُ: كيف لهذا السجين أن يتخيل ويبتكر جهة سابعة التي هي "الشرفة التي تطل الثلاثة المقدس" الحب بثوراتهِ وحرياتهِ وجميلاتهِ؟، الجهة السابعة شرفة جعلت الشمس في متناول يديه، حطمت قيود السجن، هي جهة أبطاله، وقد آمن بمقولة الصوفي الأكبر ابن عربي" إنّ حبّ النساء من صفات الكمال الإنساني"، كل هذا الجنون العاطفي الذي يعيشهُ كاتبنا الأسير المحرر كميل، وهو مقيّدٌ في السجن، ويعيش المقاومة في الحب، المقاومة بكامل تجليّاتها الإنسانية، يقول في الصفحة الرقم " 109":
"في السجن يغدو الحب عظيماً، فالقلب يرى في نار الحب، فيذكرُني بصرخة أديب بعد أن فقأ عينيه { إليَّ أيّتها الظلمة أنتِ ضوئي} وها أنا أجد بالحب ضوئي في هذه العتمة الدامسة، فأحوّل نفسي إلى شبح غير مرئي يتسلل في الخيال، إلى بلاد الحب عبر زاويةٍ من انطفاء الزمن أسميتُها بالجهة السابعة".
هكذا سمّاها الجهة السابعة، إنّها جهة الضوء، ضوء الحب ومصباح الأرواح إلى بلادِ الحب العظيم، يُضيءُ ظلمة السجن الدامسة، وهنا يغدو الحب سلاح العاشق السجين في العالم السجّان والجلاد، يغدو الحب كالقمر في الليل الأسود، يؤكد بأنّهُ يقاوم بالحب لكي ينتصر، فيا لها من جهةٍ سابعةٍ للخروج إلى الحرية المطلقة، هي رواية الأسرى ووجهتهم التي سوف تطلق سراحهم جميعاً، وتصنع حريتهم المقدسة ونصرهم الآتي، مثلما حفروا في السابق نفق الخروج من السجن بسواعدهم الجبارة، ها هو الروائي المحرر كميل أبو حنيش يبتكر لهم جهة سابعة "كالحفر في الحب" للخروج إلى فضاءٍ آخر، إلى شفافيّة الأنثى، الضوء والحقيقة، الثورة والوضوح، ذاكرة تعرف كيف تقاوم النسيان الخبيث.
يقول في الصفحة الرقم " 181": " ثمّة فارقٌ بين الوحدة والعزلة، فالوحدة تفرض ذاتها تُقصيك وحيداً، لأنّ الظروف من حولك تُرغمك على الوحدة، كأن ينفض الأصدقاء عنك، أو أن لا تعرف على أحدٍ يفهمك، أو تُفرض عليك مقاطعة، أمّا العزلة فهي محضُ اختيار".
يفسّر الفارق بين الوحدة والعزلة، كما ذاق طعم الأشد مرارةً، وهي وحدة السجين في سجنهِ الانفرادي، هو لم يختر عزلتهُ بنفسه، بل السبب دائماً هو ما يفعلهُ العدو الصهيوني، ورواية الجهة السابعة تقاوم جهات السجن الست، لكي تكسر قيود الوحدة والعزلة، وسبب ذكر الفوارق هو للدلالة على أنّ الحب يصنع الأنس الخفيّ في النفوس، يحررها ويمنحها قوّة الوجود النسبي، فتلك رسالة الرواية، وهدفها الحقيقي في الزمن المظلم. وفي النصف الآخر من الرواية يعرّجُ على زمن الإنتفاضة الأولى، وتفاصيل حياته النضالية والثقافية، وعلاقته بالروائيين والشعراء والفنانيين الفلسطينيين، كما يروي قصص اللجوء والمنفى في البيوت التي سكنها وسكنتهُ، من نابلس والضفة الغربية، ولا تخلو الرواية من العطش لمشهد الحرية وزمن الثورة الجميل، هذا العطش هو الحنين المزمن للمقاومة النبيلة من أجل صناعة الحرية التي لا مقابل لها كما قال غسان كنفاني، الحرية التي هي نفسها المقابل، وتستمر المواجهة بينهُ وبين الجهات والجدران المغلقة عليه بالأحلام، فيقول في الصفحة الرقم " 207":
" تخلق جنة أحلامك من قلب جحيم السجن، تنمو أسفل قوقعة العزلة، تبتكر الجهة السابعة ببواباتها، تدلف باب الحلم فيبقيك مسمّراً ساعات، تتداخل أحلامك، وطنيّة، كونيّة وذاتيّة، حلم تحرير الوطن والانعتاق من السجون".
تكمن هنا قوّة الابتكار للجنة في السجن التي هي جهتهُ السابعة التي يطلّ منها على الأحلام المشتهاة، ويرى الروائي أبو حنيش ذاتيّتهُ وهي تتداخل في أحلامه الوطنية والكونية، أي إنّها ليست جهة ضيقة ومحدودة، هي جهة تطلّ على الكوني الأبعد من اليومي والعادي، لأنّها جهة الإنسان وحريتهُ، وكأنّهُ يقول: "من حقي أن أرى ما أشاء وأكون خارج القفص السجن كي أطلّ على الكون من عين الجهة السابعة التي ابتكرتها كي أتحرر"، هذا المشهد هو مشهد المقاومة بالسردية لانتزاع الحرية بسلاح الابتكار الفسيح الذي لا حدود له.
رواية الجهة السابعة للروائي الفلسطيني المعتقل والمحرر في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، هي رواية ضخمة وليست عادية، تروي سيرة الحب والثورة والحرية في قلب الإنسان الفلسطيني المعتقل، وهي رواية الشمس والشرفة اللتين تقاومان العتمة السائدة في السجن الانفرادي "أنا أكتب يعني أنا موجود" ولا مفرّ إلى الشمس إلا من بوّابات الجهة السابعة.