دلالات أسماء العمليات الحربية أو كل هذا التوحّش

في مراجعة أسماء الحروب ودلالاتها، سنجد أنفسنا أمام إحالات أدبية وميثولوجية وعقائدية ذات رنين، ففي العتبة الثانية للعدوان على إيران سنرتطم بعنوان آخر أكثر إثارة هو" الغضب الملحمي"، كما لو أننا نقرأ نسخة متخيّلة من "إلياذة" هوميروس في وصف "حرب طروادة" جديدة.

  • (زين رزاق)
    (زين رزاق)

"مطرقة منتصف الليل" ليس عنواناً لرواية بوليسية كتبتها آغاثا كريستي كما يتهيأ لنا للوهلة الأولى. إنه اسم العملية العسكرية التي خاضتها أميركا ضدّ إيران في جولتها الأولى قبل أن تندحر مؤقتاً (2025). 

عنوان يزلزل الطمأنينة ويدعو للرهبة والتحدّي، كما أنه استمرار لعملية سابقة حملت اسم "المطرقة الحديدية" ضدّ العراق (2003)، وسيلجأ خبراء اختيار الأسماء وما ترمز إليه دلالياً إلى مجاز أدبي آخر هو "فجر الأوديسا" في الحرب ضدّ ليبيا (2011)، ولن ننسى "عاصفة الصحراء"، و"العزم الصلب"، و"الاثنين الدامي"، و"مخلب النسر"، لتصبّ جميعها داخل وعاء ضخم من العنف والتوحّش الإمبراطوري. 

في مراجعة أسماء الحروب ودلالاتها، سنجد أنفسنا أمام إحالات أدبية وميثولوجية وعقائدية ذات رنين، ففي العتبة الثانية للعدوان على إيران سنرتطم بعنوان آخر أكثر إثارة هو" الغضب الملحمي"، كما لو أننا نقرأ نسخة متخيّلة من "إلياذة" هوميروس في وصف "حرب طروادة" جديدة. 

النبش في التوراة

من جهتها، اختارت "إسرائيل" عنواناً توراتياً لعدوانها على إيران هو "زئير الأسد". فعدا فكرة الافتراس، يحيل هذا الاسم إلى "سفر التكوين" وتجليات النجاة والنصر ضد الأعداء، والاشتباك المباشر مع الرغبات العاطفية للشخصية اليهودية، وإذا بالحرب لحظة مقدّسة بوصفها مواجهة دينية أكثر منها ضرورة عسكرية. 

أجندة حربية بقوائم طويلة تتكئ على أوهام توراتية في تبرير الحرب على الفلسطينيين أو ما يسمّى عام "النكبة" وصولاً إلى حروب الألفية الثالثة، فاسم مثل "السور الواقي" كواجهة لاجتياح الضفة الغربية عام 2002، يحيل إلى الحماية من الخطر الخارجي الذي يُحيق بالمستوطنين، لكن مواجهة لاحقة ستستعير اسماً أكثر صلابة وعنفاً هو "الرصاص المصبوب" عام 2008، في محاولة لإضعاف القدرة العسكرية لــ "حماس"، وستستثمر "إسرائيل" الهرطقة التوراتية مجدّداً بعملية "عمود السحاب" الموجهة ضدّ غزة عام 2012، في استعارة صريحة من "سفر الخروج" حيث يسير الربّ "أمام بني إسرائيل نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق"، وستتكفّل عملية "الجرف الصامد" (2014) بتبرير شنّ عدوان جديد على غزة. 

عموماً، "إسرائيل" لا تصدّر أدباً نوعياً وبلاغة تخيليّة بقدر عنايتها بتصدير الحروب، وتالياً تأتي أسماء عملياتها الحربية بديلاً للمخيّلة الإبداعية، فعنوان مثل "حارس الأسوار" المقتبس من "نبوءة إشعياء" يحيل إلى اسم رواية أكثر من صلاحيته لعملية ضد قطاع غزة ردّاً على عملية "سيف القدس"، إلا أنّ "حارس الأسوار" سيستمر في مراقبة الحدود أو "أسوار أورشليم" عملية وراء أخرى بشحنة أكثر فتكاً وجحيمية كما في "السيوف الحديدية" (2023) التي كانت إبادة معلنة لقطّاع غزة، و"عقاباً إلهياً مستورداً" من التوراة مباشرةً بأقصى حالات الغطرسة وفنون الدمار البربرية. 

