خطاب الكراهية السّامة

الالتئام الوطني لا يكون بإخفاء الجراح أو إنكار الدم المسفوح، بل بتحويل هذه الجراح من علامات عار تفصل بين اللبنانيين، إلى شواهد على هشاشتهم المشتركة التي تجمعهم.

من المجاز إلى مدماك الرصاص

يقول الفلاسفة إن الاستعارة ليست زينة عابرة للكلام، بل هي الأساس الخفي الذي تتشكل في رحمه رؤيتنا للعالم. في لبنان، تخلع هذه الفكرة ثوبها النظري وتمتشق محدداتها. "حقن الكراهية" التي يرددها الخطاب الشعبوي المتطرف لم تعد مجرد استعارة أدبية، بل صارت مقدمة منطقية للقتل، ومبرراً يقرأ قبل أن يدكّ البيت على رؤوس ساكنيه.

أمامنا مشهد لبناني مكتمل الأركان كتجربة مختبرية مرعبة. نخب سياسية وإعلامية وثقافية تمارس طقساً يومياً من شيطنة "الآخر" في الداخل، وكأن حروب الأمس لم تعلّم أحداً أن الكلمات هنا لا تبقى حبيسة الأثير، بل تتسرب من الاستديوهات وشاشات الهواتف لتتحول إلى شظايا وقذائف ودماء تسيل في الشوارع.

لسنا هنا أمام استنكار أخلاقي ساذج، بل أمام محاولة تشريح لظاهرة تلبس رداء السوسيولوجيا واللغة معاً، ظاهرة تستعير أدواتها من قاموس الشعبوية العالمي، لكنها تكتسب في لبنان وحده هذه الخصوصية الدموية لأن "الآخر" المستهدف بالكلام ليس غريباً يطرق الحدود، بل هو شريك في الوطن يقتل ويدمّر تحت سمع وبصر "نخب" تمارس عنفاً رمزياً يتزامن ويرقص على إيقاع العنف المادي لآلة الاحتلال الإسرائيلي.

تشريح العنف الرمزي في وطن مشطور

يكشف خطاب الكراهية اللبناني عن مفارقة أكثر قتامة من نظيراتها في العالم. هو خطاب يتوشح "السيادة" و"الوطنية"، ويرفع راية "الدفاع عن لبنان"، بينما يمارس عنفاً رمزياً متقناً على جزء من اللبنانيين أنفسهم، محوّلاً إياهم من مواطنين إلى "أصوات" أو "بيئة حاضنة" يمكن التضحية بها، بل ويمكن في العمق تفهّم قتلها.

إن مفهوم الفيلسوف الفرنسي، بيار بورديو، عن "العنف الرمزي"، يجد هنا تجسيده الأكثر بشاعة عبر كلمات وصور وخطابات تتدرع باللطافة الظاهرية والحرص الوطني، لكنها تمارس عنفاً فعلياً وتنتج، في نهاية المطاف، "قابلية للقتل" وتبريراً مسبقاً له.

الخطاب الإعلامي اللبناني يجيد هذه اللعبة باقتدار، لا يفرض عليك الكراهية فرضاً، بل يلبسها ثوب "الدفاع عن الدولة" و"رفض الدويلة".

هكذا، يتحول الشريك في الوطن والتاريخ والجغرافيا من مواطن كامل الأهلية إلى تمثيل لتهديد وجودي، ويصبح استهدافه العسكري أمراً "مفهوماً" بل "مستحقاً" في بعض الخطابات الضمنية، وتغدو شيطنته الإعلامية "واجباً وطنياً" لا يقبل النقاش.

لا يحدث هذا الاستبعاد في الفراغ، بل في فضاء لبناني مختل أصلاً. تخيّل بعض الفلاسفة فضاء عاماً مثالياً يكون فيه التفاعل العقلاني جسراً نحو فهم مشترك. لكن ما يحدث في لبنان هو تحويل هذا الفضاء إلى سوق صاخبة للمشاعر الطائفية، تباع فيها الكراهية كسلعة عاطفية في عبوات بسيطة ومغلّفة: "لبنان الدولة" في مواجهة "لبنان الدويلة"، "هويتنا الأصيلة" ضد "الهويات المستوردة".

