تشومسكي: العقل ضدّ السلطة
دأب تشومسكي في كلّ مؤلفاته على نقد الغرب بوجه عامّ، أكثر من الذي هو في صميم القضية، فعلى سبيل التدليل يرى في غزو السوفيات لأفغانستان شرّاً أقلّ من غزو الولايات المتحدة لهذا البلد.
-
العقل ضدّ السلطة: رهان باسكال
كلنا لديه دراية ولو على مستوى السّماع عن فكرة رهان باسكال القائلة بأنّ الإنسان يجد نفسه باستمرار إزاء قضية الإيمان بوجود الله أمام موقفين حرجين: فإذا أنكر هذا الوجود وكانت حقيقة الأمر عكس ذلك فهو لا شكّ يعرّض نفسه للخسارة، وإن آمن بالله وكانت الحقيقة أيضاً غير ذلك، لم يكن هنا بخاسر لأيّ شيء. فاستنتج باسكال أنّ موقف الإيمان لن يضعه في ضفة الخسارة أبداً، أي بالنتيجة يرجّح موقف الإيمان أمام الشكّ والإلحاد.
في هذا الكتاب يأتي المفكّر تشومسكي بتغيير رهان باسكال بقوله "إذا تخلّينا عن الأمل واستسلمنا إلى السلبية، كنّا نساعد على حدوث الأسوأ، وإذا حافظنا على الأمل وعملنا بجدّ واجتهاد للدفع بوعوده إلى التحقّق، فإنّ من شأن ذلك أنّ يدفع بالأوضاع نحو الأفضل". أي وبوضوح أكثر يتنصر تشومسكي بقوة لفكرة انتصار الأمل على اليأس، وتغليبه على السلبية. ورهان باسكال يغيّر منه تشومسكي ويصير رهاناً على السلطة وهذا في حقيقة الأمر غير موثوق به، ورهان على العقل ضدّ السلطة.
يمثّل هذا الكتاب بوابة كبيرة لمعرفة سمات شخصيّة تشومسكي المثقّفة والصادقة ومجانبتها للحقيقة مقارنة مع المثقّفين المعاصرين.
ويتمحور حول ثلاثة محاور جوهرية: يشير المحور الأول إلى نقد أميركا والسياسة الأميركية. والمحور الثاني يتعلّق بحوارات تجري بين نعوم تشومسكي وجون بروكمان الباحث والفيزيائي البلجيكي حول شؤون الطبيعة البشرية، والثورات، والتقدّم، والفوضى، والسوق والمثقّفين، وحرية التعبير، والدين، والأخلاق. ويركّز المحور الثالث على شؤون العلم (النظريات الداروينية) والجسم والروح وشؤون الفلسفة (الوضعية والتأويلية).
دأب تشومسكي في كلّ مؤلفاته على نقد الغرب بوجه عامّ، أكثر من الذي هو في صميم القضية، فعلى سبيل التدليل يرى في غزو السوفيات لأفغانستان شرّاً أقلّ من غزو الولايات المتحدة لهذا البلد. ذلك لأنّ المرأة الأفغانية في عهد السوفيات كانت بحالة أفضل من وضعها في ظلّ الأميركيين وفي ظلّ المتطرّفين الإسلاميين.
في اعتقاد تشومسكي أنّ الإنجازات التي تحقّقت للإنسانية في معظم بقاع الأرض وعلى رأسها أميركا، إلى نضالات الشعوب "فبعض التغيّرات تظلّ ممكنة، لكن لا سبيل إلى تحقّقها من غير التزام نضالي طويل".
إقرأ أيضاً: متهم بمعاداة السامية.. نعوم تشومسكي: عقل ضدّ سلطة الهيمنة والاستعمار
ينوّه تشومسكي علانية بأنّ الدين ليس حالة سلبية تحيط بالمتديّن، بل يمثّل حالة باعثة على الراحة النفسية وعاملاً لتحلّق الناس، شريطة أن يبقى بهذا الإطار، ويستشهد بأفكار بعض الهندوس ويرى أنّ الإنسان لديه رغبات وحاجات ليست مادية فحسب، بل لديه متطلّبات فكرية وجدانية وابتكارية، لكن يجب ألّا تضرّ بالآخرين بالتأكيد.
