حين يصير الخيال ملاذاً: تحية إلى "يوماً ما، ولد"
في نهاية الليلة، وبعد أن أطفأت "سينما متروبوليس"شمعتها الــ 20. خرج الجمهور إلى شوارع بيروت المكتظة بالقلق، وبدا الفيلم وكأنّه لم ينته. لأنّ نهايته الحقيقية ليست على الشاشة، بل في سماء لبنان، ولا سيما في الجنوب، حيث ينتظر أطفال آخرون بطلهم الخارق.
قبل أشهر، في برلين، حين رفعت ماري روز أسطا جائزة "الدبّ الذهبي" في الدورة الــ 76 من "مهرجان برلين السينمائي الدولي"، حملت كلمتها ما هو أكثر من خطبة شكر معتادة، ومثّلت صرخةً وجّهت إلى العالم لتقول إنّ أطفال فلسطين ولبنان لا يحتاجون إلى قوى خارقة، بقدر حاجتهم إلى عالم يمنع الاحتلال الإسرائيلي من قصفهم. لكنّ الصرخة نفسها، في بيروت، داخل صالة "متروبوليس" التي بلغت العشرين من مسيرة سنوات حافلة، تحوّلت إلى ارتجافة أخرى.
هناك، أمام جمهور ملأ الصالة كلّها، وقف طاقم الفيلم بكامله، وكأنّهم يكملون المشهد الأخير، بينما كانت المخرجة الشابة تمسك بالميكروفون بصوت تخنقه العبرة، وكأنّ الزمن عاد بها إلى عدوان تموز صيف 2006، حيث كانت تختبئ خلف الجدران الحجريّة، تتساءل ببراءة طفل لماذا يسقط الموت من الأعلى؟
يا للمفارقة! ها هو فيلمها يعرض في عاصمتها بعد تتويج عالمي، وفي الوقت نفسه، ها هي الطائرات الإسرائيلية نفسها تعود لتدكّ المدن والقرى. أولئك الأطفال الذين يحلمون، تماماً كما حلمت هي وأبطال فيلمها، بامتلاك قوى خارقة قادرة على إسقاط تلك الآلات الحديدية القاتلة، وردعها عن مواصلة جرائمها الإبادية بحقّ جيل جديد لا ذنب له سوى أنّه ولد في هذا الزمن المهترئ.
وهذا، في جوهره، هو ما يفعله الفيلم ببراعة، لا يهرب من الواقع، بل يعيد تشكيله بخيال يبلغ من القوة حدّ إسقاط الطائرات، لأنّ الحرب حين تدوم، يصير الخيال الملجأ الوحيد القادر على قلب الموازين.
ليس سهلاً أن تحمل دبّاً ذهبيّاً من برلين، ثمّ تعود به إلى بيروت. لكنّ ماري روز فعلتها، وكأنّها تضع طفلها السينمائي بين أحضان جدّته. وهذه الجدّة، أي "متروبوليس"، ليست مجرّد صالة عرض، إنّها ذاكرة المكان التي تدرك أنّ قوى الطفل الخارقة ليست سوى انعكاس لعجزنا نحن الكبار عن حمايته. الفيلم يسكن بيته الأول (لبنان)، محاطاً بطاقم بكامله لم يكلّ عن الدفاع عن رؤيته، وهذه، بحدّ ذاتها، لحظة سينمائية موازية.
يحكي فيلم "يوماً ما، ولد" (27 دقيقة) قصة فتى في الــ 11 من عمره (خالد حسن)، يعيش مع عمّه (أنطوان ضاهر) في منزل جدّيه غير المكتمل بقرية القبيّات في شمال لبنان. هناك، حيث اعتاد الأهل على هدير الطائرات الحربية كجزء من يومياتهم، يكتشف الطفل قدرة غامضة لا يفهم حدودها. بينما يحاول عمّه جاهداً إبقاءه "طفلاً عادياً" خوفاً من انتباه الآخرين أو الخطر الذي قد يصيبه من جراء هذا الأمر، يقود اختبار الطفل لقدراته بشكل بريء وعفوي، إلى سقوط طائرتين حربيتين معاديتين. عندها، ينقلب الخيال من ملاذ سرّي إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها.