في هذا السوق، تصبح الحقيقة أقل أهمية من التمثيل الدراماتيكي للصراع. الكراهية هي وقود المشهد الأكثر إثارة، والدم الحقيقي المسفوح على الأرض يتحول إلى مجرد "خبر عاجل" في نشرات تتلوه ببرود آلات التقديم، وكأنه حدث طبيعي في مشهد القتل اليومي.

تكنولوجيا صناعة العدو: المصنع اللبناني مثالاً

كيف يعمل هذا المصنع؟ يمكن تفكيك تكنولوجيا خطابه إلى 3 آلات، لكنها في لبنان تكتسب دموية خاصة:
أولاً، الاستعارة كجسر نحو التدمير. يستثمر الخطاب الشعبوي استعارات راسخة في اللاوعي الجمعي، لكنها هنا ليست بريئة أو مجردة. "الجسم الوطني" الذي يتوجب "بتر أعضائه المريضة"، "الطابور الخامس" الذي يعمل لصالح العدو، "البيئة الحاضنة" التي ينبغي "تطهيرها" – وهي استعارة تستخدم فعلياً في القواميس العسكرية للاحتلال.

هذه الاستعارات لا تحيل البشر إلى كائنات مجردة فحسب، بل إلى "أهداف مشروعة" في سجل الموت. عندما تتبنى نخب لبنانية هذه الاستعارات، أو تتماهى معها ضمنياً، فإنها تمنح شرعية ثقافية لآلة القتل الإسرائيلية وعنفها المادي الذي تمارسه على الأرض، وتصبح جزءاً من الآلة الدعائية للدمار.

ثانياً، المنصات: من غرف الصدى إلى محاكم التفتيش. لم تعد "حقن الكراهية" في لبنان مجرد استعارة، بل تحولت إلى صناعة إعلامية متكاملة. الخوارزميات تتعقب التفاعل وتكتشف أن المحتوى الطائفي المتطرف والمشحون عاطفياً يحصد جمهوراً أوسع، فتضخمه وتظهره لمستخدمين جدد، منشئة غرفاً صوتية مغلقة يتحول فيها اللبناني إلى مستهلك سلبي لحقن عاطفية معدّة مسبقاً. الأخطر في الحالة اللبنانية هو هذا التداخل المرعب بين غرف الصدى وغرف القصف الفعلية. خطاب الكراهية على الشاشات يتزامن مع القصف على الأرض، وكثيراً ما تستخدم التغطية الإعلامية لتبرير الاستهداف أو تخفيف وقعه الإنساني، عبر تذكير المشاهد بـ"هوية" الضحايا قبل أن يجف دمهم.

ثالثاً، تفريغ السياسة وإعادة ملئها بالهوية المميتة. ترى الفيلسوفة البلجيكية، شانتال موف، أن السياسة تنطوي على صراع، وهذا طبيعي. لكن ما يحدث في لبنان هو تحويل الصراع السياسي حول الدولة والمواطنة والعدالة إلى صراع وجودي حول "من هو اللبناني الحقيقي" و"من يستحق الحياة".

هذه النقلة قاتلة. الهوية، حين تقدّم كجوهر ثابت ومهدد، لا تقبل المساومة، وتصبح التضحية بالآخرين - حتى بالموت - ثمناً مقبولاً لبقاء "ذات" متخيلة ونقية. لم يعد الخلاف حول برامج إعادة الإعمار أو السياسة الاقتصادية، بل حول حق وجودي مزعوم تسفك باسمه الدماء.

نخب بين خيانة المعنى وصناعة النسيان

هنا، في هذه النقطة بالذات، يكمن جزء من المأساة اللبنانية الأعمق. إنها مأساة نخب ثقافية وإعلامية وأكاديمية تخلت عن دورها كـ"حراس رمزيين" لحدود الفكر النقدي والحوار، وتحولت إلى ما يشبه "سماسرة الهوية" في سوق العنف الأهلي.

