"أشيرا" مروان عبد العال: كنعان الفلسطيني في مواجهة الإبادات
تدور أحداث الرواية بين الواقعي والمتخيل في حرب الإبادة المستمرة الآن في غزة. تتداخل المشاهد في بعضها البعض، وتمتزج المجازر والدماء في صهيل المقاومة الذي لا يتوقف، وشعلة حرية الأسرى التي لا تنطفئ، لتصنع المعنى المقدس من رواية الفلسطيني المقدسة.
-
رواية "أشيرا" لمروان عبد العال: "ثلاثية كنعان الفلسطيني في مواجهة الإبادات"
انتظرتُ صدور هذه الرواية كثيراً حين علمتُ أنّها أُرسلت إلى دار النشر؛ لكي أقرأها بطريقةٍ أخرى وبتركيزٍ أكبر، لأنّها تبدو رمزية وتستند إلى أسطرة المعنى في السردية الفلسطينية، وهي ليست روايةً عادية، بل إنّها ملحمة كنعانية طويلة.
صدرت رواية "أشيرا" عن أكاديمية دار الثقافة ودار الفارابي سنة 2026، للروائي الفلسطيني الكبير مروان عبد العال، وهي الرواية التاسعة لكاتبنا مروان عبد العال. نبدأ من العنوان "أشيرا"، وهي الكنعانية الأسطورية المتجذرة في الأرض، وتُقاوم الاحتلال الذي يواصل حرب الإبادة والمحو لصورة وجودها الأسطورية، وفي حضرة روايتها الحقيقية التي تحرسها بالدم والمقاومة مع أولادها الثلاثة: سدرا، ونور، ونصر. وكل اسمٍ له معناه المفتوح على أسئلة الوجود الكبرى على هذه الأرض. وتتلقى رسائل "غودو" من السجن، وهي رسائل تبدو مشفرةً عن معنى الحرية والحب والأرض، تُنقل بواسطة الطير الأخضر "شاهين"، "رسول ستنا السدرة"، وهي شجرةٌ تنتشر وتُزرع في قرية الروائي مروان عبد العال "الغابسية" قضاء عكا. وغودو يرمز إلى تلك المسرحية "في انتظار غودو"، وكأنّ "أشيرا" في انتظار رسائل غودو دائماً، وفي حالة انتظار تلك الرسائل التي تأتي مكتوبةً بحبر شجرة ستنا السدرة، طازجةً كالأرض من تربة الجذر الأول، عبر الطائر الأخضر "المزين المحضر". وإذ يؤكد بعد ذلك أنّ الكل ينتظر؛ فالمخيم ينتظر العودة، والشهداء ينتظرون النصر، والأسرى ينتظرون الحرية؛ كل الملحمة الفلسطينية في حالة انتظارٍ دائمة.
في هذه المشاهد تدور أحداث الرواية بين الواقعي والمتخيل في حرب الإبادة المستمرة الآن في غزة، ونكبة الجوع والحصار والمجازر. تتداخل المشاهد في بعضها البعض، وتمتزج المجازر والدماء في صهيل المقاومة الذي لا يتوقف، وشعلة حرية الأسرى التي لا تنطفئ، لتصنع المعنى المقدس من رواية الفلسطيني المقدسة. هي ليست روايةً عادية، لأنّها تدور في فلك ما يحدث الآن في غزة بالواقعية السحرية، ولا سيما أنّها مكتوبةٌ بلغةٍ شعريةٍ رشيقة تضع القارئ في صلب الحدث، والقارئ هو ابن "أشيرا"، ونحن كلنا أبناء "أشيرا"، هذه الفلسطينية حتى النخاع، المبللة بالدم السماوي من البذور الأولى حتى الجذع الشاهق، من زمن كنعان كآلهة "على حدّ قول الأساطير الأولى" حتى زمن الإبادة التي لا تنتهي. وهي "أشيرا" الأم المستمرة / المتجددة / الحبلى بالفدائيين الجدد، أمّ النصر، وأمّ النور، وأم سدرا، سيدة الطير الأخضر، وهي أصلاً نفسها ستنا السدرة المتجذرة في أرض الأجداد الأصليين في فلسطين، "من صراع الأضداد الذي يولّد المعنى". يذكر في الصفحة رقم (237):
"أمّا غودو، الرجل القادم من وارسو، فاختفى صوته شيئاً فشيئاً. قيل إنّه سكن مستوطنة، ثمّ اقتنع أنّ الميعاد خرافة، لكن الأيّام كشفت سرّاً آخر: كان غودو يُراسل امرأةً يهودية، راقصة تحمل اسم "أشيرا" نفسه، وترك رسائلها مخفيةً في خزانة المستوطنة. هنا دخل الطير الأخضر على الخط كرمزٍ للذاكرة والحلم؛ فقد سرق الرسائل واحدةً تلو الأخرى، حاملاً إياها عبر السماء، حتى وصلت إلى يد أشيرا الحقيقية".