وإذا كان الطفل خالد حسن يحمل على عاتقه ثقل الخيال والمواجهة، فإنّ أنطوان ضاهر، الراشد الوحيد بين أبطال الفيلم، يجسّد ببراعة ثقل الواقع وخوفه. دوره كالعمّ الوصي ليس مجرد شخصية مساعدة، بل مرآة لمجتمع تربّى على الاعتياد القسري للخوف، ومجتمع يخشى الاختلاف ويؤمن بأنّ النجاة تكمن في الاختباء والإنكار.
أنطوان ضاهر، بصفته الوجه الناضج الوحيد في هذا العالم الطفولي، يمنح الفيلم توازناً درامياً، حيث يتحوّل صراعه الداخلي بين حماية الطفل وقمع قدرته، إلى صراع أوسع بين منطق البقاء وحلم التغيير.
إخراجياً، تتعامل ماري روز مع المكان (وهو يعنيها بشكل شخصي كونه بيت جدها) ككائن حيّ، الجدران الحجريّة القديمة، ضوء القمر المتسرّب، والصمت المطبق حين تمرّ الطائرة فوق الرؤوس. هي لا تصوّر الحرب مباشرةً، تصوّر ارتجافاتها. فالصوت هنا أبلغ من الصورة، وهذا التبئير (من بؤرة) يمنح الفيلم نضجاً هادئاً، بعيداً عن الصراخ التوثيقي.
أما الممثلون، ولا سيما الطفل خالد حسن، فلم يؤدّوا أدواراً بقدر ما استعادوا لحظات يعرفها كل طفل لبناني، وهي تلك الثواني بين هدير الطائرة والصمت المخيف الذي يليه.
ولا يخلو الفيلم من إشارات ذات مغزى، ولا سيما حين يسأل الطفل، الذي يبدو مشاكساً طوال الوقت، عن سبب هدم البيت، وإعادة بنائه بحجارة إسمنتية بدل الحجارة الصخرية القديمة، في إدانة ذكية لـــ "الحداثة" المشوّهة. فضلاً عن تلميحات يلتقطها المشاهد في كثير من مشاهد الفيلم الناطقة والصامتة.
وتبقى في مسيرة هذا الفيلم، لحظة لا تنسى، هي كلمة ماري روز في برلين. تلك الكلمة الشجاعة التي حوّلت التتويج إلى شهادة على عصر يباد فيه الأطفال في ظلّ صمت دولي مطبق. وفي بيروت، أعادت دموعها صدى تلك الكلمة، وكأنّها توقّع على هوية فيلمها مرّة أخرى، لكن تحت سقف الوطن الذي شهد تفاصيله الأولى.
ولعلّ من المفيد أن نستعيد بعض ما قالته على منصة مهرجان برلين: "…هكذا يفعل الخيال السينمائي، يمنح الضعفاء قدرةً على قلب المعادلة. لكن في الواقع، أطفال غزة، وفي كلّ فلسطين، وفي بلدي لبنان، لا يملكون قوى خارقة تحميهم من القنابل (…) لا ينبغي لطفل في هذا العالم أن يحتاج إلى معجزة كي ينجو من إبادة تغذّيها حسابات الفيتو والصمت وانهيار القانون الدولي. إذا كان لهذا "الدبّ" معنى يتجاوز فرحي الشخصي، فليكن معناه بسيطاً وواضحاً: أطفال لبنان وفلسطين ليسوا بنداً على طاولة تفاوض".
في نهاية الليلة، وبعد أن أطفأت "سينما متروبوليس"شمعتها الــ 20. خرج الجمهور إلى شوارع بيروت المكتظة بالقلق، وبدا الفيلم وكأنّه لم ينتهِ. لأنّ نهايته الحقيقية ليست على الشاشة، بل في سماء لبنان، ولا سيما في الجنوب، حيث ينتظر أطفال آخرون بطلهم الخارق. وربما يكمن سرّ فوزه الحقيقي في كونه، بجماله الفني، مرآةً لا تطاق لواقع لا يستحقّ أن يستمر، وتحيّةً مؤلمة لأطفال لا يزالون يرفعون رؤوسهم إلى السماء، لا يطلبون جائزة، يطلبون حياة.