هؤلاء لا ينتجون الكراهية الساذجة، بل يمتهنون حرفة أشد خطورة: يقدمون لها تبريرات فكرية، ويلبسونها مصطلحات معقدة من رحم القانون والعلوم السياسية، ليصبح النقاش حول أطفال يقتلون ومستشفيات تدمر منزلقاً إلى جدل عقيم حول "السيادة" و"الشرعية" والمقدسات الوطنية.

والأكثر فداحة أن هذه النخب تتصرف وكأنها منحت حق تقرير ما ينسى وما يذكر. إنها تمارس، عن عمد وعن سابق إصرار، تجاهلاً للتاريخ الدموي للاحتلال الإسرائيلي، وتتغاضى عن شهيته التوسعية التي لم تخفها أدبياته التوراتية ولا خطاباته السياسية، تلك التي ترنو إلى مياه الليطاني وأراضي الجنوب كحق "مقدس". هذا التجاهل ليس مجرد فراغ في الذاكرة، بل هو هندسة متقنة للنسيان، طمس ممنهج لذاكرة الدم والدمار، لكي يعاد إنتاج الحكاية وفقاً لسيناريو وحيد لا يرى العدو إلا في صفوف أبناء الوطن.

إن أعين هذه النخب، المحدقة دوماً في توزيع التهم، مصابة بعمى انتقائي مزمن. هي ترى "خطر السلاح" فحسب، وتلقي باللائمة كاملة على فئة من اللبنانيين تختزلها في صورة العدو الداخلي المطلق. وفي قفزة بهلوانية فوق الحقيقة، تتجاهل الخلل البنيوي القاتل في النظام السياسي القائم متمثلاً بالطائفية التي تحولت من نظام حكم إلى شبكة مصالح، ومن صيغة تعايش إلى ماكينة لإنتاج الفساد وإعادة تدوير الزعامات.

إنهم لا ينتقدون الأسس المهترئة التي تنتج الأزمة تلو الأزمة، بل يقدّسون "الاستقرار" الهشّ الذي تقوم عليه امتيازاتهم، صامّين آذانهم عن صرير الأساسات وهي تتهاوى تحت أقدام الجميع.

وهنا تكتمل المأساة بفصلها الأخير: الأيدي نفسها التي تشير بأصابع الاتهام إلى فئة من أبناء الوطن، هي ذات الأيدي التي تتصافح بحرارة مع الفاسدين وناهبي المال العام. إنهم يطبقون قبضتهم الحديدية على رقاب من يرفضون وصايتهم، بينما يرخون أعنتهم، بل ويشركون في الحكم، أولئك الذين امتصوا دماء الخزينة العامة، وهندسوا الانهيار المالي، ورهنوا مستقبل الأجيال. إنه تواطؤ نخبوي غير مكتوب، يقوم على مبدأ لكم الفساد والمال، ولنا الحقيقة المطلقة والوطن، وكأن الوطن غنيمة تقتسم، والضمير سلعة تباع في سوق النفاق السياسي.

استراتيجيات ضد الكراهية وتبرير القتل

التحدي في لبنان ليس الرد بخطاب وعظي مضاد، بل ابتكار استراتيجيات تفكيكية تعترف بضخامة المأساة وتعمل رغم ثقل الدم:

- أولاً، تفكيك أطر "القابلية للحزن". تقترح الفيلسوفة الأميركية المناهضة للصهيونية، جوديث بتلر، مفهوماً حاسماً: بعض الأرواح يعترف بها على أنها "قابلة للحزن" و"جديرة بالحداد"، بينما تنزع هذه الصفة عن أرواح أخرى.

في لبنان، نرى هذه الآلية تعمل كسكين حادة: ضحايا طرف يبكى عليهم وتقام لهم الصلوات وتكتب عنهم المراثي، بينما ضحايا الطرف الآخر يتحولون إلى "أرقام" و"أضرار جانبية" و"ثمن يجب دفعه". البلاغة المضادة تبدأ من هنا، من تعطيل هذا الإطار عبر سرديات إنسانية تعيد الاعتراف بهؤلاء الضحايا كبشر لهم قصصهم، أسماؤهم، أحلامهم الصغيرة. إنها مقاومة تحويل الموت إلى إحصاءات باردة.