ينتقد تشومسكي المثقّفين الغربيين بقوة، ذلك أنهم باستمرار يجنحون نحو السلطة، أو أنهم لا يقفون إلى جانب الحقيقة. إضافة إلى أنه لا يهتمّ للنظريات ويعتبر بأنّ مصطلح "نظرية" قد عفا عليه الزمن.
وهنا أسمح لنفسي باقتباس حوار بين جون بروكمان وتشومسكي يتعلّق بالأزمة الاقتصادية.
"يقول جون بروكمان: تقوم النظرة التفاؤلية والمهيمنة على أنّ الأزمة الاقتصادية الراهنة هي أزمة مؤقتة، ويرى البعض الآخر أنها إنذار بنهاية شيء عظيم. ولكن ماذا تراه يكون أولاً العولمة أم الليبرالية الجديدة، أم الرأسمالية أم المجتمع الاستهلاكي، أم العصر التقاني العلمي، أم الأنوار؟ فماذا ترى في هذا الموضوع؟
يجيب تشومسكي: ما يريده الغرب من "الأزمة الاقتصادية" هو الأزمة المالية، وهي لا ريب قاصمة. وأما في الجنوب فيكابد أزمة أشدّ اختلافاً وأعظم وطأة بكثير. فنحن نقرأ في صحيفة نيو نيشن البنغالية: "لأنْ تُصرف ملايين المليارات من الدولارات لمساعدة كبرى المؤسسات المالية العالمية على النهوض، فذلك أمر عظيم الأهمية، وأما الأزمة الغذائية فلم يصرف عليها غير مليار واحد من الدولارات من أصل المبلغ المتواضع نسبياً، الموعود به في روما خلال شهر حزيران/ يونيو 2008، والمحدّدة قيمته بـ 12,3 مليار دولار.
إنّ الطموح إلى القضاء على الفقر المدقع قبل سنة 2015 وهو الأمر الذي جاء النصّ عليه في "الأهداف الإنمائية للألفية" التي وضعتها منظّمة الأمم المتحدة ولا يزال يبدو أمراً بعيد المنال، ليس لنقص الموارد، بل بسبب غياب اهتمام حقيقي بمصير فقراء العالم. وهذا الأمر له صلة بالأزمة المالية، فقد أعلن القائمون على برنامج الأمن الغذائي العالمي التابع لمنظّمة الأمم المتحدة، أنهم مضطرّون إلى خفض مساعداته الغذائية من 20% إلى 25% بسبب الانخفاض المفاجئ الذي وقع في مساهمات البلدان المانحة من جرّاء الوضعية الراهنة التي تمرّ بها البلدان الغنية، حيث يعتبر إنقاذ البنوك أولوية تفوق في أهميتها تقديم المساعدة إلى أكثر من مليار شخص مهدّدين بالمجاعة. وهو رقم أضيف إليه أكثر من مليون آخرين خلال السنة الماضية (هذا في سنة 2008 فما عساه يكون في سنة 2025) بحسب ما أفاد القائمون على هذا البرنامج. ونحن نقف على قلّة اهتمام الغرب بهذه الأزمات من حجم التغطية الإعلامية التي يخصصها لها. فهذا الإعلان عن برنامج الغذاء العالمي لم تفرد له صحيفة نيويورك تايمز غير خمس عشرة كلمة في الصفحة العاشرة وأدرجته ضمن ركن "أخبار من العالم".
