حبل السُّرَّة

سنعيد بناء جسر القاسمية ليس لأننا بحاجة إلى معبر فقط، بل لأن إعادة البناء في ثقافتنا هي الطريقة التي نؤكد بها استمرار البقاء، واستمرارية السردية أيضاً.

من ينسى مشهد عائلة جنوبية تستقل سيارة تعبر فوق جسر مهدّم عائدة إلى الجنوب، فور إعلان وقف إطلاق النار في نهاية العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف 2006؟

يومها، لم تنتظر آلاف العائلات طلوع الضوء. تسابقت إلى بلداتها وقراها وبيوتها، وبعضها نصب خيمة فوق أنقاض منزله المدمر، مفضلاً إياها على أي مكان آخر للتهجير.

جسر القاسمية، بالنسبة للجنوبيين، ليس مجرد منشأ يصل بين ضفتين. إنه حبل سرّة بالمعنى الحرفي: ذلك الحبل الذي يربط الجنين بأمه، لا يقطع إلا بعد أن يعلن الجسد أنه قادر على الحياة وحده. غير أن الجنوبي، حين يعبر هذا الجسر عائداً من الشمال، يشعر أنه لم يولد بعد إلا في تلك اللحظة. يقول: "رجعت لي روحي". كأن الروح تبقى في مسقط الرأس، فيما يصول الجسد ويجول حيث يشاء. جسر القاسمية، إذن، هو موطن الولادة الثانية.

الاحتلال الإسرائيلي يعمد إلى قصفه في كل حرب، لأنه يدرك هذا المعنى العميق. ليس الجسر عائقاً عسكرياً فقط، بل هو رمز وجودي. والجنوبيون يعيدون بناءه كل مرة على نفقة الميسورين منهم، في مشهد تتوارى فيه السلطة الرسمية بين عاجزة ومتواطئة. إعادة البناء هذه هي فعل تمسك، وهي تأكيد إن الأرض لا تُرتهن بقدرة مدمر، بل بإرادة أبنائها.

الجسر، في هذا السياق، ليس مجرد إنشاء هندسي، بل هو فعل إنساني يعيد تعريف العلاقة بالمكان. كما يرى إدوار سعيد، العودة ليست انتقالاً في الجغرافيا فقط، بل استعادة للرواية التي يسعى الاحتلال إلى شطبها.

ذلك أن جسر القاسمية لا يصل بين ضفتين متقابلتين فحسب، بل يصل بين الذاكرة الجماعية والأرض التي تنتظر من يعيد تسميتها. فالعبور، في الثقافة الجنوبية، هو الذي يخلق الضفة المقابلة ضفة، وإلا لظلت مجرد شاطئ آخر لا صلة به.

هذه السردية لا تنفصل عن الحسّ. فالجسر صاغ علاقتنا بالأرض صياغة حسية: نعبره فنختبر وزن الماء تحتنا، وارتطام المطر على أسقف سياراتنا، وهشاشة وجودنا بين ضفتين. من يعبر جسر القاسمية في ليلة شتوية ماطرة، يعرف أن الجسر ليس سطحاً إسمنتياً فقط، بل هو مكان يختبر فيه الإنسان حدود هشاشته وصلابته معاً.

تلك التجربة الحسية (التي نختبرها بشكل فطري وعفوي وبالحسّ قبل الإدراك) هي التي رسخت فيه معنى يتجاوز المنفعة المادية كمجرد صلة وصل بين ضفتين، فصار علامة على الاستمرار، وحبلاً سُرّياً يربط الإنسان بترابه.

حين يُهدم الجسر، لا يُهدم مسار مادي فقط، بل إمكانية الربط بين الماضي والحاضر، وبين الذات وأصلها. لكن ما لا تدركه القوة التي تهدم هو أن الجسر، في الثقافات المتجذرة، هو فعل حضور قبل أن يكون فعلاً إنشائياً. ما الهوية فليست مخزوناً ثابتاً، بل هي سرد نعيد تأليفه باستمرار، والجسر، في سردية الجنوب، عنصر من عناصر هذا التأليف المستمر. تدميره لا يمحوه من السرد، بل يضيف إليه فصلاً جديداً: فصل إعادة البناء.

ليس التمسك بالأرض مجرد نزعة عاطفية يمكن تفكيكها بفعل القصف والتدمير والتهجير. فجذور الإنسان في الأرض هي التي تمنح وجوده واقعية واستقراراً. حين تُقطع الجذور بالقوة، لا يُسلب الإنسان مكاناً فقط، بل يُسلب إمكانية أن يكون حاضراً في وجوده.

من هنا، فإن إعادة بناء الجسر ليست مشروعاً هندسياً فقط، بل هي فعل استعادة للواقعية، هي قول إننا موجودون هنا، ولن نجعل عدواً يقرر شروط وجودنا.

الدمار الذي لحق بالجسر وغيره من جسور الليطاني هو محاولة قطع حبل السرّة. لكن هذا الحبل ليس جسماً مادياً ينقطع بانقطاع المادي. إنه صلة قصدية، لا تنحل إلا إذا انحلت الإرادة في الانتماء. وطالما ظلت الإرادة متعلقة، فإن إعادة البناء تصير ضرورة وجودية قبل أن تكون ضرورة هندسية.

سنعيد بناءه. ليس لأننا بحاجة إلى معبر فقط، بل لأن إعادة البناء في ثقافتنا هي الطريقة التي نؤكد بها استمرار البقاء، واستمرارية السردية أيضاً. الجسر الجديد سيكون امتداداً للقديم، ليس في حجارته، بل في الوظيفة الرمزية التي لا تدمَّر: وظيفة الربط بين ما هو ها هنا وما هو هناك، بين الذات وأصلها، بين الاسم والأرض التي تستحقها.

في العودة إلى بناء ما هدم، ما نفعله هو إقامة وجودنا في المكان الذي يريدونه لنا فراغاً من الوجود ومن المعنى.

اخترنا لك