- ثانياً، خلق مساحات مشتركة صغيرة في الهامش. في مواجهة خطاب الكراهية، يمكن للبلاغة المضادة أن تتخذ شكل خلق مساحات حوار تتجاوز الانقسامات الكبرى، أو إنتاج محتوى يعيد ربط القضايا المجردة بالحاجات اليومية، الكهرباء، لقمة العيش، الانهيار الاقتصادي، الهجرة. حين يكتشف اللبنانيون أنهم يتشاركون الوجع نفسه، ويخشون المستقبل نفسه، يصبح خطاب الكراهية أقل قدرة على التضليل.

- ثالثاً، استدعاء ذاكرة الدم كرادع. التجارب اللبنانية القاسية ليست مجرد تاريخ يروى، بل مادة حية للبلاغة المضادة. تذكير اللبنانيين بأن خطاب اليوم هو نفسه خطاب الأمس، وأن نتائجه كانت كوارث حلت بالجميع من دون استثناء، يمكن أن يكون أداة تفكيكية قوية. لا عبر الوعظ الأخلاقي، بل عبر عرض ما حدث فعلاً حين تركت آلة الكراهية تعمل بلا رادع، وحين ظن الجميع أن جدران الكراهية ستحميهم فإذا بهم أول من يدفن تحت أنقاضها.

من الهشاشة المشتركة إلى المسؤولية المشتركة

لا يكفي أن نقرأ الشعبوية اللبنانية كخطاب كراهية، بل يجب أن نفهمها كاستعاضة مأساوية عن السياسة الحقيقية في بلد يغرق في انهيار شامل. في عالم معقد ومخيف ومليء باللايقين، تقدم الشعبوية الطائفية وهم البساطة واليقين والطهارة. مقاومتها لا تكون بدعوة إلى "حب الآخر" المجرد، بل بتقديم بديل يعترف بالهشاشة الإنسانية المشتركة، نحن جميعاً لبنانيون نعيش الانهيار نفسه، نخاف الحرب نفسها، ونحلم بالخروج من الجحيم نفسه.

الخطر الأكبر ليس في "جدران الكراهية" ذاتها، بل في استسلامنا لفكرة أنها قدرنا الوحيد، وفي نسيان أن هذه الجدران بالذات هي التي أوصلتنا إلى كل الحروب السابقة. البلاغة المضادة الناجحة هي التي تستطيع تحويل الطاقة العاطفية الهائلة التي تستثمرها الشعبوية في الكراهية، إلى طاقة للعمل على مشاكل مشتركة معقدة. إنها بلاغة لا تنكر الصراع، بل تنقله من ساحة الحرب الوجودية بين هويات متخيلة، إلى ساحة النقاش الديمقراطي حول تنظيم حياة مشتركة في وطن لم يعد يحتمل المزيد من الدماء.

الالتئام الوطني لا يكون بإخفاء الجراح أو إنكار الدم المسفوح، بل بتحويل هذه الجراح من علامات عار تفصل بين اللبنانيين، إلى شواهد على هشاشتهم المشتركة التي تجمعهم. عندها فقط، يمكن الانتقال من استعارة "حقن الكراهية" التي تنتج الموت، إلى "تطعيم" المجتمع ضد خطاب التفرقة، عبر تعريضه - بوعي وشجاعة - إلى جرعات من التعقيد والاختلاف والمسؤولية المشتركة عن هذا الوطن الذي لا يملك أحد رفاهية التخلي عنه، لأن البديل ليس مجرد خلاف سياسي، بل الموت للجميع.

في المحصلة، حين يلتقي الخطاب الشعبوي العالمي بخصوصية لبنان الجريحة، يتحول من نظرية تحلل إلى جريمة ترتكب على مرأى ومسمع. وحين تشارك "نخب" في هذه الجريمة عبر الكلمات، فإنها لا تختلف كثيراً عن أولئك الذين يرتكبونها عبر القنابل.

النتيجة واحدة: لبنانيون يقتلون، ونسيج وطني يتمزق، وتاريخ من الدم يعيد نفسه، بينما يقف من يفترض أنهم تعلموا الدرس، مختارين، بإرادة كاملة، أن ينسوه، والأنكى أن ينحاز بعضهم إلى القاتل ضد المقتول.

اخترنا لك