هنا يبدو الصراع على امتلاك الرسائل السماوية الحقيقية، وكما هو معروف فإن فلسطين أرض الرسالات السماوية، فهذه الرسائل هي ما ينزل من كتبٍ سماوية على هذه الأرض المقدسة. فالرواية الصهيونية المزيفة التي حاولت سرقتها وتزييفها وتجريدها من حقيقتها الأصلية كتنزيلٍ إلهي سماوي أبت تلك الرسائل بواسطة الطير الأخضر إلا أن تنقل إلى "أشيرا" الحقيقية، أشيرا الفلسطينية، بعدما تحررت من أيادي القتلة "مزيفي التاريخ" الذين يزعمون أنّ هذه الأرض لهم، ويحاولون من خلال روايتهم المزيفة إقناع العالم بأن هذه الأرض لهم وليست للفلسطينيين. لكنّ غودو اقتنع في نهاية المطاف من خلال الرسائل الحقيقية أنّ الميعاد خرافة، وتواصل رسائل الطير الأخضر وصولها إلى أشيرا طيلة مشاهد الرواية. وفي كل رسالةٍ تأتي، يكبر المعنى ويقترب أكثر فأكثر من حقيقة الوجود ومعنى الحب والحرية، وكأنّ الرسائل تبدو فيها حالة العشق لـ "أشيرا"، ولا تخلو منها حالة الانبعاث والصمود من أجل المقاومة واستمراريتها الضرورية. يقول غودو في إحدى الرسائل:
"أحياناً يُخيّل إليّ أنّنا مثل سيزيف، ندفع صخرة الوجود من سفحٍ إلى آخر، وفي كل مرةٍ نظنّ أنّنا اقتربنا من القمة حتى نكتشف أنّ الصخرة ليست إلا مرآة تعبنا. وها هو الطفل الصغير يحمل أخاه الأصغر على كتفه، يمضي بخطواتٍ مثقلة لكنّها واثقة، كأنّ الحياة كلّها تختبر فيه قدرتها على البقاء. لكن يا أشيرا، ماذا لو تركنا الصخرة تسقط؟".
سيزيف والصخرة والوجود والسفح والطفل الصغير وخطواتنا الواثقة، كلها مصطلحات تدلّ على الصمود والتحمّل، ولا خيار لنا سوى المقاومة، كما أوضحتها لنا الرسائل السماوية الثلاث في الديانات السماوية الثلاث الحقيقية والأصلية التي نزلت على أرض "أشيرا" الكنعانية. المعنى في الرسائل التي وصلت إلى أشيرا ربما هو ذاته الذي أوضحته الكتب السماوية التي نزلت على أرض فلسطين، حيث الحب المقدس، وبشارة الميلاد، والسلام السليم والمصفى من الشكوك والشوائب، وحقيقة الوجود، والجنة وستنا السدرة وما أدراك ما الجنة وستنا السدرة. كما أنّ أولاد "أشيرا" الثلاثة ولدوا في أزمنةٍ مختلفة؛ فمثلاً: نورٌ ولد في زمن الرسائل المخفية، وسِدرا ولدت في زمن الدمية الممزقة، أمّا نصر فولد في زمن الطمأنينة الغريبة. وهذه الولادات لها دلالات عديدة في التراجيديا الفلسطينية، ونحن نطرح الأسئلة هنا لتفكيك هذه الرموز: هل أسماء أولاد أشيرا هي دلالة على اختلاف وتنوع جسد المقاومة الفلسطينية، حيث يظهر نور "المتشدد دينياً"، وسدرا "الأنثى الرقيقة"، ونصر "المتفائل بالنصر" وهو الأمل المزروع في قلب "أشيرا" الأم، في مقاومتها المستمرة في مواجهة المحو والإبادة؟
رواية "أشيرا" هي رواية النضال العظيم من أجل الوجود المقدس في زمن الإبادات المستمرة؛ الإبادات بمشاهدها المختلفة، ومحاولة النحت الدموي على حجارة المكان كي يشرق الضوء من المعدن المقدس. تلك هي المرايا الحقيقية التي تظهر صورتنا الحقيقية، وكل أمٍّ فلسطينية هي أشيرا، وكل كتابةٍ عنها هي معنى تلك الرسائل التي لا تتوقف حتى العودة إلى فيافي ستنا السدرة؛ هناك حيث نستطيع أن ندفن الغربة المستوطنة، ونولد من رحم أشيرا من جديد.