ديوان "حجر مراد": "الحفر الشعري على حجر الذاكرة"
"حجر مراد" وما أدراك ما خلف رمزيّة الحجر عند الفلسطيني الذي يقاوم منذ أكثر من مئة عام، لكي يكون، لأنّها معركة وجود، معركة نكون أو لا نكون. لا ينفصل نضال الفلسطيني على رائحة الحجارة، البيت والمكان الأول والهوية الجيولوجية في تاريخ الأرض.
-
ديوان " حجر مراد" للشاعر الفلسطيني مراد السوداني:" الحفر الشعري على حجر الذاكرة"
عرفتُ الشاعر الفلسطيني مراد السوداني منذ زمن، والتقينا مرة واحدة في عاصمة عربية بعدما أهداني ديوانهُ السابق " مرقى الغزالة"، وبعد قراءته أدركت بأنّني أقرأ لشاعر فلسطيني مختلف، ليس فقط، بالجغرافيا كونهُ من قرية دير السودان في رام الله، لكنّهُ ذكّرني كثيراً بالشعراء الكبار الذين رسموا خريطة الشعر الفلسطيني المقاوم، كأمثال: محمود درويش وسميح القاسم ومريد البرغوثي ومعين بسيسو وتوفيق زيّاد، ومن بعدهم : خالد أبو خالد، ويوسف الخطيب، والقافلة مستمرة، وحين عدتُ والتقيت بالشاعر مراد السوداني في بيروت منذ أسابيع، وجلست معهُ، سارع وأهداني الديوان الذي نتناولهُ الآن، وهو " حجر مراد" الصادر عن دار الأهلية 2025 في الأردن، في اللقاء الأخير شعرت أنني لا أمام شاعرٍ فقط، بل إنّني أمام قائد ثقافيّ وأكبر من شاعر وأقرب من صديق، بالثقافة والموقف والمقاومة، وحين عدتُ إلى البيت وقرأت " حجر مراد" التمستُ شعريّتهُ المحلّقة أعلى وأبعد، وهو الشاعر المشغول بالذاكرة والهوية والحجارة، كما هو غارقٌ في حماية السردية الفلسطينية ثقافياً وشعريّاً. لنبدأ من العنوان: "حجر مراد" وما أدراك ما خلف رمزيّة الحجر عند الفلسطيني الذي يقاوم منذ أكثر من مئة عام، لكي يكون، لأنّها معركة وجود، معركة نكون أو لا نكون، معركة التمسك بالأثر كي نكون، ومن حجارة دير السودان إلى حجارة القدس المقدسة إلى حجارة غزة التي تنهضُ كالعنقاء من رماد الحجر، إلى حجر محمد الدرة وفارس عودة، حتى الإبادات الأخيرة، لا ينفصل نضال الفلسطيني على رائحة الحجارة، البيت والمكان الأول والهوية الجيولوجية في تاريخ الأرض، حيث يؤكد شاعرنا برؤيته لرمزية الحجر ويقول في الصفحة الرقم:" 39" في قصيدة " أنا حجرُ":
"عَلقْتُ بزهرةِ نارنج مُورّدة الخدّ، إيقاعها مقمرٌ...
وبي حذرُ الطير من شدّة الحزنِ،
على كاهلي جبلٌ سابحٌ بالتفاصيل والتمتماتِ
ورؤيايَ واسعةٌ
ما بين وحي المجاز وأرض المتاهةْ
السماءُ مُجاورةٌ لارتداد الصواعقِ في صحنِ قلبي،
وكفّايَ ساريتان من الجوعِ والرجفةِ المطمئنّة
توغّلتُ في لغتي".