وبالعودة إلى ما طرحتُه من أسئلة يمكننا أن نذهب إلى التفكير، استلهاماً من فكرة قال بها رومان رولان وأنطونيو غرامشي في ضرورة الجمع بين تشاؤم المثقّف وتفاؤل أصحاب الإرادة. ذلك بأنّ تشاؤم المثقّف يقوم على اعتقاد بأنّ الأزمة المالية الراهنة سيتمّ تداركها بوجه من الوجوه من دون أن تتعرّض البنية المؤسسية القاعدية في معظمها لأيّ تبديل. ويستشهد برأي رئيس غرفة المحامين سوليفيان وكر ومويل الذي قال بأنّ "المساهمات التي حصلت عليها وول ستريت والمقدّرة بمليارات الدولارات من المساهمين ستتيح لها الخروج من الأزمة فتعود إلى قريب من الحالة التي كانت عليها قبل انهيار الأسواق، وقدّم سيمون جونسون الاقتصادي والرئيس السابق لصندوق النقد الدولي بياناً لهذا الأمر إذ قال: "لقد حرصت الحكومة طوال فترة الأزمة على عدم مناوأة مصالح المؤسسات المالية، وألّا تعيد النظر في الخطوط الكبرى للنظام الذي أدّى بنا إلى هذه الوضعية، ويشير هو وآخرون إلى أنّ إدارة أوباما باتت رهينة لوول ستريت ـــــ وليس هو أمر يدعو للاستغراب.
فإذا تمعّنا في تمويل حملة أوباما نرى أنّ العامل الأكبر في فوزه الانتخابي يعود إلى مساهمات الصناعات المالية التي آثرته على جون ماكين. لكن وقعت مع ذلك بعض التغيّرات.. فقد وقع الانهيار، وإن يكن جزئياً، في بنك الاستثمار. وصارت خرافة "الأسواق الفعّالة" و"الاختيارات العقلانية" إلى انحطاط وبوار، بعد أن كانت لها الهيمنة، ولا شكّ أنه ستقع فيها مراجعة وإعادة للنظر. غير أننا لا ينبغي أن يغيب عنا بأنّ الأثرياء والأقوياء لم يبلغوا من السذاجة مبلغهم اليوم، هم الذين صاروا يضعون ثقتهم في "رأسمالية السوق الحرة"، وينصحون بها الفقراء والضعفاء. فإنهم يعوّلون كثيراً على مساندة الدولة، كما نرى في سياسة التأمين العمومي المرتبط بمفهوم "الشيء القوي الجبّار المتمنّع عن الإفلاس"، وهو الذي يشجّع على المخاطرة الكبرى والربح الجامح، إلى أن يحدث الانهيار، وفي تلك اللحظة تصير الماليات العمومية مجبرة على أن تهبّ لنجدتهم، وهذا أمر جارٍ مألوف.
إقرأ أيضاً: كيف تُهدّد السياسة الخارجية الأميركية العالم؟
ولنأخذ مثالاً مجموعة سيتي غروب التي حصلت على إعانات هائلة من المساهمين، وسبق أن حصل مثيل لهذا في مطلع الثمانينيات وذلك بفضل صندوق النقد الدولي، المنبثق عن وزارة المالية في الولايات المتحدة الأميركية، فقد تصرّف يومها بصفته "المؤمّن لجماعة القروض"، بتعبير مديره التنفيذي الأميركي. يتوقّف الاقتصاد الصناعي المتقدّم على القطاع العمومي في مجال البحث، والتنمية، والعقود العسكرية، والمساعدات، والإنقاذ والحماية، كما يتوقّف على حيل وخدع أخرى عديدة تقوم له بالحماية من قوى السوق.
وأما تفاؤل أصحاب "الإرادة" فمفاده بأنّ تغيّراً أساسياً وممكناً في المؤسسات التخريبية التي تهيمن على النظامين الاقتصادي والسياسي، ربما يكون هو السبيل الممهّد لاقتصاد مستدام، تواكبه عولمة تخدم عموم الناس، وليست مسخّرة للمستثمرين، وهي السبيل الممهّد كذلك لتوظيف مساهمات "العصر التقاني العلمي" لخدمة هذه المصالح نفسها، فلسنا نعدم الإمكانيات، لكن يلزم القيام بعمل هائل من أجل تحويل هذه الإمكانيات إلى احتمالات حقيقية.
يعتبر هذا الكتاب ممتعاً جداً، لأنه يندرج تحت الكتب الحوارية التي لا تدخل الملل إلى قلب القارئ الشغوف بمعرفة حقيقة ما يجري حوله على لسان المثقّفين النخبويّين أمثال جون بروكمان ونعوم تشومسكي.