المفارقة هنا، تتعلّق باستخدام "إسرائيل" أحدث الأسلحة المتطوّرة تقنياً بما فيها الذكاء الاصطناعي، فيما تطلق أسماء قديمة في عملياتها الفتّاكة، كمن يزيل طبقات الصدأ عن جرس نحاسي فقد رنينه منذ قرون، لافتقارها لعدالة وجودها كمحتل، وكآخر استعمار في الكوكب، وإذا بعمليات الإبادة الجماعية تستمدّ شرعيتها من حفريات دينية يصعب تبريرها في التقويم الراهن للقانون الدولي. 

ماذا يفعل جون شتاينبك في هذه المعارك؟

لكن مهلاً، ماذا بخصوص عملية "الأسد الصاعد"؟ استخدمت "إسرائيل" هذا الاسم لعدوانها الأول على إيران عام 2025 بالاتكاء على أحد نصوص التوراة التي تبجّل رمزية الأسد، ذلك الذي "يأكل فريسته، ومن دم ضحاياه يشرب"، بحسب الإصحاح الثالث والعشرين. 

في مواجهة هذه العناوين ستحارب المقاومة الإسلامية عدوها بمعجم مضاد ينهض هو الآخر على قدسية دينية وحرب نفسية، ترفع من عزيمة مقاتليها مثل "العصف المأكول"، و"طوفان الأقصى"، و"الوعد الصادق". 

في سياق آخر ستستعمل "إسرائيل" اسم رواية مشهورة لجون شتاينبك هي "عناقيد الغضب" في عدوانها على لبنان عام 1996، رغم أنّ أجواء هذه الرواية لا تمت بصلة للحرب. 

كما ستستثمر تقلّبات المناخ في إطلاق عمليات مستوحاة من الطبيعة مثل "أول الغيث"، و"أمطار الصيف"، و"كرة الثلج، و"حقل الأشواك" تحت بند الحرب الوقائية أو الضربات الجراحية. 

"الفشل الملحمي"

على المقلب الآخر، احتاجت واشنطن في حروبها إلى وقت طويل للخروج من دائرة الأسماء العشوائية أو تلك المستمدة من أفلام الكاوبوي، فرفع الروح المعنوية للجنود لا يحتاج إلى أسماء من طراز "رغوة الصابون"، أو "الملعقة الزرقاء"، أو "عناق الأرنب". 

هكذا لجأت القيادة العسكرية الأميركية لاحقاً إلى أسماء أثقل وزناً مثل "صاعقة الرعد"، و"الشجاع"، و"المطرقة المستديرة"، و"الغضب الملح"، و "المهرسة" (أداة هرس البطاطا أو تقطيع اللحم). 

وفي حربها على فيتنام سنقع على اسم "الرعد المتدحرج" (1975)، وهو الاسم الذي لا يريد أحد تذكّره اليوم بعد الهزيمة المدوّية للجيش الأميركي في فيتنام. يصعب تبويب كل الأسماء التي استهلكتها أميركا في أكثر من 75 حرباً خاضتها ضد الدول الأخرى، عدا العمليات الخاطفة كالإطاحة بديكتاتور بنما مانويل نورييغا (1989)، مروراً بالصومال تحت اسم "استعادة الأمل"، وصولاً إلى عملية "العزم المطلق" التي انتهت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو. 

في حروب دونالد ترامب ستختفي مفردات عدالة، حرية، أمل، ديمقراطية، من قاموس الأسماء، وستفتقد إلى "القيم" الأميركية المزعومة، كما ستتحوّل عملية "الغضب الملحمي" على وسائل التواصل الاجتماعي إلى "الفشل الملحمي" كنوع من السخرية المرّة من النتائج الكارثية لهذه الحرب المجنونة. ذلك أنّ ما بدأ بتغريدة للرئيس يعلن فيها الحرب على إيران انتهى بورطة ومستنقع وجنازات جنود.  

 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك