خبراء استراتيجيون أباً عن جد
نحن من نركّب عداداً للتاكسي ولا نلتزم بالتعرفة، لكننا مطالبون بربط الحزام. ربط الحزام في زمن أصحاب الكروش، وربط الحزام على الكلام، وربط الحزام على الحرية. ونحن من يتجاهل علناً ما قاله سفيان الثوري قبل قرون "إذا رأيت العالم على باب الأمير فاعلم أنه لص".
-
(عن الانترنت)
نعيشُ في مجتمع خبراء، أمس واليوم وغداً! سلالة من الحكماء والفلاسفة والخيميائيين، أطباء لا مرضى، لا تستعصي عليهم إجابة، مهما كان السؤال صعباً ومعقّداً وملغّزاً.
هذه الخبرة الكونية في شؤون العيش منحتنا يقيناً بأننا لا نحتاج إلى زيارة عيادة طبيب مهما كان مرضنا مستعصياً. نحلل أمراض الآخرين بنظرة عين خاطفة، وتالياً لا ضرورة لوصفة طبية أو فحوص مخبرية أو صورٍ شعاعية.
هكذا نهدي المريض الدواء المطلوب، ونحن نرمي حجر النرد في المقهى أو أثناء سحب نفس أركيلة في جلسة عابرة، على مبدأ: اسأل مجرّباً ولا تسأل حكيماً.
الوصفات الطبية هنا تتجاوز أمراض البدن نحو أمراض الكوكب بأكمله من فنزويلا إلى مجاهل أفريقيا إلى بورصة وول ستريت إلى التغيّرات المناخية، وأصناف المأكولات البحرية، وأفضل خلطة للفول بالزيت، وفوائد عصير الرمّان.
نسرّب الأسرار الحربية والمؤتمرات الكونية قبل أن تخرج من غرف الاجتماعات. نمتلك دلاء وهمية بحبال طويلة لإنقاذ الغرقى في البحار البعيدة، نقترح ميزانيات للعيش بكرامة وجيوبنا خاوية. لا نعترف بوجود حاويات قمامة بدليل أننا نلقي أكياس الزبالة من الشرفات ليلاً.
ننتسب إلى أحزاب لا نؤمن بمقرراتها النظرية، نعالج آثار الحروب الأهلية بحروب جديدة، وتوابل تمنح المذبحة مذاقاً لاذعاً لزوم نشرات الأخبار، وذلك باستدعاء أنواع الأسلحة الفتّاكة، والقائمة اليومية للموتى، وعدد المقابر الجماعية. نطلق أبواق السيارات ليلاً كي يشاركنا الآخرون بهجة الأغاني الصاخبة. نتحدث أمام المنصات عكس ما نضمره في صدورنا، فلكل مقام مقال. محللون استراتيجيون أباً عن جد.
وفقاً لجهة الريح
نحكي عن الفساد بوصفه جرثومة سامة يجب مقاومتها، فيما هذه الجرثومة تسبح في الأمعاء بكل طمأنينة. لدينا هويات تكفي قارة كاملة، نستبدلها بلحظة، وفقاً لجهة الريح. ما نحكيه حول طاولات المقاهي المزدحمة نكنسه عند أول رصيف. نطيح العولمة بلكمة بين العينين، ونخلع رداء العلمانية عند أقرب حلقة ذكر، ندور مثل ثيران الحراثة بعيون مغلقة، من دون أن نعترف بالعمى.
نستلُّ كتب الأجداد المنسية، من رفوف الغبار، ونضعها في مطحنة الميديا الجديدة باعتبارها بيانات صالحة لكل الأزمنة. لا جَهلة بيننا، لدينا من شجاعة الادعاء ما يكفي لمبارزة علماء الفيزياء والكيمياء والمؤرخين. نهزّ رؤوسنا بالموافقة على أي معلومة أو إشاعة أو أكاذيب. نصفّق بحماسة لقصائد المديح الركيكة. نخترع مناسبات بعدد أيام السنة ونشارك في تصديرها للعالم.
احتلال الشاشات
نحن أيضاً وأيضاً، من ابتكر 20 صنفاً من الباذنجان، مقلياً، ومشوياً ومسلوقاً، ومطبوخاً، ونحن أحفاد من اخترع القمردين من المشمش، والدبس من العنب، والطحينة، والمعمول، والشروال، والشوارب المفتولة، وعنتريات "باب الحارة"، ونحن من صنع الخلطة السريّة للفلافل والتبولة والفتوش، ودبكة الهوّارة.
نقيم معارض الرسم والنحت والأفلام بالجملة، ونكتفي بالتثاؤب بعد دقائق. ونحن من كتبنا المسرحيات بالفصحى واكتفينا بالزعيق فوق الخشبة. ونحن، علماء فلك أتوا من حدائق أحجار الودع واحتلوا الشاشات يوزعون غنائم الحظ بالتساوي. ونحن من نركّب عداداً للتاكسي ولا نلتزم بالتعرفة، لكننا مطالبون بربط الحزام.
ربط الحزام في زمن أصحاب الكروش، وربط الحزام على الكلام، وربط الحزام على الحرية. ونحن من يتجاهل علناً ما قاله سفيان الثوري قبل قرون "إذا رأيت العالم على باب الأمير فاعلم أنه لص".
ننهمك في صناعة وطن بحبر مواضيع الإنشاء، وبكامل بلاغة الوصف والمحسنات البديعية من الجناس، والطباق، إلى السجع، نبني الوطن الفريسة، والخرائط الوهمية، والشعارات، ثم ننهشه كالضباع في وضح النهار.
خبراء ما بعد استراتيجيين في صناعة الأمل الكاذب. شعراء وروائيون وإعلاميون ومؤثرون وإرهابيون عبروا الحدود ثم أحرقوا السفن ورائهم.
ترميم بلاد منتهية الصلاحية
قل لي ما هي مشكلتك؟ لدينا مكاتب استشارية لكل القضايا العالقة: تزوير وثائق رسمية، دروس خصوصية في اللصوصية، طهي المجدّرة بزيت الخروع، صناعة الشامبو من بقايا شحوم السيارات، طوائف بطعم الحليب والعسل، وطوائف مضادة، ترميم بلاد منتهية الصلاحية بفقه اللغة والأهازيج، جلسات "مسّاج" لتحسين الأداء.
أفران لتصنيع فطائر الحكمة من عجين الكراهية، مختبرات متطورة لغسل الأدمغة. روايات مكتوبة بالذكاء الاصطناعي، أطروحات دكتوراه في الفلسفة، وأهمية السماد الآزوتي في إنبات البطاطا في الصحراء، والذئب في الشعر العربي. تظاهرات و"فزعات" وعراضات في تمجيد الزعماء والثورات والانقلابات.
ما تبقى من تضاريس، وخرائط قيد التحضير، وأحلام، بالكاد تكفي لاستنشاق نسمة هواء لم يسرقها اللصوص. أقلية أو بشر لم تتلوّث أيديهم وجيوبهم وضمائرهم بالأموال المنهوبة. أقليّة/أو بشر يعبرون الوقت خارج توقيت الصفقات المشبوهة.
بشر يعشقون البلاد، غير عابئين بالطعنات والخيانات والأكاذيب. بشر يكتبون التاريخ بوصفة محنةً عابرة لا أكثر.
بشر "وطنيون كالزيتون، لكننا مللنا صورة النرجس في ماء الأغاني الوطنية، عاطفيون بلا قصد".