حزب الله والحدث التكتوني سردية الولادة الثانية

يؤكد بيرم على ضرورة الاستفادة من تجربة المقاومة بقيادة حزب الله التي قدمت نموذجاً في مأسسة العمل بشكل لافت سواء على مستوى مؤسسات خدمة المجتمع أو على صعيد العمل المقاوم.

  • حزب الله والحدث التكتوني سردية الولادة الثانية
    حزب الله والحدث التكتوني سردية الولادة الثانية

"حزب الله – الولادة الثانية" سردية الوزير اللباني السابق مصطفى بيرم ليقدم من خلالها فكرة ان القهر المتراكم، جرف بطوفانه سنوات من الذل والاضطهاد داخل معتقل كبير أسمه غزة، وفي 7 تشرين الأول 2023 ومن داخل أكبر معتقل بشري في القرن 21 في فلسطين المحتلة (فار تنوّر طوفان القهر المتراكم) في داخل الفلسطينيين بوجه الاحتلال الإسرائيلي الغاشم والمتمادي في التجويع والحصار والقتل اليومي، واستيقظ العالم على حدث تكتوني (كتابة عن تحرك لصفائح الأرض) تنتج عنه زلازل، نفذته كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة حماس (والتحقت به سائر الفصائل وفي اليوم التالي المقاومة في لبنان، وسرعان ما تهاوت المستوطنات في غلاف غزة واحدة تلو الأخرى في مشهدية انهيار لم يعهدها الكيان المؤقت والمزروع غصّباً في بلادنا من قبل منظومة الغرب الاستعمارية .

كتاب حزب الله الولادة الثانية، المؤلف الوزير السابق مصطفى بيرم، صادر عن دار المحجة البيضاء، يقع في 300 صفحة من القطع الوسط عام 2025، بيروت لبنان.

ثوران البركان

يوصف كتاب حزب الله المشهدية، انه في وقت يقبع الفلسطينيون في حصار لا إنساني قل نظيره في "غيتو" مفروض عليهم وتحيطكم جدران الفصل العنصري التي تقطع عنهم الماء والغذاء والهواء مع إذلال يومي على بوابات العبور في شكل مهين لا يشبه حتى العيش في الأدغال وكل ذلك يشي بعقدة نفسية تسبّب بها الغرب لليهود قتلاً واضطهاداً، كي ينقلها هؤلاء إلينا "يعاقبك الآخرون بالطريقة التي عوقبوا بها من قبل، إنها طريقتهم للثأر من الماضي كما وصفه الكاتب التشيكي اليهودي "كارل دوتش" بأنها "مجموعة من الأشخاص اتحدوا على خطاً مشترك ورثوه من أجدادهم وعلى كره تجاه جيرانهم (العرب) بدون ذنب، لذا انفجر الطوفان كصرخة اعتراض إنسانية جماعية تذكّر بالحقّ السليب، وتمضي سردية المؤلف انه في الشهر الحادي عشر على طوفان الأقصى وفي أيلول 2024، دخل العدّو الصهيوني في مرحلة تصعيدية واضحة نحو لبنان رغم التزام المقاومة اللبنانية بالنمط العسكري نفسه منذ بدء عملية إسناد غزة وأهلها في 8 تشرين الأول 2023، وللحدّ من اندفاعة الوحش المجرم  وعصابة القتل الصهيوني الاميركية مستغلاً (نتنياهو) الوضع الملتبس للادارة الاميركية ومحاولاً فرض وقائع جديدة ليُبنى عليها ويتم تسييلها لمصلحته الشخصية أولاً، فبدأت إسرائيل عمليات نوعية تستهدف "منظومة القيادة والسيطرة" في المقاومة اللبنانية من خلال ضربات غير مسبوقة أقرب الخيال وذلك من خلال:

- تفجير الآف أجهزة البيحر واللاسلكي في يومين (17 و 18 أيلول) بحامليها في جريمة حرب لم تعهدها النزاعات العسكرية من قبل وتحويلها إلى عبوات متفجرة، (ولا يبرر أن يكون البعض ممن انفجرت به منتمياً للمقاومة إذ إنهم في حالة  مدنية غير عسكرية ولا حربية تبعاً لشرط قانوني مكرس في الاجتهاد الدولي الإنساني، وفي 27 أيلول وفي لحظة مفصلية حول قبول الإسرائيلي بوقف إطلاق النار وموافقة لبنان ولا سيما المقاومة على الطرح الاميركي الفرنسي، يعني منطقياً أننا دخلنا (أقله من جهتنا) في مرحلة جديدة قوامها أن صفحة الإسناد لغزة قد تغيّرت باعتبار أن المبادرة تشمل غزة ولبنان معاً، فإذا وافق العدوّ كان الخير في ذلك وإذا لم يوافق (كما حصل فعلاً)، وفيما كان العالم يترقب التوقيع (أو الموافقة) على مشروع وقف إطلاق النار فمجرم الحرب نتنياهو ومن داخل حرم الأمم المتحدة وفي سابقة خطيرة بأمر جيشه (عصابته القاتلة) بإلقاء 83 طناً من المتفجرات على مجمع في الضاحية بطريقة غادرة وفاجرة وحاقدة ويقتل أيقونة الحرية وناصر المظلومين والنموذج الإنساني وفخر لبنان والأحرار سماحة السيد حسن نصر الله وكوكبة من رفاقه المضحّين، لتسود الفجيعة في قلوب المحبين والمريدين (بل وحتى المختلفين معه ممن لا يعانون من أحقاد الكره المرضي) ويعيشون حاله من عدم التصديق لهول ما حصل إنه القائد الذي قدّم نموذجاً استثنائياً جمع الكاريزما والمصداقية (عُرف حتى عند العدو بالوعد الصادق) والقوة والثقة والحكمة والأخلاق والإيمان والمعيارية والإنسانية وهي صفات تتطلبها نماذج ومتواليات القيادة الملهمة والمعاصرة .
الواقعة تتكرر والتاريخ نفسه.

يقارن الوزير مصطفى بيرم في كتابه، ان هجمات الصهاينة المدعومة بالزخم الأميركي (لتكون سحقاً للمقاومة) وبيئتها وقائدها في تكرار للحدث الفريد الذي لا مثيل له والممتد في قرون التاريخ عنيت به حادثة كربلاء سنة 61 هجرية (أي منذ ما يقارب 1400 سنة) وقد كان الشعار المعلن لقتل الإمام الحسين، "لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقيه" وهو شعار نتنياهو نفسه وقادة محور الظلم والاحتلال والقتل في القرن 21 وهم منظومة قيمية للباطل والشيطنة ممتدة في التاريخ كمصاديق متكررة، وكأن التاريخ يعيد نفسه لكن المصاديق تحصل وتتكرر على قاعدة "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" فإننا في هذه الكربلائية المفروضة علينا غدراً وإجراماً وإستئصالاً من قبل الناتو وثكنتهم المزروعة غصباً  في بلادنا ومن يقرأ مسارات الحروب الجديدة يجد أنه لا بدّ من معركة قوية تحسم ما مهّد له سلاح الجو من "سجادة كاملة" (مصطلح عسكري يشير إلى الأرض المحروقة) يفترض أن تكون قد أنهكت الخصم وبددت قواه وأوهنت عزيمته مع البيئة الحامية والحاضنة فكيف إذا كان الحال كما حصل في لبنان من ضربات قوية وغير مسبوقة حيث يندر أو بالأحرى لم يحصل في التاريخ لأي منظومة عسكرية أو أمنية أو سياسية أو قيادية أو إدارية أو حتى جيش نظامي يتعرّض لما تعرّضت له المقاومة في لبنان .