أن يكون شاعرنا المراد هو الحجر، يعني أن يكون هو هذا الأثر الذي يأبى المحو والحذف، وهو الذاكرة التي تأبى النسيان، وصوت الشاعر الفلسطيني الذي يحمل على كاهلهِ الجبال ويأبى الصمت، مثلما فعل سيزيف في عناده الأسطوري في رفع الصخرة إلى قمّة الجبلِ مراراً وتكراراً، وهكذا يفعل الفلسطيني الذي يشكل صوت الجماعة في صناعة أثرها، كما حقّها المقدّس في الوجود، وهي إحدى وسائل المقاومة ضدّ وحش الإبادة والمحو والحذف من التاريخ، سيستمر شاعرنا في التوغل باللغة، لأنّ اللغة محفورة على حجر الذاكرة، كي تبلور هويّة أهل المكان الأصليين، هي هويّة مراد وحجر مراد. أسلوب شاعرنا مراد السوداني ملحمي شعري، مكثف، سلس، لكنّهُ لا يخلو من البناء والتركيب الشعري الذي يرفع مستوى المعنى في القصيدة، يسبح في اللغة ويتعمّق في قوّة المفردات التي تصنع دهشتها من عمق عفويّتها في الانتماء إلى حجارة المكان، من دون أن تفقد قيمة شعريّتها العاشقة، مثلما قال في الصفحة الرقم" 97"
"أعنّي ...
فقدْ ثقُلَ الوجدُ فيّ
وما خابَ ظنّي
لأنّي ولدتُكَ منّي
سأقسو عليكَ بلين التمنّي
وأعشبُ فيكَ الحدائق والماءَ
حتّى يراني المحبّون أنّي
قتيلُك عشقاً وجنّتكَ الضائعةْ،
كأنّي سليلُ الجوى والنّوى نجمتي الساطعة."
هيَ تأمّلات الشاعر في إنصاته إلى داخله، محاولة للغناء العذب في حضرة الحب، ما زالَ الحب ممكناً في زمن الحرب، وهي ترويضة الشاعر لساعة الاشتعال المفاجىء، نعم، نستطيع أن نواجه الحرب بالحب، أن ننصت لموسيقى القلب، والقافية عند مراد كما العاشقة تأتي على سجيّتها رومنسيّة المبتغى، حيث مصطلحاتها جاذبة: منّي / تمنّي/ ضائعة/ ساطعة، الشاعر هنا يبني اللغة بناءً جميلاً.
وفي ديوان " حجر مراد" نلاحظ التنويع الشعري بين الحديث والعمودي، حيث الشاعر ينصت أكثر إلى المعنى والمضمون لا إلى الشكل فقط، وهو لا يبالغ في الالتزام بالإيقاع أو يثقل على الجملة الشعرية، إنّهُ يتركها تأتي كما تأتي لكن بحذرٍ شديد، ينشد نشيدهُ المقاوم في وجه العدو، ونحن نعرف أنّ شاعرنا مراد السوداني هو شاعر الوفاء لدماء الشهداء، الشاعر الذكي الذي لا ينسى ولا يُنسى، كتب لم ينسَ أصدقاءه الشعراء، كما لم ينسَ الشهداء الأصدقاء، أنشد لهم وقال:" سأدعو لكم ... وأفرشُ رمل الكلام المُعافى لخطوتكم في المدى / ليصعد قلبي مدارجهُ صائحاً بالأماني لكمْ / تهدهدُ ليل البلاد الكظيم".
وتبدو العواطف جيّاشة في رحلتهِا إلى المعاني المراد منها إيصال رسائلها، والشاعر هنا يتمسك بالحجر، يحتاج إلى معنى الحجر، وصورة الحجر، والحفر في الحجر، الحجر هو جوهر فكرته من القصيدة الأولى حتى الأخيرة، حتى لو لم يذكر في القصيدة كلمة الحجر، لكنّ القصائد كلّها تدور في فلك البحث عن الأثر، تدافع عنهُ وتحميه، إنّها حارسة الوجود للإنسان الفلسطيني والبقاء المقدّس، وذكر ذلك في مقدمة الديوان، إنّهُ ابن الجبال وفتاها الجوّال المكلوم، فأكثر الكلمات التي ذكرت في القصائد لعلها تكون: "الحجارة/ الصخور/ الجبال/ تراب/ رمل/ الأرض/ فكلُّ ما فيه من حجر من الوريد إلى الوريد، وكما ذكر في عبارته: " تيقنتُ أنّ السر في حجرٍ، فكسرتهُ لأعثر على جوهري" من هذه العبارة نصلُ إلى جوهر المعنى الكبير الكامن في ديوان"حجر مراد".