المقاومة وسلاحها

ويكشف المؤلف، إن ما تقدم يشير إلى حقيقة وإشكالية معّا تتمثل بأن المقاومة لم تعد مرتبطة بحزب أو تنظيم وحسب، بل هي مسألة مرتبطة وجودياً بمكوّن رئيسي للكيان اللبناني ومعه الكثير ممن يؤمنون بهذا الخيار من خارج الانتماءات الطائفية في لبنان وإن أي مقاربة لهذه القضية (المقاومة وسلاحها) ومن يشاركه هذا المكون في الإيمان بالمقاومة ورغم القناعة الكاملة بنهائية لبنان لأبنائه كافة وتبنّي خيار الدولة أصالة ووجوب الجيش اللبناني يدافع عن كل لبنان وأهله، يستشعر (من خلال ضعف الدولة وأدائها الباهت والفيتو الصريح والواضح أميركياً في منع تسليح الجيش اللبناني وغياب لأي فعالية للدبلوماسية والقرارات الدولية) خطراً وجودياً حقيقياً، وربطاً بأحداث الحرب ومجرياتها ونوايا العدّو المعلنة ومن يدعمه غربياً وعربياً ذات العقلية الاستئصالية فضلاً عن الأحداث المتسارعة والمرعبة في القرب من حدودنا وعلى تخومنا في سوريا،بالتوازي مع استباحة إسرائيلية كاملة لكل أرض عربية حيثما تسنح لهم الفرصة .

يكشف المؤلف السيد مصطفى بيرم، ان المرحلة الثانية لولادة  حزب الله تحتم التركيز على النموذج المعياري لان حزب الله كان النموذج والأبرز في التدليل على السلوك الواجب اتباعه تجاه محنة الظلم والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة منذ نشأة هذا الكيان للقيط، والذي شكّل استثناءً على كل القوانين والقرارات والأعراف الدولية فضلاً عن أداء ما أسماه حزب الله بالاستكبار العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية حيث أظهرت "الأنطوفانيا" (أي النحو الذي تظهر عليه الكائنات) متلبّسة بعدوى الظلم التي سادت أفقياً بما طال كل شؤون المجتمع الإنساني، وهذا يقتضي التعاون الكبير بين كل اللبنانيين ويوفر معايير واضحة قوية لأن فهم "خطوط الصدع" مسألة مهمة جداً باعتبارها خطوط صدع خارجية وهي وصفة تدمير للمجتمعات الإثنية والتعددية، خاصة أننا أمام سياسية تفتيت للمنطقة وتشتيت وتقسيم وفرز مخيف وصناعة "إسلام  زومبي تكفيري" خطير ومعاد للبشرية في وجه أديان ذات أصالة حضارية وإنسانية، ومنها المسيحية "الإسلام المحمدي الأصيل" وقوى المقاومة الحيّة خاصة حزب الله لبنان الذي قدّم نموذجاً أخلاقياً حضارياً شهد به العدوّ المنصف قبل الصديق في كل تجاربه من خلال الحفاظ على تنوع النسيج اللبناني أو من خلال معاملته لأسرى العدوّ الإسرائيلي مكرّساً قيّم الإسلام الحقيقية خلال التحرير عام 2000.

مخاض الولادة الثانية

وما يعزّز تسويقنا لهذه العصبية اللبنانية الجامعة والحامية للجميع تواجدنا في مرحلة "الأنوميا" أو "اللامعيارية" التي نظّر لها " المفكر الايطالي انطونيوغرامشي" والتي تعني أن الوضع القديم انتهى والوضع الجديد لم يولد بعد وما بينهما تكمن كل المخاطر، ويذكر المؤلف في كتاب حزب الله الولادة الثانية، (بجهادّ التبيين) الذي يعتبره  أساس نحن نتعامل مع الأذهان والقلوب التي ينبغي أن تقتنع  فإن لم تقتنع فإن الأجسام لا تتحرك ولا تنهض للعمل- "الجهاد ليس مجرد حمل السيف والحرب في ساحة القتال، الجهاد يشمل الجهاد الفكري والجهاد العملي والجهاد التبييني والتبليغي كذلك الجهاد المالي والاقتصادي، مؤكداً على نقطة مفتاحية اهمها الاستفادة من تجربة المقاومة بقيادة حزب الله التي قدمت نموذجاً في مأسسة العمل بشكل لافت سواء على مستوى مؤسسات خدمة المجتمع أو على صعيد العمل المقاوم، إذ إنه وكما غيره من الأحزاب الذين تلقّوا المساعدات إلاّ أنه تميّز عنها في تحويلها إلى مؤسسات ومدارس ومعاهد وجامعات ومستشفيات في خدمة المجتمع مرسياً العمل المؤسساتي بعيداً عن الوراثة التي تعوّدنا عليها في لبنان، وهكذا ينهى الوزير مصطفى بيرم رؤيته في الولادة الثانية لحزب الله.

اخترنا لك